خربَشات على الرّصيف

، بقلم صالح أحمد كناعنة

هنا السّاحاتُ أوسَعُ من شَهيقِ الوَردِ، لكنّا
أبينا أن نكونَ سوى ارتِجالِ الصّمتِ
حينَ اختَصَّنا عمرُ الحقيقَةِ بالتّعاويذِ.
فيا زَلّاتِ عمرِ الشَّوقِ كَم كُنّا تَحاشَيناكِ لو أنّا...
أبَينا أن نُكَلِّلَ خَطوَنا بالسِّرِّ؛ فامتَدّت
أيادينا إلى خِلٍّ، لأنّ الخِلَّ خالَفَنا ولم يَقبَل..
بأن يبقى لنا ظِلًا، ولم يَسلُك مَهاوينا..
ويا رِمشًا بوَجهِ مَدينَةٍ حَنَّت إلى شَرقٍ
أوى غَربًا، وسارَ بليلِ مَرتَعِهِ بلا لُغَةٍ
يُراوِدُ كلَّ مأساةٍ بدَت عَن حظِّهِ فيها.
أخافُ على عُيونِ السِّرِّ مِن عَدوى تَوَحُّدِنا
وكلُّ عناصِرِ الهِندامِ ديدَنُنا..
وكلُّ مراتِعِ الأحلامِ تَجذِبُنا..
وكلُّ مظاهِرِ الأوهامِ تَفتِنُنا..
ومن كلِّ اللغاتِ قَبَستُ ما يَحتاجُ مفتونٌ
ليصرُخَ: "ما أنا لأنا"!
يطولُ بنا رصيفُ العُذرِ؛ منّا يبتدي.. وبنا
تضيعُ خطوطُ وُجهَتِهِ، ووُجهَتنا
تُكَلِّلُ بُؤسَها غَضَبًا مرايانا
فينضِجُ بُرعُمُ الإشفاقِ أمنِيَةً؛
تَطَهَّرَ من مَدامِعِها هَوايَ، فصارَ بي قَدَرًا؛
فأصرُخُ قاتِلي وتَري.
جنونُ الوقتِ يُنكِرُني ليَكبُرَ بي...
ضجيجُ السّكرَةِ الماضي إلى أفُقٍ مِنَ الضّجَرِ
كأسرابٍ منَ الحَسونِ تُنسيها مَفازِعُها
جَمالَ الوَقتِ ممتَدًّا على شَفَةِ المدى.. لكن؛
عيونُ الهجرِ لا تعبأ.
لكم عِشنا –هُروبًا من مواجِعِنا-
نؤلّفُ الفَ أغنِيَةٍ، ونبتَزُّ الأساطيرا؛
ليحبَلَ ليلُنا صبحًا، ويُلقِمَ خَوفَنا غَيثا...
يُبلّلَ عودَ فُرقَتِنا، ويَسقينا وُعودًا زَمهريريّة،
تُبَشِّرُنا: مضى زَمَنُ الجَفا وَهَوَت صحارى عُمرِهِ فينا..
فما معنى تَلاقينا؟
قوافِلُ عُمرِنا تَمضي إلى شَفَةٍ؛
تناسى الصوتُ أن يُعنى بأحرُفها...
مَضَت أنفاسُها المَخدوشَةُ الحيرى؛
تُراوِدُها زوايا مَضجَعِ الأسرارِ عَن لونٍ يُمَثِّلُها؛
فتأبى غيرَ أن تَبقى بقَوقَعَةِ الضَّياعِ تمُرُّ..
كالأخبارِ أغراها جُنونُ الرّملِ...
راحَ يُقلِّدُ الإعصارَ، يلوي أذرُعَ النّخلاتِ كالملدوغِ..
يُلقِمُهُ جنونُ الرّيحِ قَيْءَ جنونِهِ... وَدُوار.
بصَمتٍ رَعشَةُ الأيامِ تَعبُرُ أفقَنا ثَكلى؛
يُناجيها المَدى فَتروحُ، تَكسوا عُذرَها شَكلا،
وتَرقُبُ غَرسَها المَفتونِ مصفَرًا... وما غلَّ.
كأجمَلِ صورَةٍ تاقَت لِحِضنِ إطارِها المَكسورِ..
تَمضي بَسمَةُ المَقهورِ، تَبحَثُ عن صدى يَومٍ؛
تَجَرَّدَ مِن عَناصِرِهِ، ليَسكُنَ وَحدَهُ أفُقًا بلا شَفَقٍ، بلا لُغَةٍ...
بلا أسطورَةٍ تحويهِ، أو عُنوان.
ودارَت دَورَةُ الأحزان...
وَصِيَّتُنا تَضِجُّ بغاضِبِ الخُطَبِ..
على رَملِ الصّحارى نبتَني صَرحًا يناجي عابِرَ السُّحُبِ
يحاذِرُ راعِشَ الصَّخَبِ...
بلا شَغَفٍ يناجي جرحَهُ عَبَثَا:
أنا أودَعتُ مَن في الدّارِ ما استَلهَمتُ...
عينُ خرافَةِ الشّكوى؛ تبَشّرهم..
كذلكَ تَهطُلُ الأسرار..
قديمٌ حلمُ رِقَّتِنا بأن تَغدو انتِصارَ النّشوَةِ الكُبرى...
على المَفروغِ مِن عَبَثِه.
تُجَلجِلُ فَرحَةً عَينا مُهاجِرَةٍ تَخَلَّت عَن بَراءَتِها؛
لتَردَعَ قسوَةَ الحِرمانِ، وانتَعَلَت مَزاياها؛
لتَكتَشِفَ انحِناءاتِ الرّصيفِ المُنتَهي...
لعُروقِ كَفٍّ زَيَّنَ الياقوتُ عَرقَتَها...
وطارَ بها ليَمنَحَها نَزاهَتَها...
وتبقى الشَّمسُ مبعَدَةً بِسِرِّ وُضوحِها القاسي.
تعاطَينا أمانينا لتُنسينا مواجِعَ خيمَةٍ أوتادُها فينا..
تَسابَقنا رفاهِيَةَ الصّدى الرّعناءَ،
أوتارَ الهوى المشدودِ للموجاتِ..
أُنسينا نشيدًا دَشَّنتهُ الرّيحُ..
ذُكِّرنا حَديثَ الإفكِ..
صفّقنا لِكِسرى في خَريفِ العارِ...
أبعِدنا، وأدنينا، وأغوينا...
ليَفنى بأسُنا فينا.
كذا تتأرجَحُ الرّاياتُ عابِثَةً..
كما تتأرجَحُ الأمثالُ في الأفواهِ غابِرَةً..
لنَغنَمَ رِحلَةً للغَيبِ؛ حيثُ الصَّوتُ "ديكورٌ" ،
تُزَركِشُهُ مَواقيتُ الهروبِ إلى شواطِئَ لم تَلِد لُغَتي..
تَضِجُّ بِقِصَّةِ البَعثِ التي انهارَت...
ولم يَشفَع لفارِسِها جُنونُ الرّيحِ من أحوالِ سُنبُلَةٍ..
تَموجُ بثابِتِ البُشرى...
وتَفضَحُ سَكرَةَ الناسِك!


صالح أحمد كناعنة

قاص وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف