عصرنة الثقافة من دون تنكر للتراث

، بقلم نايف عبوش

لاشك أن عوامل النشأة الأولى، البيئية منها، والاجتماعية،وأنماط التعليم، قد تكون، إضافة إلى عوامل التغذية الثقافية الأخرى، هي المسؤولة بشكل أو بآخر، عن ترسيخ مجسمات ثقافة الموروث الشعبي،في الوجدان الجمعي العام، لأي جيل، في اللحظة. ولعل معاصرة جيل اللحظة، ومعايشته لرعيل جيل السلف، والتصاقه العضوي في رحاب فضائهم ،وتفاعله معهم، بتماه مطلق،والتقاطه الكثير من استلهاماته الوجدانية، من أعماق هذا الوسط، الطافح بالإيحاءات،هو ما يشده أكثر، للتشبث بثقافة التراث، والالتصاق بها. ولذلك، فليس من الغريب، إن نجده ينجذب ابتداء، وبشكل تلقائي، إلى ثقافة، وتقاليد الريف، بشكل قوي، يصل إلى حد التماهي المطلق، تاركا خلفه في بواكير حياته ،كل إغراءات التمدن،حيث يأنس لحديث ختيارية القوم ،ويستمتع بمقابساتهم، وينجذب إلى مجالس سمرهم، وينبهر بعفويتهم، وصدق عواطفهم، ونبل مواقفهم. ولعل هذا هو ما يجعله، يتلمس فيهم أصالة روح الريف، ويجد فيهم مثال الانتماء الصادق للبيئة، في الزمان، والمكان، والإنسان، فيحاكيهم في سلوكه اليومي.

وانطلاقاً من حقيقة خلفية تلك النشأة، فإنه يبدو أن الاهتمام، بموضوعة الحفاظ على التراث، ينبغي أن يكون نابعا من قناعة تامة، بضرورة التواصل الحي مع التراث، باعتباره، رغم كل بساطته، منجزا تاريخيا تراكميا، من منجزات أي قوم، وذاكرة حية له، باعتباره رافد أصالة متدفقة، وبذلك فإنه يفترض أن يشكل قاعدة الانطلاق إلى الحداثة، والتطور، حيث تعتبر التقاليد الموروثة، نقطة التوازن مع العصرنة،التي تهدد بوسائلها المتطورة هذا الموروث الشعبي بالانقراض، وبالتالي فإن حرمان الأجيال اللاحقة من هذا الإرث النفيس، الذي يشكل امتيازا جماليا، وقيمة معنوية، وطاقة روحية، تجعل الماضي، ثروة من الحس المتواصل مع الحاضر، المتطلع إلى المستقبل الحالم،سيمسخ أصالة الهوية، ويقود إلى الاستلاب، والضياع، والاغتراب الموحش. فظاهرة تهافت الشباب على تقليعات الملابس الحديثة مثلاً، وهجر الزي التقليدي، ومحاكاة ثقافة الآخر المتعصرن، وتقليده في سلوكه ولغته، والانغماس في استخدام تقنياته، أصبحت، مع هبوب رياح العصرنة، واقع حال، لا يمكن إنكاره.

ومع أن للشباب تطلعاتهم، وحقوقهم في مواكبة حركة العصر، والتكيف مع معطيات زمنهم، إلا ان التهافت المريع وراء التقليعات، الذي نلحظه بين شباب اليوم، والافراط في التقليد الأعمى لها، يفقد الشباب خصوصيتهم، ويقودهم إلى الضياع، والاستلاب، وبالتالي مسخ الهوية.

ومع أنه لا ضير من ان يختار الشباب أرقى الملابس، ويحوز اجود أنواع القماش،لكن ذلك ينبغي ان يقترن بالمحافظة على الحد الأدنى من ملامح خصوصية الزي التراثي، باعتباره احد عناصر الخصوصية الاجتماعية والوطنية،إذ لاشك ان الملابس الضيقة والبناطيل الممزقة، التي تظهر جزء من البطن، والمؤخرة، وما تحمله من العبارات المكتوبة على القمصان، والفساتين، والمنافية للعادات والتقاليد، بالإضافة إلى تقليعات قص الشعر بالقزع المقزز، وغيرها من التقليعات العصرية الوافدة، مما ينبغي أن يربأ عنه الذوق العام،كلها مؤشرات انصهار تام، وذوبان كلي، في تقليعات العصرنة،دون اكتراث يذكر بالتراث.

ولذلك يتطلب الأمر الالتفات إلى تداعيات هذه الظاهرة،والعمل على تحصين الذات بقصد الحفاظ على ملامح الموروث التراثي،في نفس الوقت الذي يجاري فيه الشباب تقليعات العصر،وذلك حرصاً على الخصوصية التراثية،والحفاظ على الحشمة، والمظهر اللائق، التي كانت تعتبر من مميزات رجولة الشباب أيام زمان.

وإذا كانت معطيات العصرنة موضوعية في تتابع مخرجاتها، وحيث ان عولمتها عارمة في اختراقها كل الحواجز، فإنه لم يعد بالإمكان حجبها، والسيطرة عليها، بفعل حرية الفضاء الاعلامي، والرقمي، المفتوحة على مصراعيها، في كل الاتجاهات.

ومن هنا، فإنه لا بأس من التكيف الواعي مع ايجابيات العصرنة، والانخراط مع منجزاتها ثقافيا، والاستفادة من معطياتها سلوكيا، دون خسارة الموروث الإيجابي من التراث، وإلا فإن الحال سيكون مستلبا لا محالة، في حالة الانصهار الكلي في اتونها، والذوبان التام في بودقتها، إذ من دون التسلح بحصانة تحافظ على عناصر الخصوصية بالحد الأدنى، على الأقل، فإن الحال سيكون مستلبا، ويعاني عندئذ، من المسخ والتشويه، مهما بدت لنا التقليعات المستنسخة زاهية، وهذا ما بدء الكثيرون يستشعرونه اليوم، ويحذروا من تداعياته السلبية على خصوصية الهوية التراثية.


نايف عبوش

كاتب عراقي

من نفس المؤلف