قسوة المستضعفين

، بقلم جورج سلوم

لا يرتكسنّ البعض للعنوان.. فالمستضعفون قساةٌ أيضاً لو أتيح لهم أن يمارسوا القسوة ..نعومتهم ولطفهم ودماثتهم ما هي إلا نواتج ضعفهم.. هذا هو سلاحهم

يعلّمونهم أن اليد التي لا يمكنك أن تعضها.. قبّلها وضَعْها على رأسك.. وادعُ ربك أن يكسرها لاحقاً فهو القوي على كل قوي.. لذلك ينكبّون على الأيادي يبوسونها لكنهم أقوياء أيضاً..

ويستقوون على بعضهم يقهرهم القوي.. ويفرّغون جام غضبهم في المستضعفين أمثالهم
كالزوج العنتري يسحقه الغرباء في معترك الحياة.. فيعود إلى بيته مسحوقاً فيسحق زوجته ويكون سحقه قاسياً عليها لأنها لا تعرف السبب

كالسجناء في زنزانة.. لا يقوون على السجان.. فيستقوون على بعضهم.. ويكون تعذيبهم لبعضهم أدهى وأمر من تعذيب الجلاد

كالماء الراكد مستضعفٌ أيضاً.. إذ لا نهر يغذيه ولا ينبوع يتدفق في جحره.. فيسمونه مستنقعاً على وزن مستضعف

والبرك الآسنة تتقبّل الأحجار من الصغار والكبار تنهال عليها.. فهي صامتة لاموج فيها ولا خرير ..وقد يبول فيها عابر السبيل.. يلوثها أيّما تلويث.. فترتضي وترسم على صفحتها ابتساماتٍ دائرية لأبوال الكبير والصغير.. وتسكت وتبلع

والشمس تستقوي عليها فتبخِّر منها الماء النظيف فتزداد كثافات اتساخها.. وتترسب علائقها إلى أسفل .. والقعر فيها وبيل.. هجرته الأسماك.. أو ماتت على الضفة اختناقاً..

لن تعيش في المياه الآسنة إلا الطحالب والأشنيات ..ويرقات البعوض تفقس فيها.. ولا تلبث منها أن تطير

ويصيح الأقوياء.. جففوها.. اردموها.. ارجموها.. ادفنوها
ويأتيها التراب من كل صوب.. ويموت المستنقع بلا قبر ولا شاهدة.. ورائحته النتنة تزول مع الزمن

والضفادع الذليلة هم أسياد البرك الآسنة ..وحوش مفترسة إذ لا وحوش هنا.. بألسنتها اللاصقة..وأجسادها الدبقة المغطاة بالمخاط السام .. ونقيق الضفادع قويٌّ على بعضها.. وتفترس شراغيفها وتبتلع بيوض بعضها..هي سيدة البرك ..وهي حيتانها.. تنفخ أجسادها بالهواء الفارغ فتخالها كبيرة.. متلوّنة تقلّد الحرباء.. ولكنها على الضفاف ضفادع ناعمة.. وحتى العصفور ينقرها .. لا تخيفه عيونها الجاحظة.. يفقأ عينها.. يكسر شوكتها..يهتك عرضها.. ويترك أجسادها اللينة للبوم وصغار الأفاعي والسحالي

المستضعفون ذئاب لو أتيح لهم.. على المستضعفين منهم فقط..

ويستغرب الأسد وهو يتفرج من عرينه صراع الظباء وقران القرون وكباش الكباش.. وقد يخاف من صولة الثيران عندما تتناطح.. ولكنه يبتسم ويعرف قسوة المستضعفين على بعضهم.. غبارٌ فقط

يثق بخبرته أنها أمام الفك المفترس ليست إلا ضفادع وضفادع.. وضفيدعات
وعندما أمِنَ الأسد في عرينه.. أوصى بشبله كولي للعهد.. وشبله أوصى بشُبَيل وشبيّيل وشبيلئيل من بعده.. وهكذا يكون الأقوياء مستأسدين بالفطرة ..وقانون الغاب لا يمكن تغييره ..ومن يقوى على ذلك؟..

المستضعفون ؟؟؟..هه هه!

حاشا وكلا .. فالمستضعفون يستقوون على بعضهم فقط

قرر الملك عندها أن يرتاح .. وكان الكلب عنده شرطياً مستقوياً بنباحه .. فيعض القطط والخراف فقط ..ويمسك عظمة في فمه يعتز بها كمنحة ملكية حصل عليها من البلاط في وجبة الأمس

وهكذا فكل مستقوٍ عيّن مستضعفاً بمنصب يعتز به .. والمستضعف ساد على الضعفاء والمستضعفين الذين يقلون عنه أنياباً ومخالب .. وأذاقهم الويل

وأصبحت المملكة تسير بحكم المستضعفين .. وصغار المستضعفين .. فعمّ الفساد ..
و الأولاد المقموعون في الشارع .. جاروا على بعضهم في البيت
وقسا الأخ على أخته

والأم على ابنها

والسيد الأب الآمر الناهي في المنزل .. مستضعفٌ أيضاً خارجاً ومقموع .. والخبز (السيد )على الفقراء ..يضعفون أمامه أجمعين .. ويجبنون.. ويمضغون.. ومن يمضغ لا صوت له!

ويتنازع الأطفال في البيت على لعبة قديمة.. فيعلو صياحهم ويتضاربون ويتناطحون كالكباش.. قساة على بعضهم لو شاهدتهم

ويستفيق الأب من غفلته.. ينزعج من ضجيجهم.. فيضربهم جميعاً بلا استثناء.. قويٌّ ذلك السيد على الأطفال فيزمجر ويحطم اللعبة على رؤوسهم .. ويسعد كالحزين على بكائهم .. ولا يعدهم حتى بشراء واحدة جديدة .. ويطفئ النور عليهم في الغرفة.. يقنّن الكهرباء .. ألا يكفيه عناء شراء الخبز لهم

ويشتم زوجته الفاشلة في التربية الأسرية ..فالأم المثالية (المستضعفة قسراً) تعلم أولادها ألا ينبسوا ببنت شفة ..ولا يلعبوا ..ولا يمرحوا ..ولا يفرحوا ..

فالفرح والمرح والابتسامات التي تعلو الوجوه .. هي تصرفات مشينة وقبيحة .. ليست من صفات المستضعفين وشمائلهم .. يجب أن يكونوا عبّاسين مقطبي الجباه .. نبّاحين مزمجرين .. قساة وعتاة بين بعضهم وعلى بعضهم فقط ..

إن كنت مقموعاً وضعيفاً مثلي ..احذر قسوة المستضعفين عليك


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف