سقطت ورقة التوت!

، بقلم محمد هيبي

وصلتني جريدة "الاتحاد" (الخميس، 14/6/2018)، جريدتي، وكانت حزينة هذا الصباح. وأنا تصفّحتها بحزن وغضب، لا لأنّها لم تنشر الحلقة الثانية من مقالي، بل لأنّها أرغِمت على ذلك. اغتصبها السلطان. ووجدت أنّه لا بدّ من كلمة شكر للمحرّر الشجاع، هشام نفّاع، الذي بدا لي هذا الصباح، أنّه، وتضامنا معي ومع حرية الرأي، "مَصَع" الملحق وأعاده إلى رحم أمّه ليقول للقرّاء: آسف، الجزء الثاني من مقال محمد هيبي لن يصلكم، ولا الثالث ولا الرابع! اعتقل ثلاثتَهم جندُ السلطان على الحاجز، منعوهم من الدخول إلى جريدة "الاتحاد" المحتلّة.

السلطان نفسه كان واقفا هناك، ولكن، هذا الحاجز اليوم، يختلف عن حاجز قلنديا. وهذا الحصار، يختلف عن حصار عام 2001 على رام الله. فعلى هذا الحاجز وقف جند صاحب "نوم الغزلان" الذي لم يقل لنا كيف فتح حاجز قلنديا (نوم الغزلان ص، 225). بينما هنا، هو السلطان الذي أمر بإغلاق الحاجز. هنا هو سوط الرقابة التي لا أدري ما إذا كانت سياسية أم عسكرية أم أخلاقية أم ...؟ وفي كلّ الأحوال، وعلى ما يبدو لي، أنّه هو من يقرّر، أيّ مقال يعبر الحاجز وأيّ مقال يُعتقل أو يرتدّ على أعقابه. وجند السلطان، قادة حزبي، يُنفّذون الأوامر عن قناعة، إذ كيف يعبر من لا يريد له السلطان أن يعبر؟

مقالي لم ينشر في جريدة "الاتحاد"، ليس لأنّ محرّريها لا يريدون، ولكن لأنّ ثلّة من القادة المتنفّذين في حزبي، نعم حزبي الشيوعي الذي أنا رفيق فيه، يرون كما يدّعون، أنّ مقالي لا يخدم مصلحة الحزب، وتوقيته غير مناسب ... وإلخ ... إلخ من كلام لا يُقنع طفلا. وهذا الكلام قاله لي الأمين العام لحزبنا الشيوعي، الرفيق عادل عامر، في لقائي به في مقرّ الجبهة في حيفا يوم الثلاثاء الماضي 12/6/2018. وحين قلت له إنّ كلامك يا رفيق لا يقنعني، لسبب بسيط وهو أنّ الأسباب التي ذكرتَها، ليست هي الأسباب التي دفعتكم لحذف الحلقة الأولى من المقال من موقع الجبهة، أو دفعتكم لمنع الجريدة ومحرّرها من متابعة النشر، وإنّما تحرّكت جحافلكم حين طلب منكم السلطان أن تتحرّكوا، فتحرّكتم! والحقيقة؟ لقد أعجبني الرفيق عادل عامر بدماثة خلقه وبشاشته وخفة دمه وروحه المرحة، ولكن أعجبني أكثر بصراحته التي لم أكن أتوقّعها. فقد ردّ على كلامي حول أمر تحرّكهم، بـ "نعم هذا صحيح، أبو عليّ طلب"! فماذا بعد؟! كيف سأقنعه أنّ مقالي يخدم الحقيقة ويخدم الحزب، بينما "نوم الغزلان" يُسفّه قادته الأحياء والأموات، خاصة أولئك الذين كانت لهم حقائب لا يحملونها بل يُوكّلون بعض المتدرّبين بحملها. ويظهر الآن أنّه جاء دور المتدرّبين للانتقام!

انفضّ اجتماعي بأمين عام الحزب دون أن نتوصل لشيء، أو نجد طريقة يمرّ بها المقال عن حاجز مصلحة الحزب الذي يقف عليه ويحميها "أبو عليّ". وليست لديّ، ولا لدى أي رفيق، كبير أم صغير، القدرة على مواجهة عضلاته الثورية! إذ لم يتّصل بي حتى الآن أيّ رفيق ليقول لي إنّه يستنكر منع نشر المقال، إلّا واحدا كاتبني عبر شُبّاكي الخاص في الفيسبوك.

أمّا باقي الرفاق الذين اتّصلوا، فقد اتّصلوا كأصدقاء وليس كرفاق. إذن كيف سنحلّ الإشكال، أنا والأمين العام، وهم، أعني قادة الحزب، لم يقرؤوا مقالي قراءة واعية أو لم يقرؤوه أبدا، وكذلك لم يقرؤوا "نوم الغزلان"، أو قرأوه ولم يفهموه، أو فهموه وغضّوا النظر عن موبقاته، لأسباب قد لا تكون مجهولة لي ولكم! فالسلطان هو السلطان. ومرسومه يجب أن يُنفّذ بدون مناقشة. فهو حامي حمى السياسة الاشتراكية في ديار الأقلية القحطانية في الدولة الصهيونية.

خرجت من الاجتماع وأنا أترحّم على ديمقراطية الأنظمة الدكتاتورية، التي كنت أظنّ أن أجهزة رقابتها تملك أسنانا أكثر حدّة من أسنان الديمقراطية وحرية الرأي التي يدافع عنها أبو عليّ في واحة الديمقراطية التي ينتقد هو نفسه، رقابتها السياسية. فقد تصفّحت بالأمس صفحته في موقع الجبهة، ويا للمفارقة، وجدت أنّه يكتب عن الرقابة السياسية وكمّ الأفواه! فقد قرأت في صفحته من بين ما قرأت، مقالا صغيرا له، بعنوان "عاصفة في عكا"، نُشر في موقع الجبهة بتاريخ 02/07/2017، جاء فيه: "الرّقابة السّياسيّة، ملفّعة بحملة تحريض دمويّة، ترافقها عمليّة تجفيف الموارد الماليّة، الّتي شنّتها في العام الماضي وزيرة الثّقافة في حكومة إسرائيل، ميري ريغف، على مسرح "الميدان" الحيفاويّ العربيّ، أبحرت في شّهر حزيران الماضي إلى مهرجان المسرح في عكّا الذي يقام سنويًّا في عيد المظلّة، فألغت إدارة المسرح عرض مسرحيّة "أسرى الاحتلال" للمخرجة والكاتبة عينات فايتسمان، ممّا أدّى إلى أن يعتبر المخرجون والممثّلون، ومنهم أسماء بارزة مثل المخرج يهوشع سوبول والممثّل دورون تابوري، هذا الإلغاء القسريّ خطًّا أحمر وأن يعلنوا عن انسحاب جميع المسرحيات المشاركة في المهرجان احتجاجًا على الرّقابة وكمّ الأفواه".

وأنا؟ صحيح أنّني ابن الحزب، وابن جريدته، ولكنّي ابن هاديّ جدا، وإنسان بسيط جدا، فمن سيقف معي ويدافع عني إذا رضخ كبار حزبنا للسلطان الذي يُهاجم الرقابة السياسية وسياسة كمّ الأفواه في الدولة الصهيونية العنصرية، ويغضّ النظر عن بعض أولاده وبعض أحفاده وبعض أخوته الذين شتموني بكلمات مخجلة على صفحاتهم في الفيسبوك، ولا أريد أن أقول هو الذي وجّههم، وأنّ رائحة لغته تفوح من بعض ما كتبوه، بينما أنا منعت كل من يحترمني من أقاربي الشباب، وهم كثر، من أن يردّ على ما كتبوه. ومن تسرّع منهم في الردّ غضبا لكرامتي التي اعتبرها أهدرت، طلبت منه أن يحذف ما كتبه، فأطاع فورا وحذف؟ أليس هذا التصرّف، منع مقالي وسكوت أبي عليّ عمّا كتبه أقرباؤه عنّي، نسخة منقولة، أو ربما طبق الأصل، عن سياسة ميري ريغيف وحكومتها؟ وهل لديكم تفسير آخر لطلبه من قادة حزبي، منع نشر مقالي؟ لماذا فضّل هذا الطريق على طريق الحوار البنّاء على صفحات الجريدة، حتى لو كان قاسيا؟ أليس هذا هو المطلوب من كاتب كبير يُحسن هندسة المشاريع الاجتماعية والسياسية والثقافية؟ هل يختلف عمله عن عمل ميري ريغيف وحكومتها العنصرية بمنع المسرحية المذكورة؟ وماذا يُسمّى رضوخ قادة حزبي لطلبه؟ هل ما زالوا راضخين لشروطه منذ ذلك اليوم الذي هدّدهم فيه باللجوء إلى الصحافة عام 1992، قبيل خروجه من الحزب إن لم يقبلوا استقالته (نوم الغزلان، ص، 171). ماذا سيحدث يا ترى لو هدّدتهم أنا اليوم بالخروج من الحزب؟ ماذا سيقولون لي؟ لا لا، أرجوكم لا تذهبوا بعيدا! فكل الاحتمالات واردة، لأنّ قرار الحذف والمنع لا يُمثل الحزب، ولا مبادئه ولا أعضاءه، وإنّما يُمثّل تلك الثلة الصغيرة المأمورة والمتنفّذة من قادته. ولكن لا يهمّ، ليست هنا المشكلة، فليطمئن الأطراف، فأنا لا أفكّر بالاستقالة من الحزب، لأنّني لست معتادا أن أترك الساحة وأدير ظهري للأحداث. وليكن معلوما للجميع، ليس لي من سلاح إلّا خُلقي وقلمي.

ما أفكّر به الآن هو: هل هناك جريدة أو مجله أو موقع إلكتروني، غير خاضعين للسلطان، ويستطيعون أن ينشروا مقالي هذا ومقالاتي الأخرى بعد اليوم إذا مُنِعت "الاتحاد" من نشرها؟ وهل هناك إذاعة أو فضائية ستهتمّ لواحد مثلي ولهذه المعركة التي تجرّأتُ وشننتها على ركن من أركان حائطنا الأيل للسقوط، الذي إذا سقط، سيسقط كل شيء مشترك عندنا؟ أليس من العيب والغباء أن يضع قادتنا، وهنا لا أقصد قادة الحزب فقط، كلّ بيضاتهم في سلّة واحدة؟
ومن جهة أخرى، من أنا ليُدافعوا عنّي؟ ماذا أملك؟ الحقيقة؟ مرحبا حقيقة! من ذا الذي يكيل بصاعها في مجتمعنا هذه الأيام؟ الحقيقة ما يُقرّره السلطان. فإذا قال مثلا عن الفدائيين إنهم مجرمون، والعمل الفدائي عمل إجراميّ، ولو على سبيل المزاح (نوم الغزلان، ص، 302)، فعلينا جميعا أن نرى ما يرى ونقول ما يقول.

هذي الكلمات، لو الدنيا بخير، لكنت أرسلتها لزاوية "صباح الخير" في جريدة "الاتحاد". فأنا هنا، أكتب عن الرقابة وأقف ضدّها كما كتب ووقف أبو عليّ. ولكن لا لا، آسف، لو الدنيا بخير "كان ما كتبت كلماتي أصلا"، ولا احتجت أن أكتب نقدا لكتاب "نوم الغزلان". ولكنّها ليست بخير، فكتبت! كتبت وأنا أقصد الخير، أليس ظهور الحقيقة هو الخير؟ إذاً وجدت من واجبي أن أكتب فكتبت! بدون أدنى صلة بنوع العلاقة التي تربطني بأبي عليّ، وأعترف أنّها ليست جيدة، ولكن بكل تأكيد ليست سيئة، إنّها علاقة عادية، سلام ومصافحة في كل لقاء. ومن طرفي، لن تكون سيئة حتى لو اعتبرها هو كذلك. وظنّي الذي عادة لا يخيب، أنّه اعتبرها كذلك ليُؤثّر على أصحاب القرار في حزبي. ومن المؤسف أنّهم تأثّروا وارتكزوا على مقولته ليُصدروا القرار، من غير أن يُفكر أحدهم بالاتصال بي أو سماع رأيي قبل اتخاذه وتنفيذه. والدليل على ذلك هو أنّه لم يتصل بي أحد منهم حتى كتابة هذه السطور. بعد تنفيذ القرار بالحذف ومنع النشر، اتصلت أنا بالرفيق عادل عامر، أمين عام الحزب، وعيّنّا موعدا ومكانا للقاء، ذكرتهما سابقا، والتقينا.

ومن هنا أعلنها لمن يريد أن يُصدّق ولمن لا يُريد: العلاقة الشخصية بيني وبين أبي عليّ، مهما كان شكلها، لم تكن بحال من الأحوال، هي الدافع وراء كتابتي المقال. وإنّما الدافع الذي لا ريب فيه، هو الحقيقة التي طمسها أو زيّفها وشوّهها في "نوم الغزلان". ثُرتُ لها وليس لنفسي، لأنّ الناس يجب أن يعرفوا الحقيقة. وأيّ تَقَوّل غير ذلك سيجافي الحقيقة.

لن أتحدّث هنا أكثر، عن حرية الرأي، ولا عن حرية التعبير، أو غيرهما من الحريات التي أساء لها صاحب "نوم الغزلان"، ولا عن قادة حزبي وتصرّفهم المرفوض الذي لا يليق بحزب عمّالي أمّمي ثوريّ، يؤمن بالحرية والديمقراطية، وبحرية الكلمة التي هي المقدمة الأولى للديمقراطية، على حدّ تعبير الرئيس جمال عبد الناصر.

وأخيرا، لا بدّ في هذا السياق، من كلمة شكر للجمع الغفير من الأصدقاء الذين اتصلوا بي من البلاد وخارجها، وشكروني على المقال الموضوعي جدا رغم قسوته، وأكّدوا أنّ الحقيقة يجب أن تخرج للناس مهما كانت قاسية. وشكرا للذين قرأوا المقال ولم يتصلوا، فالعذر عند خيار الناس مقبول.

لا أنكر أبدا أن مقالي كان قاسيا، ولكنّ ليس هذا هو السؤال، السؤال الذي كان يجب أن يطرحه قادة حزبي: هل كان "نوم الغزلان" رحيما بشيء أو بأحد؟ وهل نبعت قسوة مقال محمد هيبي إلّا من قسوة "نوم الغزلان" وظلمه للأحياء والأموات، ولحزبي وجبهتي أيضا، ولرموز شعبنا الفلسطيني، وللتاريخ كذلك؟

ولا بدّ أيضا من كلمة شكر للمواقع الإلكترونية التي نشرت المقال. والإخوة الذين شاركوه على صفحاتهم في الفيسبوك؟ فكلّ هؤلاء في نظري ساهموا في نشر الحقيقة التي أخفاها "نوم الغزلان"، من منطلق إيمانهم بالحرية عامة وبحرية الرأي والتعبير خاصة.

والآن، وأنا أواجه مخالب الرقابة التي لا أعرف أن أحدّد نوعها، رغم خبرتي بالرقابة وأنواعها، أسأل: هل من جريدة حرة، أو مجلة حرة، أو إذاعة حرة، أو فضائية حرة، تبحث عن الحرية وتؤمن بحرية الرأي والتعبير والنشر؟ أنا في انتظار سماع تلك الأصوات!

ولا أخفي عليكم، لأول مرة أشعر بالراحة لأنّ الله عزّ وجلّ، مَنّ علينا بعدوّنا، حبيب قلوبنا، الفيسبوك، لنُفَسْبِكَ على راحتنا ونُسْمِع كلمتنا ونشكو همومنا دون أن نُؤذي أحدا! ومن هنا، وبكل صدق ومسؤولية، أدعو صاحب "نوم الغزلان"، وأدعو رفاقي، قادة الحزب وأعضاءه، وأصدقائي، قادة الجبهة الديمقراطية وأعضاءها، والكتّاب والمثقّفين والناس جميعا، إلى الكفّ عن أساليب القمع، واللجوء إلى حوار حضاريّ موضوعي، وإن كان مؤلما أحيانا، لأنّ الحقيقة تحتاج إلى جرأة وشجاعة واستعداد لسماع الرأي والرأي الآخر، طبقا لما قاله أحد فلاسفة الثورة الفرنسية، وأظنّه فولتير: "إنّني أختلف معك في كل كلمة تقولها، لكنّني سأدافع حتى الموت عن حقّك في أن تقول ما تريد". ولذلك، كنت سأتقبّل أيّ ردّ موضوعي ينشره أبو عليّ، مهما كان قاسيا ومؤلما، شرط ألّا يُجافي الحقيقة.

ملاحظة أخيرة: عادة عندما أكتب، أحرص على وضع الشّدّات في مواضعها، إلّا أنّني هذه المرّة، حرصت بشكل خاصّ، أن أضعها فوق ياء عليّ أبي عليّ، لكيلا يطالبني أبو عليّ بنشر خبر مفاده "سقط سهوا!". وإذا حدث وسقطت شدّة عن موضعها، فأنا أعتذر سلفا.


محمد هيبي

كاتب من فلسطين

من نفس المؤلف