رائحة الموت

، بقلم سلوى أبو مدين

وقع خطى سريع.. معمعة أصوات.. جسد مسجّى يحمله عددا من الأفراد.

حملت الأيدي بالنعش وأنزلاه مرقده.. حفرة عميقة المدى.. الوحشة والسكون يخيمان على المكان.

كلمات متداخلة وصوت بكاء متواصل تتخلله شهقة من حينا لآخر.

قرع الأقدام يتلاشى شيئاً فشيئا.

ها هي الروح تسكن برزخا في رحاب السماء.. والثرى يقبل الجسد من كل جانب.

تحت ذاك الرداء الأبيض تسللت ديدان الأرض ،وأخذت تزحف وتنخر كل جزء فيه.

ها هو العمر قد انقضى.. وجاء اللحظة العصيبة.. الوجوم يغطي على المكان الذي رقدت فيه ملايين الأجساد.. وأضحت عظاماً نخرة.!

رجل شديد البياض ذو لحية طويلة بيضاء.. يمسك بيده عصاه بلون العقيق يرفعها ويهوي بها في الهواء مرارا يقترب من الجسد المسجّى وبصوت يملأه الرهبة!

ـ لقد تقرر محاكمتك اليوم!

ـ صحائف العمر ملأْى بذنوب كثيرة.

ـ حار الجسد في الإجابة ثم قال: ـ نعم.. فعلت الكثير..

ـ لقد ارتكبت ذنوباً كثيرة.. في حياتي.

ـ أذكر جيداً عندما كنت أعمل.. واختلست من البنك مبالغ طائلة حُوسب عليها صديقي ثم ُزج به في السجن!

ـ وعاود الرجل شديد البياض يسأل..؟

وماذا أيضاً؟

أردف الجسد: أمواج الظلمة الدامسة تحيط بي.

ـ آهة ثقيلة أطبقت على صدري

ـ كم أنا نادم يوم دفعت أبي بكل قواي ،حتى كادت عظامه الرقيقة أن تتكسر حينما دار نقاش حاد بيننا.. لم أتمالك نفسي حينئذ!

عندها خرجت من دارنا ولم أعد حتى هذه اللحظة التي توارى فيها جسدي ـ ولا أنسى يوم بددت نبضات العمر القصير.. بصحبة أصدقاء السوء.. وشربت أقداحاً من المنكرات.. ولم أعلم متى يأذن وقت الرحيل.

ـ هذا كل ما أذكره.

ـ عاود الصوت الذي ارتفعت حدته!

ـ مازالت صحائف العمر ملأى؟

فأجاب الجسد المسجّى بندم: ـ ألا ليت شطآن العمر تعود لأمحو كل معصية ارتكبتها.

ـ لقد أهملت عبادتي لخالقي.. وطاعته فغرتني الدنيا بزخرفها فلهثت وراءها ونسيت فرائض ربي.

ـ ثم صمتْ برهة ورد في ألم أما آن الأوان لأستريح؟

ـ ليته كان كابوساً حتى أستطيع الفرار منه!

ـ عاود الصوت بلهجة تملأها الحدة.

ـ هذه هتافات مرقدك.

وهذه صحائف العمر التي بعثرتها.

ولا زالت محاكمتك طويلة.. هيا.. خذوه واقذفوا به حيث.....

ـ صرخ الجسد.. وقد بعثره الثرى.. وأحدث صراخه دوياً عالياً.. في كل مكان.. لا.. لا وعلى صوت قرع الساعة السابعة صباحاً استيقظ علاء بعد ليلة قضاها في محاكمة مع النفس.

وأخذ يلتقط أنفاسه المتلاحقة.. هلل.. واستغفر.. من هول ما رأى في منامه.. وعلى الفور حمل جسده المثقل الواجف.. إلى إدارة عمله وكتب خطاباً أقر فيه باعتراف خطي إلى الجهات المختصة.. عن أعمال الاختلاس التي مارسها!

ثم ساقته قدماه إلى مكان قصي حيث يقضي أبواه ما تبقى من عمريهما في تلك المدينة النائية المترامية الأطراف.. وعاد بهما ليقيما معه.

وتراءى له نوراً في صباح يوم مشرق.. سمع فيه نداء المآذن ترتفع فقام على الفور وتوجه إلى أحد المساجد ليصلى صلواته المكتوبة بطمأنينة.

عندها وضع ورقة ألصقها خلف دار بيته كتب فيها بخط يده (هلا بدأت أصحح مساري في صحائف عمري).

وعلم حينذاك إن سويعات العمر قصيرة.. وإن هتافات مرقده ليست إلا رسالة إنذار قد وصلته مبكراً قبل أن يدنو منه المصير.


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف