بعيداً عن الضوء

، بقلم موسى إسماعيل الفقي

في الغرفة شبه المعتمة، تتسلل في غفلة مني وتستقر على ظهر كفي وتبدأ في اللسع البطيء، ثم امتصاص ما يحلو لها من حر دمائي في هدوء، فأشعر بألم الوخز وضراوته؛ أتململ وأهز يدي هزة تكفي لطردها بعيداً؛ لكن بعد لحظات تعود لنفس المكان أو قريباً منه، أو تناور أحيانا فتغير الاتجاه تماماً، أشعر باللسع عند نهاية القفا، فأصفعها أو أصفعه!؛ فربما نلت منها، تعود مرة أخرى لموقع جديد، فهي دائماً التي تحدد مكان المعركة وزمانها، ولأنها تعشق العتمة تأخذني بعيداً عن شروطي.. أحيانا تحاول أن توهمني بأنها أكثر من بعوضة وأنها الأقوى، أنقل بصري عن اليمين والشمال، أهش بكلتا يديّ في كل اتجاه محاولاً عدم الدخول معها في معركة غير متكافئة، ليقيني أنها الأقدر على المناورة والمباغتة وكسب المعركة.. رغم أنها مجرد بعوضة لا أكثر..

إذن لا بد من البحث عن استراتيجية لصد أي هجوم محتمل.. لكن ذلك غير ممكن دون الوقوف على استراتيجية الطرف الآخر في الهجوم؛ ولن يكون هذا مستحيلاً، أتفقد ما حولي هنا وهناك وأعيد التفحص جيداً لعلها قد استقرت لبعض الوقت على المنضدة أو فوق شاشة الكمبيوتر أو على بعض الكتب القريبة مني.. لا أعثر على أثر.. أنشغل عنها مؤقتاً ببعض شئوني، لكنها دائمة الحركة والنشاط دفاعاً عن وجودها، يا لها من دءوبة بحثاً عن دمي، أو «رزقها» كما يحلو لها أن تسميه أو كما هو سائد لدى مجتمع البعوض؛ أتذكر في تراثنا الشعبي مثلاً يقول: «قاعد بيهش الدبان» دلالة على حالة البطالة والكسل والتنبلة والبلاهة التي تشبعنا بها حتى تحولت إلى مثل؛ أو ربما لأن البعوض أصبح أكثر من اللازم، ففي كل موقع ترى البعوض أشكالاً وألواناً، أو قولهم «مش طايق دبان وشه» دلالة على العصبية والهمجية وغياب العقل، أو «لا بيهش ولا بينش»؛ لغياب الفعل والجدوى، العامة تسميه الناموس، أما أنا فأرى أن البعوض أنسب له لأنه يضعه في حجمه الحقيقي..

ولا عجب فالعرب تسمي الذباب والبعوض «عُمّار البيت!»..، فماذا تقول في مجتمع ٍ صار الذباب والبعوض جزءاً من تراثه؟! (من أمثالهم تعرفهم).. هذه المعاني ليست معروفة في غير ثقافتنا.. حتى مجتمع الحشرات – الضعيف - لا يعرف هذه المعاني.. لأنه مجتمع متحرك وله هدف؛ يبحث عن معنى لوجوده، ويسمي الأشياء بأسمائها (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه..).. أما نحن فحدث ولا حرج..

تعود البعوضة وتبدأ في محاولات السطو على دمائي – هكذا في بساطة، ولأنني أراها - بالكاد - بنظارتي بعد محاولات مضنية؛ صغيرةً جداً كجرثومة مجهرية، فأفشل عدة مرات في مهاجمتها والقضاء عليها، رغم أن وزنها لا يتجاوز بعض جزء من الميكروجرام الواحد. ومع ذلك فخيال المعري – رحمه الله – يرى لها مخاً وعظاماً وأجنة:

ويرى عروق نياطها في نحـرها
والمخ في تلك العظــام النُحِّل ِ
ويرى وصول غذى الجنين ببطنها
في ظلمة الحشا بغير تمقـلِ

ولم لا؛ وهي تستطيع أن تهاجم وتطير بسرعة 1.5 إلى 2.5 كيلومتر في الساعة. أتساءل:

أهي أنثى غذاؤها الدم، أم ذكر غذاؤه النبات!؟، ليس في المكان نباتٌ، إذن هي أنثى، أو ربما ذكر لا يجد نباتاً يسطو عليه فيبحث عن بديل؛ أنت الملوم .. كان لا بد أن تهيئ نباتاً بالغرفة حتى يتوفر للذكور مطعمهم.. العلم الحديث يكتشف أن هذه البعوضة «النونو» مزودة بجهاز تحليل دم فهي لا تستسيغ كل الدماء؛ (إذن أبشر أيها المسكين.. دمك مستساغ لدى البعوض كذلك!!؛ ولماذا دمك مستساغ؟.. ربما لأنك تقاوم البعوض .. لأنك ضد المستنقعات.. يقضي المستقيمون أعمارهم في مقاومة البعوض؛ فلا ينجزون من أعمالهم شيئاً، والبعوض يتكاثر وتتسع المستنقعات، فيضيع جهدهم وعمرهم هباءً ..)..، وأنها مزودة – أيضاً - بجهاز تمييع للدم حتى يسري في خرطومها الدقيق جداً «حتى لو دمك تقيل .:. مش ح تفلت يا جميل!»؛ وأن لديها جهاز للشم يمكنها أن تشم عرق الإنسان من مسافة 60 كيلو متر «يعني لو فين ح تجيبك!» ولديها جهاز تخدير موضعي؛ ولديها جهاز حراري يغير لون جلودنا في الظلام إلى اللون البنفسجي حتى تراه!! وأن حشراتٍ صغيرة جداً تعيش فوق ظهر البعوضة لا ترى إلا بالمجهر!!،

يا نهار مش فايت!! .. إذن هو جيش جرار مجهز بتكنولوجيا «النانو» المتطورة جداً، وليس بعوضة شبه مجهرية، وها نحن لدينا من هذه الجيوش ما يكفي لتحرير ألف فلسطين من الاحتلال لو أردنا .. ليس في ذلك تهويل أو تهوين، فأنا لا أحب أن أكون مثل إيليا أبي ماضي حين قال مستسلماً:

أنا من قوم إذا حزنوا :: جعلوا من حزنهم طـرباً
وإذا ما غاية ٌ صعبُت :: هونوا بالتركِ ما صـعُبا
فكفانا استسلاماً واستكانة للبعوض ..

سبحان من خلق وضرب الأمثال: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها..) وعليه لا بد من التخطيط المحكم للقضاء عليها أو عليهم ..، إن أفضل طريقة هي السكون حتى تبدأ هي في الوصول والغزو ومن ثم السطو.. ولما كانت هي مشغولة منهمكة بامتصاص دمي في شراهة وحيوية.. وقد اطمأنت أنني غافل أو مشغول عما تفعل، فقد تحركت يدي الأخرى في هدوء، وحين أصبح طرف سبابتي قريباً منها كظلها وانقض عليها فقضى عليها قضاء نهائياً.. هل انتهى الأمر، أشعر بوخز في مكان آخر، أهو من أثر لسع سابق؟.. أو ربما هناك بعوض آخر متخفٍ في مكان ما هنا أو هناك. فهل أصبحتُ فريسةً للبعوض؟ ، فالبعوض – دائما - يأتيك من حيث لا تحتسب.. وخزة مفاجئة عند قدمي.. أبدأ في رجرجة يديّ وقدميّ، أقوم من مكاني، أشرع في تشغيل المروحة.. أشعر بالبرودة مع كثرة الوخز بالقدم.. أفر هارباً إلى الخلاء حيث الهواء (الطلق)..

يقولون : إن المستنقعات تجيء بالبعوض - فهل أصبح دمي من المستنقعات!؟..، ثم من يا ترى أنتج المستنقعات سوى ثقافة البعوض، يعني «البعوض» أنتج المستنقعات، والمستنقعات تغذى عليها البعوض فأنتج المزيد من البعوض، وكلما زادت المستنقعات واتسعت رقعتها استفحل البعوض.. ولكي نقضي على البعوض؛ لا بد من القضاء على المستنقعات؛ فقتل البعوض لن يكون حلاً مع وجود مستنقعات..، وما هي المستنقعات ؟.. إنها بؤر الماء الراكد.. بؤر العفن والخنوع والاستسلام.. إنها مواطن الهدوء والاستقرار حيث يضع « البعوض الكبير» يرقاته في البؤر النتنة فتتكاثر وتكبر وتتعملق، البعوض أصبح جزءاً لا يتجزأ من واقعنا الأثير..!، حيث تنتشر المستنقعات.. البعوض أصبح ثقافة، إنها ثقافة مص الدم.. فمصاصوا دماء البشر في كل مكان..

يقول بعض إخواننا: إن الله خلق الذباب والبعوض ليحثنا على النظافة، وعندنا يتزايد الذباب والبعوض وكل أنواع الحشرات حولنا وفوقنا وتحتنا ونحن لا نحرك ساكناً (كأن على رؤوسهم الطير).. ويقول آخرون: إن الله خلق البعوض ليدلنا على مصادر القوة في أنفسنا، فحين يكتشف العلماء قوة هذه البعوضة رغم ضآلتها وحقارتها، يعطينا هذا دفعاً لأن نبحث عن مكامن القوة في ذواتنا، ثم هو سبحانه وتعالى يعلمنا ألا نستهين بالضعيف من المخلوقات، ألم نتعلم صنع الطائرة من الطائر.. ألم يشر سبحانه إلى الذرة ثم يكشف العلم ما بها من طاقة.. ألم يستخدم الإنسان الذباب والبعوض في حروبه.. في الحروب تستخدم أقذر الوسائل وأحطها لإنزال الضرر بالعدو.. سامحوني .. فهذا الكلام لا يعجب البعوض!!

في مجتمع البعوض تقوم البعوضة بعملها كبعوضة، وتمارس أعمالها وكافة شئونها كونها بعوضة فقط، ولا تدعي أنها شيء غير ذلك ولا تقوم بعمل فيل أو أسد أو حتى دجاجة، فهي تؤمن بكيانها وتعتز به وتقوم بما يمليه ذلك عليها دون زيادة أو نقصان.. ولها أبناء تحرص على أن يكونوا بعوضاً ينشأ نشأة البعوض ويمارس عمل البعوض، لكن في زماننا من يدعي أنه أسد، فيدخل علينا منفوشا شامخ الأنف؛ لكنه يمارس عمل البعوض تماماً: يمص دماء البشر ويتفنن في ذلك كأحسن بعوضة؛ ثم يدعي أنه يعمل عمل النساك .. يا الله..، لكنه – والحق يقال – يكذب ويسرق ويزني ويصلي وهذا ليس من عمل البعوض، فالبعوض لا يفعل ذلك أبداً..
زميل آخر قال لصاحبه: أنت بعوضة، قالها وهو يشمخ بأنفه ويكشر عن أنيابه كأنه نمرٌ شرسٌ، لكنه لا يدرك أن البعوضة تأنف أن تقضي حياتها وهي تدعي أنها شيء آخر غير ذاتها .. ذات مساء كنت أتأمل البعوضة بعدسة مكبرة فإذا بطنها موردةٌ بالدماء ولها أجنحة جميلة مزخرفة لكنها لم تتعالَ على أخواتها وتدعي أنها فراشة أو يعسوبٌ مثلاً..

في المدرسة نعلم الأطفال أن البعوض مخلوق قذر لا يعيش إلا في الأماكن القذرة والمنحطة صحياً، ونعلم الأطفال أن يتجنبوا البعوض لأنه يسبب أخطر الأوبئة، لكننا – في نفس الوقت – نفعل أمامهم ما يترفع عنه البعوض؛ فالبعوض يقوم بعمل البعوض ولا يدعي أنه إنسان أبداً أو حتى حيوان..

مدير إحدى المدارس بقرية نائية يسطو على سندوتشات التلاميذ في الرحلة، وبمساعدة الساعي (كان سيادته يفضل سنوتشات الجبنة الرومي، أما سندوتشات الفول والطعمية فكان يعيدها لحقائب التلاميذ)، فهل البعوض يفعل ذلك ويدعي أنه مدير أو حتى خفير، أما « سيادة المدير» حين تواجهه يقول لك بملء فيه: أنا المدير!!، فهل يكون عادلاً لو اعترف أنه أقل من بعوضة؟

أبحث بجدية عن أحط المخلوقات لتصوير تلك الكائنات التي تعيش بيننا... ربما نراها تأكل مثلنا وتشرب مثلنا، لكنها تشبه أحط المخلوقات، لا أقول القردة والخنازير ـ فالخنازير من المؤكد تأنف أن تفعل فعلها، سامحوني.. فهذا الكلام لا يعجب الخنازير.. وأنا أبحث فى العتمة عن شعاع ضوء..

من نفس المؤلف