مذكراتُ تلميذٍ صغيرٍ

، بقلم سلوى أبو مدين

كلّما استيقظتُ، أحاولُ أنْ أفرغَ تلكَ الشحنةَ التي حاصرتْ ذاكرتِي، بل حنّطتهَا، أنقمُ على الأيامِ التي حبستنِي في بوتقةِ الخوفِ.
هلعٌ ينتابُني وأنَا أسمعُ عن هولِ المدرسةِ ومَا تخفيه خلفَ أسوارهَا!
أذكرُ جيدًا تلكَ الليلةَ الحالكةَ التي تظاهرتُ فيها بالمرضِ..
إلاَّ أنْ جدّتي الرحيمةَ كانتْ أسرعَ إلى احتوائِي..
كانتْ لديَّ المقدرةُ على افتعالِ المرضِ، بينمَا جدّتي الأقدرُ علَى استيعابِ خوفِي!
وكلّما غفوتُ في حضنهَا الدافئِ أجدُ مشاعرِي تتكلسُ، لكنّ القلبَ الحانِي ظلّ
يطوّقنِي بفيضهِ!

أستيقظُ مع صباحٍ شاحبٍ خبّأ ضوءَه؛ لا تحملنِي قدماي..

أرتعدُ للحظاتٍ..
غيرَ أنّ نظراتها لي دافعٌ قويٌّ لمواجهةِ أولِ يومٍ
في حياتِي الدراسيةِ!
كنتُ أحملُ جسدًا بأعضاءَ ناقصةٍ!
ولا أعلمُ إلى أين سيحملُني في يومِي ذاكَ؟
حيثُ الوقتُ لم يمهلنِي!
يبدُو أنّي محاصرٌ بقتامةٍ لمْ أعهدهَا من قبلُ
بقلبٍ صغيرٍ حملتنِي خطواتِي
المثقلةُ إلى شارعٍ ممتدٍ
وقفتُ أتأمّله من بعدٍ
فأرَى وجوهًا تتدافعُ مسرعةً
سياجٌ يطوّقُ تلكَ البراءةَ
أمامَ عينيّ مبنى ضخمٌ
تحيطُ بجوانبهِ أشجارُ السرو العاليةُ
كنتُ أتبع خطوتي، التي حملتني فوقَ جليدٍ
أو وربّمَا فوقَ جمرةٍ من غضَا!
وقفتُ مأخوذًا بدكانٍ قرميديٍّ عتيقٍ يبيعُ الحلوَى
كلُّ شيءٍ يستيقظُ باكرًا
حينها المطرُ أخذَ ينسابُ من الغيمِ.
كانتْ حواسّي لا تلتمسُ سوَى الفضاءِ الجريحِ!
كلّما مشيتُ خطوةً، شعرتُ بظلٍّ يتبعُني.
حتّى إذا ما توقفتُ كانَ خوفِي يمضِي خلفِي!
بابٌ معدنيٌّ أخضرُ
حارسٌ طاعنٌ في السنِّ..
يجلسُ على كرسيٍّ من الخوصِ..
تحملُ ملامحَه تعبُ السنينِ
ابتسامةٌ باهتةٌ مفتعلةٌ ترتسمُ على وجههِ
مجموعةٌ من الحقائبِ تقفزُ علَى ظهرِ الصغارِ
تتبعهم حيثُ سارُوا..!
حجرةٌ واسعةٌ لا تحملُ ملامحهَا أيّ نوعِ من الدفءِ
كراسٍ مصطفةٌ.. مقاعدُ باردةٌ..
لوحٌ خشبيٌّ كبيرٌ
يقفُ أمامه رجلٌ فارعُ الطولِ
و نظارةٌ فوقَ عينيهِ..!
علَى وجههِ ابتسامةٌ صباحيةٌ، مهنئًا ببدايةِ العامِ الجديدِ
كانَ يعبرُ بينَ مقاعدنَا وهُو يتأمّلُ وجوهنَا التي حملتْ رعبًا
وعلَى الأرجحِ بهتتْ على شفاهنَا البسمةُ..!

استدارَ نحوَ اللوحِ الخشبيّ.. وأمسكَ يكتبُ كلماتٍ متشابكةً؛ ربّما أرقامًا.. لم تكنْ لديّ القدرةُ على استيعابهَا!
يغرقنِي شبحُ الخوفِ.. تدركنِي كلماتُهُ..
حينَ سألنِي: عن اسمِي.. وأجبتُهُ بدهشةٍ..
ارتعدتْ قامتِي الضئيلةُ
خواءٌ علقَ في نفسِي..!
عصا طويلةٌ حملهَا تحتَ إبطِهِ
أوراقٌ ملوّنةٌ و أشياءُ كثيرةٌ
لا أعرفُهَا..!
تحلّقُ ذاكرتِي بصورٍ نحتُّها!
حصانِي الخشبيُّ.. هديرُ المطرِ.. قصصُ جدّتي في ليالِي الشتاءِ القارسِ..
أغادرُ نفسِي للحظاتٍ.. أقفُ مثلَ جذعِ شجرةٍ خاوٍ
تعبثُ بي الريحُ..!
جدارُ الفصلِ.. نافذتِي.. كلّ شيءٍ تجمّدَ.
عدتُ وضاقتْ بي الأبعادُ..
حياةٌ أخرَى في فضاءِ الروحِ.
أقفُ أمامَ اللوحِ الخشبيّ.. لا أجدُ اسمًا مرادفًا للخوفِ!
سوى توجسٍ وريبةٍ أكبر منّي كثيرًا..!
وجهُ معلّمي لوحةٌ تحملُ غاباتِ الشتاءِ المبلّلةِ..
يربتْ بيدِهِ علَى كتفِي ويدعونِي حيثُ مقعدِي..
أنينٌ مخنوقٌ يمرُّ عليَّ كالسهامِ على نفسِي..
يغتالُ فرحِي!
تعبثُ بي صورُ أصدقائِي.. لعبهُم.. ضحكاتهُم..
أبقى وحيدًا.. خلفَ بابٍ موصدٍ!
أفتحُ نافدةً جديدةً.. لا تعرفُ شيئًا عن أقلامِ المدرسةِ الملونةِ،
أو حقيبتهَا.. أجوبُ الطريقَ بدمعتينِ..
وقلبٍ لفّه الخوفُ..
في صباحِ يومٍ كئيبٍ.. أسلّم نفسِي لطريقٍ طويلٍ
تتبعُني حقيبةٌ تحملهَا يدي الصغيرةُ..
وقلمٌ ملونٌ ورغبةٌ زائفةٌ تحملني كرهًا حيثُ لا أريدُ
لا يبقى شيءٌ في ذاكرتِي سوَى طفولةِ الخوفِ التي كُنتُها
تحيلُ الخريفَ ربيعًا.. والضعفَ قوةً..
ومازالتْ الأيامُ تدفعنِي من جديدٍ بحقيبةٍ صغيرةٍ، وأقلامٍ ملوّنةٍ وحذاءٍ أكبر من حجمِي
لتعيدَ لي دفءَ الشتاءِ القاتمِ في زوايا ذاكرتِي.


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف