الجزءُ الثَّالثُ من المقالةِ

تأمُّلاتٌ في روايةِ (ثورة في جهنَّم)

، بقلم رامز محيي الدين علي

خامساً- بينَ المطهرِ وجهنَّمَ:

وفي الفصلِ الثَّاني من الرِّوايةِ تلتقِي جوكوندا بصديقِها وحبيبِها سلفاستروس في المطْهرِ، ويدورُ الحوارُ بينَهما حولَ عذابِ المطهرِ، وتُبدي جوكوندا تخوُّفَها من العذابِ، ويؤكِّدُ لها سلفاستروس نوعَ العذابِ بأنَّهُ ليسَ سِوى المللِ والضَّجرِ، ثمَّ يمتَطِيانِ مناطيدَ الجنِّ للصُّعود إلى جهنَّمَ من أجلِ حضورِ حفلٍ يُقامُ هناكَ، وتجتمعُ فيه الوفودُ حولَ عرشِ بعلزبول كبيرِ الشَّياطينِ؛ لتكريمِ الأبالسةِ الَّذينَ نجحُوا في إثارةِ الحروبِ العالميَّةِ على الأرضِ، حيثُ خسرَ جميعُ المتحاربينَ بانتصارِ الحربِ على السِّلمِ.

ولنتأمَّلْ ما وردَ في هذا الفصلِ من معتقداتٍ وأفكارٍ تحملُها الرَّاهبةُ جوكوندا من الأرضِ، ولنقفْ مليَّاً عندَ ردودِ سلفاستروس الَّذي صارَ قدِّيساً يحملُ حِكَمَ ذلك القدِّيسِ السَّماويِّ قبلَ دخولِ جوكوندا المطهرَ.

- وَيحِي! إنَّ الرَّاهباتِ في الدَّيرِ يُصلِّينَ لأجْلي لكي تَقصُرَ سنواتُ مطْهرِي.

- ويحَهم! إنَّهم بصَلاتِهم َيزيدُون سِنيَّ مطهرِكِ، أمَا زعمُوا أنَّكِ قدِّيسةُ عجائبَ، وأنَّكِ منتقلةٌ إلى السَّماءِ؟ فلماذا الصَّلاةُ لأجلِكِ إذا كنْتِ في السَّماءِ؟ وهلْ أحكامُ الدَّيَّانِ خاضعةٌ لصلاتِهم؟
فكمْ في الأرضِ من بهائمِ الأنعامِ تُقيمُ شعائرَ التَّقديسِ لرموزٍ قضتْ وانتهتْ من الأرضِ، وصارَت في السَّماءِ، ومازالَتِ تلكَ البهائمُ تموتُ بلا ثمنٍ دفاعاً عن ذلكَ المقامِ، ومافتِئَت أقوامٌ وأقوامٌ تطالبُ بالثَّأرِ لشخصٍ لم يستَطعِ الدِّفاعَ عن نفسِهِ، فينطلقُ نعيبُ الغرابِ هنا وهناكَ منادياً للثَّأرِ: لبَّيكَ يا "سلفسيانو".. متناسينَ قولَ الدَّيانِ: " وكلَّ إنسانٍ ألزَمْناهُ طائرَهُ في عنقِهِ"، فكلُّ مخلوقٍ مسؤولٌ أمامَ ربِّ العرشِ عمَّا جنَتْ يداهُ من شرٍّ، وعمَّا غرسَت كفَّاهُ من خيرٍ، فلماذا الصَّلاةُ من أجلِهم، ولماذا الثَّأرُ لهم، طالمَا أنَّ المحاسِبَ لا يُحمِّل إنسيَّاً جريرةَ غيرِه، ولا يَقبلُ إلَّا طاعتَهُ الذَّاتيَّةَ لا الغيريَّةَ، كمَا أنَّ المجرِمينَ الَّذين سفَكُوا دمَ ذي المَقامِ المقدَّسِ ثُلَّةٌ منَ الأوَّلينَ لا الآخرِينَ قضَتْ نحْبَها في تلكَ الحِقبةِ، وليسَتْ أمَّةً بأكمَلِها تتحمَّلُ وِزْرَ جريرةٍ وقعَتْ منذُ مئاتِ السِّنينَ؟!

فلْتَلْزمْ كلُّ بهيمةٍ طائرَهَا في عنُقِها، فلا أبٌ ولا أخٌ ولا زوجةٌ ولا مالٌ ولا بَنونَ ينفعُ يومَ تُقرَعُ القارعةُ؛ إذْ يكونُ النَّاسُ كالفراشِ المبثوثِ، وتكونُ الجبالُ كالعِهنِ المنفُوشِ، فمَن ثقُلَت موازينُ حسناتِه، فهو في عيشةٍ راضيةٍ في الجنَّةِ، وأمَّا الَّذينَ خفَّتْ موازينُ حسناتِهم، ورجَحَت موازينُ سيِّئاتِهم فمَأواهُم جهنَّمُ، والمقصودُ بأمِّهِ هُنا رأسُهُ، وليسَتْ أمَّهُ الَّتي تَهْوي في النَّارِ، كمَا يُفسِّرُها الملاحدةُ أشقَاهُمُ اللهُ!

وحينَ تسألُ جوكوندا عن سببِ الاحتفالِ، يُجيبُها سلفاستروس: -يُقالُ إنَّها حفلةُ انتصارِ الشَّياطينِ في إثارةِ الحربِ العُظمى على الأرضِ وفوزِهِم فيها.

- جوكندا: يا لَلعَجبِ! إذنْ كان الحلفاءُ شياطينَ لأنَّهم انتصرُوا.

- يقهقِهُ سلفاستروس ويُجيبُها: لم ينتصرِ الحلفاءُ، ولا ألمانيَا وحُلفاؤُها انتصرُوا، بل جميعُهم خسِرُوا الحربَ، والمنتصرونَ همُ الأبالسةُ فقطْ.. أعنِي أنَّ الحربَ انتصرَتْ على السِّلمِ، والشَّياطينُ أعداءُ السِّلمِ وأنصارُ الحربِ، أليسَتِ الحربُ كارثةً للجنسِ البشريِّ وويلاً للغالبِ وللمغلوبِ جميعاً؟

نعمْ إنَّ مَن يُثيرونَ الحروبَ على الأرضِ بإيحاءٍ من شياطينِ السَّماءِ همُ الشَّياطينُ الحقيقيُّونَ الأشدُّ والأعْتَى من شياطينِ جهنَّم؛ لأنَّهم يمتلكونَ كلَّ وسائلِ الدَّمارِ الشَّاملِ، ويتنافسونَ على بسْطِ النُّفوذِ والسَّيطرةِ الاستعماريَّةِ على العالَمِ، ولكنَّهم لا يعلمونَ أنَّهم جميعاً خاسرونَ، فأينَ أكبرُ امبراطوريَّةٍ استعماريَّةٍ استطاعَت أن تحتلَّ الكرةَ الأرضيَّةَ وحقَّقتْ ما تريدُ، وأينَ الحلفاءُ المنتصرونَ من الحلفاءِ المهزومينَ في الحربِ؟! الكلُّ خرجَ من الحربِ يجرُّ خلفَه ويلاتِها ومآسِيها، والكلُّ سعَى إلى تقويضِ أركانِ ملكوتِ الإنسانِ على الأرضِ، وتحقيقِ حلُمِ شياطينِ السَّماءِ لبناءِ صرحِ ملكُوتِهم الجهَّنَّميِّ!

ويظلُّ السُّؤالُ الفلسفيُّ الأكبرُ يدورُ في عقولِ المفكِّرينَ: أليسَ لأبالسةِ السَّماءِ من عملٍ غيرُ الوسوسةِ لشياطينِ الأرضِ من البشرِ؟! وما الفائدةُ الكُبرى الَّتي يَجنونَها من ثمارِ وساوسِهم؟! أليسَ شياطينُ الأرضِ أكثرَ تفوُّقاً ودهاءً وخبثاً وشرَّاً من أبالسةِ السَّماءِ الَّذين ينسِبُ النَّاسُ إليهِم قبائحَ أفعالِهم، ويُلقُون بالَّلائمةِ عليهِم، ويَستعيذونَ باللهِ منهُم في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ؟!
أوليسَتْ وسوسةُ أبالسةِ السَّماءِ لشياطينِ الأرضِ في الاستِثْمارِ والاحتِكارِ والُّلصوصيَّةِ وجمعِ الأموالِ بشتَّى الوسائلِ والطُّرق نوعاً من الإيثارِ، يقدِّمون الأفكارَ لغيرِهم ولا يَجنونَ ثمرةً قيدَ أُنمُلةٍ من وساوسِهم؟!

ولكنِّي ألومُ أبالسةَ السَّماءِ على عنصريَّتِهم وتمييزِهم بينَ البشرِ، فلماذَا يختارونَ أُناساً محدَّدينَ، فيُغرونَهم بالثَّراءِ كيفَما أطلَّ، وينسَونَ سائرَ الفقراءِ والمساكينِ الَّذين يَقضُون جوعاً وعطشاً، فليسَ لهم من مُعينٍ أو مُغيثٍ؟! وهل يُعقلُ أنَّ هؤلاءِ المساكينَ الَّذين حُرِمُوا من نعيمِ الدُّنيا سيظفَرُون بهِ في الآخرةِ؟!

ولكنَّ الَّذي يَغيظُكَ كإنسانٍ عاقلٍ مفكِّرٍ أنَّ هؤلاءِ الشِّرِّيرينَ عبيدَ الشَّياطينِ ينسبُون أسبابَ نجاحِهم لأنفسِهم، متناسينَ دورَ شياطينِ السَّماءِ في الوسوسةِ إليهِم، وحين يخسرونَ ما هم عازمُونَ عليهِ يرمُون بأسبابِ فشلِهم إلى السَّماءِ!

فكمْ من سارقٍ أموالَ العامَّةِ والخاصَّةِ يدَّعي الفضلَ لنفسِه والعطاءَ من ربِّهِ، ويَنسى دورَ الشَّيطانِ الَّذي دفعَهُ إلى الاختلاسِ، وسهَّلَ له سبُلَ الوصولِ إليهَا، وحين تظهرُ آثارُ النِّعمةِ عليهِ، يقولُ: هذا من فضلِ ربِّي!

وكمْ من مقاولٍ كان موظّفاً صغيراً أو عاملاً مغلوباً على أمرِه، تمكَّن الشَّيطانُ منهُ، فأوحَى إليهِ أساليبَ الاستغلالِ وطرقَ القفزِ من تحتِ أقدامِ الدِّينارِ إلى القبضِ على رؤوسِ الأموالِ بالعملةِ الصَّعبةِ مستغِلَّاً جهودَ العمَّالِ البسطاءِ، متلاعِباً بموادِّ البناءِ وأسعارِها، فتظهرُ عليهِ آثارُ النِّعمةِ، فيقولُ: الحمدُ للهِ وهذا كلُّهُ من فضلِ ربِّي، والمصيبةُ الكُبرى هي التَّحوُّلُ في نبراتِ صوتِه، وتغيُّرُ مخارجِ الحروفِ عن مواضعِها وخروجُها من أماكنَ لم يذكُرْها سيبويهِ في كتابِه ولا ابنُ جِنِّي في خصائِصِه ولا فرديناند دي سوسِّير العالمُ الُّلغويُّ السُّويسريُّ في ألسنيتِه العامَّةِ، وكذلك التغيُّرُ في حركاتِ جسدِه وملامحِه العامَّةِ، متجاوزاً كلَّ آفاقِ الدِّراساتِ الَّتي تُعنى بحركاتِ الجسدِ وإيماءاتِه، مستخدماً أساليبَ إظهارِ البراءةِ والشَّرفِ: سُبَّحةٌ من الأحجارِ الكريمةِ المذكورةِ في الكتبِ المقدَّسةِ، وقِلنسوةٌ يرتديْها حُجَّاجُ بيوتِ اللهِ، وتعدُّدٌ في النِّساءِ بما أمرَت بهِ شريعةُ اللهِ، وطابورٌ من البنينَ، وأرصدةٌ ثابتةٌ ومتحرِّكةٌ ومحوَّلةٌ ومنقولةٌ، عملاً بهديِ السَّماءِ "المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدُّنيا".

وكمْ من دولٍ استعماريَّةٍ باغيةٍ دفعَها استعلاؤُها بوحيٍ شيطانيٍّ لاحتلالِ دولٍ وإبادةِ شعوبِها، فتعزفُ موسيقَى الأديانِ، وتقولُ نصرٌ منَ اللهِ!

وكمْ من مجرمٍ فجَّرَ نفسَه في دورِ العبادةِ أو أماكنِ تجمُّعِ البُسطاء الأبرياءِ في أسواقٍ شعبيَّةٍ بإلهامِ سادتِه الشَّياطينِ الأرضيِّينَ والسَّماويِّينَ، ثم يصَّعدُ في السَّماءِ مبتسِماً وفي يدِه الممزَّقةِ إرْباً إرْباً على الأرضِ أحدُ مفاتيحِ أبوابِ الجنَّةِ!

وكمْ وكمْ سيتحمَّلُ العالمُ أوزارَ أوبئتِه الَّتي تعصِفُ به صباحَ مساءَ من فقرٍ وجوعٍ وجهلٍ مقدَّسٍ وغباءٍ يصنعُهُ الخُبثاءُ، وفكرٍ مسطَّحٍ مُقَولبٍ بأيقوناتِ السَّاسةِ والكهنُوتيِّينَ؟!

سادساً- في رحابِ جهنَّمَ:

وفي الفصلِ الثَّالثِ من الرِّوايةِ نقفُ أمامَ مشاهدِ الحفلةِ في جهنَّمَ، إذْ تتوافَدُ طلائعُ الموكبِ وعلى رأسِها جوقةٌ موسيقيَّةٌ يتقدَّمُها سِرْبٌ من الرَّاقصاتِ، ويلوحُ لجوكندا بعضُ الشَّخصيَّاتِ الَّتي تعرفُها: مثلُ القدِّيسةِ الملكةِ تيودورة زوجةِ الملكِ جستين الَّتي أصبحَت راقصةً جهنَّميَّةً.. والشخصيَّةُ الأُخرى هي الملكةُ كليوباترا آخرُ ملوكِ الأسرةِ المقدونيَّةِ الَّتي حكمَت مصرَ، و قدْ أضحَت راقصةً أيضاً.

ويُوضَعُ عرشُ بعلزبول في إيوانِه المرتفعِ، ويمتثلُ أمامَه كبارُ الرُّجماءِ أمثالِ: نيرونَ، والإسكندرِ الكبيرِ، ونَبُوخذ نَصْر، ونابليون، ورسبوتين، وجزارِ عكَّا (أحمد باشا الجزَّار).. فيتكلَّمُ بعلزبول عن النَّصرِ ولذَّةِ النَّصرِ بتقويضِ السَّلامِ على الأرضِ، ويستمرُّ الحوارُ بينَه وبينَ زوجتِه فينوموس ووزرائِه الأبالسةِ: وزيرِ الحربِ فيرومارس ووزيرِ الاختراعِ: انفنتوروس، ووزيرِ القضاءِ: جستوروس، ووزيرِ المالِ: أرجنتوس، وغيرِهم، متباهياً كلٌّ منهم بدورِه في إثارةِ الحربِ على الكوكبِ الأرضيِّ!

ولا بأسَ في أن نقفَ نحنُ على مشارفِ جهنَّمَ، ولنشاهدْ ما يَجري فيها من أحداثٍ، لعلَّنا نفهمُ ما يدورُ حولَنا على الأرضِ:

-جوكندا: الموسِيقا وُجدتْ لتسبيحِ الباري..

- سلفاستروس: ولكنَّ البشرَ جعلُوها من جملةِ أسلحةِ الحربِ، والشَّياطينُ اقتبسُوها من البشرِ.

- جوكوندا: إنَّ فؤادِي يخفقُ لهذا الَّلحنِ، وأشعرُ برعشةٍ في بدني كما كنتُ أشعرُ حين تُعزَفُ الموسيقا في الكنيسةِ.

- سلفاستروس: إنَّهُ لحنٌ حماسيٌّ، وهو لحنُ النَّصرِ في الحربِ، ولعلَّهُ مقتَبسٌ من ألحانِ الكنيسةِ.

- جوكوندا: تبَّاً لهم يُدنِّسونَ لحنَ الكنيسةِ الطَّاهرَ..

- سلفاستروس: لماذا لا نُحوِّلُ نحن هذا الَّلحنَ إلى تسبيحِ الباري وتمجيدِه" وكلٌّ يُغنِّي على ليلاهُ"؟!

وأنا أقولُ: أفليسَتْ هذه الَّلوحةُ الجهنَّميَّةُ مقتبسةً من الأرضِ؟

فكمْ من الحروبِ المقدَّسةِ اجتاحَت العالمَ، وهي تعزفُ أناشيدَ المعابدِ، وتُنشدُ أسفارَ السَّماءِ طاحنةً ملايينَ الأرواحِ، مخلِّفةً كلَّ مظاهرِ الشَّقاءِ، من طفولةٍ مشرَّدةٍ ونساءٍ مرمَّلةٍ ومسبيَّةٍ، مازجةً أجناساً بأجناسٍ، ضاربةً أخماساً بأسداسٍ، صانعةً حساباتٍ جديدةً لم يَردْ لها ذكرٌ في أساطيرِ التَّاريخِ الكُبرى ولا الصُّغرى، وكلُّ ذلك باسمِ السَّماءِ؟! وكم ستستغرقُ تلك الحروبُ المقدَّسةُ باسمِ السَّماءِ، ومازالَ أتباعُ السَّماءِ يتحاربُون فيما بينَهم؛ لاختلافِ تعاليمِهم ومذاهبِهم، وكلَّ يومٍ يخرجُ من تحتِ عباءاتِهم زنديقٌ يختلقُ البِدعَ، ويؤلِّفُ مذهباً ومذهباً لم يسمعْ به شياطينُ السَّماءِ؟!

وكم من القرونِ ستستمرُّ الحروبُ المقدَّسةُ؛ لإدخالِ تعاليمِ السَّماءِ في قلوبِ الملايينِ البشريَّةِ الَّتي ما زالتْ تعبدُ البقرَ، وفي أفئدةِ ملايينَ أخرى ما برحتْ تعبدُ آلهةً بشريَّةً وشيطانيَّةً وأيقوناتٍ وزخارفَ وتماثيلَ حجريَّةً، وفي ألبابِ ملايينَ آدميَّةٍ تلبَّستِ الشَّياطينُ أفكارَها ومسحتْ كلَّ نسائمِ الإيمانِ السماويَّةِ من أفئدتِها؟!

وكم وكم؟ فمَن يُجيبُ؟!

وأبلغُ إجابةٍ نجدُها على ألسنةِ أبسطِ البُسطاءِ من البشرِ: " كلٌّ على دينِه اللهُ يُعينُه" عبارةٌ تدوسُ بصدقِها ونقائِها كلَّ أيديولوجيَّاتِ التَّاريخِ السِّياسيِّ والكهنُوتيِّ العفنةِ!

فأيُّ مجرمٍ كهنوتيٍّ يذبحُ الأطفالَ والنِّساءَ والشُّيوخَ باسمِ السَّماءِ يحملُ رسالةَ تكليفٍ بالقتلِ من السَّماءِ؟!

وأيُّ زنديقٍ كهنوتيٍّ يُشرِّع للدِّكتاتورِ قتلَ شعبٍ خرجَ يطالبُ بحقوقِه في الحريَّةِ والحياةِ يحملُ رسالةً سماويَّةً تُبيحُ القتلَ والتَّدميرَ والإبادةَ وأبشعَ صورِ الموتِ في زنزاناتٍ تجاوزتْ في قذارتِها عذابَ القبورِ الَّذي يتفلسفُونَ به على القنواتِ الفضائيَّةِ وغيرِها من وسائلِ التَّواصلِ الاجتماعيَّةِ؛ لتكفيرِ النَّاسِ بالحياةِ الدُّنيا وبالآخرةِ معاً؟!

وأيُّ زنديقٍ كهنوتيٍّ يُزهِّدُك في الدُّنيا؛ لتعيشَ عيشَ البهائمِ بلا فكرٍ ولا عقلٍ من أجلِ أن تحظَى بحوريَّاتِ السَّماءِ شارباً لبناً وعسلاً هناكَ، هاجراً كلَّ ما أبدعتْهُ قريحةُ شياطينِ الأرضِ من مأكولاتٍ ومشروباتٍ روحيَّة وجسديَّةٍ لم يرِدْ لها ذكرٌ في أيِّ كتابٍ مقدَّسٍ، يحملُ رسالةً سماويَّة تقولُ: "كلُوا من طيِّباتِ مارزقْناكُم"؟!

وتُشاهدُ جوكوندا الرَّاقصاتِ، وهنَّ يؤدِّينَ رقصاً شبيهاً بالرَّقصِ الرُّومانيِّ:

- جوكوندا: هذا الرَّقصُ يُشبهُ الرَّقصَ الرُّومانيَّ الَّذي كنَّا نرقُصُه في المدرسةِ، كما رقصَهُ داودُ النّبيُّ عليه السلامُ أمامَ تابوتِ العهدِ، فهلْ هؤلاءِ الرَّاقصاتُ كنَّ راهباتٍ فأثِمْنَ؟

- سلفاستروس: بل هنَّ فنَّاناتُ التَّاريخِ الَّلواتي جعلْنَ الرَّقصَ عبادةً في هياكلِ الجمالِ البشريِّ، معابدِ الشَّهواتِ البهيميَّةِ، فحُرِّم لأجلِهنَّ الرَّقصُ في المساجدِ الدِّينيَّةِ.

نعم إنَّهُ الرَّقصُ المقدَّسُ في هياكلِ الجمالِ البشريِّ، تستعرضُ فيه الرَّاقصةُ كلَّ مواهِبها الأنثويَّةِ المثيرةِ للشَّهواتِ، وتتمايلُ على بلهائِها السَّكارى بنهديْها ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ، وتتهافتُ الأوراقُ النَّقديَّةُ بينَهما، كما تتطايرُ أوراقُ الخريفِ في أنشودةِ سليمانِ العيسى:

ورقاتٌ تَطْفِرُ في الدَّربِ والغيمةُ شقراءُ الهُدْبِ

ولكنْ شتَّانَ ما بينَ مشهدينِ، ومعذرةً من روحِ شاعرِنا الكبيرِ، مشهدٍ يغرسُ فيكَ الفضيلةَ، ومشهدٍ يقتلعُ غراسَ الفضيلةِ من ضميرِك! وتستمرُّ الفنَّانةُ الرَّاقصةُ في استعراضِ مفاتِنها، فيَرى المتابعونَ خيالَ طبيعةِ مدينةِ مشْتى الحُلو الجبليَّة القريبةِ من قريتِنا في شعرِ سليمان العيسى:

تلٌّ يَغيبُ، وقمَّةٌ تَبدُو،
ووادٍ كالخَيَالِ
كالُّلغْزِ،
يزدحمُ السُّؤالُ بهِ على شفَةِ السُّؤالِ

فترى البلهاءَ صرْعى ما بينَ تلٍّ يغيبُ، وقمَّةٍ تَبدُو ووادٍ كالخيالِ.. وشتَّان ما بينَ طبيعةٍ عذراءَ تمنحُكَ جمالَها؛ لتسعدَ وبينَ طبيعةٍ تُثير غرائزَك البهيميَّةَ؛ لتسلبَكَ إنسانيَّتَك وفطرتَكَ الَّتي فُطرتَ علَيها!

وعندمَا تُجري معَها قناةٌ فضائيَّةٌ لقاءً وتسألُها عن رأيِها في الرَّقصِ، تُجيبُ بكلِّ ثقةٍ: إنَّهُ فنٌّ ورسالةٌ أخلاقيَّةٌ؟! فنٌّ وأيُّ فنٍّ؟! ورسالةٌ وأيَّةُ رسالةٍ؟!

ولنتابعِ الحوارَ بينَ الرَّاهبةِ جوكوندا وصديقِها سلفاستروس؛ لنستشفَّ منهُ حقائقَ مرَّةً تختزلُ النَّوايَا الشَّيطانيَّةَ في طبيعةِ البشرِ الَّتي تفوقُ خيالَ أبالسةِ جهنَّمَ:

- بعلزبول:هدفُنا من هذا الاحتفالِ هو تكريمُ أبطالِ الحربِ ومكافأتُهم على جهادِهم المقدَّسِ!
- جوكوندا مستغربةً: اسمعْ يا سلفاستروس ماذا يقولُ بعلزبولُ: جهادٌ مقدَّسٌ!!

- سلفاستروس ضاحكاً: أما سمعتِ مثلَ هذا الكلامَ من أهلِ الأرضِ كثيراً؟ أما سمعْتِه ممَّن صارُوا ضيوفَ جهنَّمَ؟ أما سمعتِ ساسةَ الأرضِ وحكَّامَهم يستفزُّونَ العامَّةَ الجهلةَ السَّاذجينَ إلى القتالِ وسفكِ الدِّماءِ وترميلِ النِّساءِ وتيتيمِ الأطفالِ بأغاني الجهادِ الشَّريفِ المقدَّسِ؟؟
أوما كان رجالُ الدِّين يُرافقُون الجنودَ إلى ساحةِ الحربِ لكي يُصلُّوا لهم ويدعُوا لهم بالنَّصرِ؟ كأنَّ الحربَ عملٌ شريفٌ مقدَّسٌ.

فبعلزبول لم يخترعِ الشَّرفَ والقداسةَ من عندِه، إنَّما هو يقتبسُ لغةَ شياطينِ الأرضِ.

نعم إنَّه جهادٌ مقدَّسٌ لاجتياحِ مقدَّساتِ الشُّعوب الأُخرى، وقتلِ رجالِهم، وسبيِ نسائِهم، وتيتيمِ أطفالِهم، وسرقةِ ممتلكاتِهم، وتدميرِ مدنِهم وحرقِها على رؤوسِ قاطنِيها!

أليستِ الحروبُ الاستعماريَّةُ في شتَّى مراحلِ التَّاريخِ جهاداً مقدَّساً يشرِّعُ القتلَ والتَّدميرَ والنهبَ والسَّلبَ؟! أوليستِ الحروبُ الدِّينيَّةُ على مستوى مذاهبِ الدِّينِ السَّماويِّ نفسِه جهاداً مقدَّساً لتطهيرِ الدِّينِ من مخالفِيه في الرَّأيِ والاعتقادِ؟! أوليستِ الحروبُ الوطنيَّةُ والقوميَّةُ بينَ دولٍ متجاورةٍ من أجلِ شبرٍ من الثَّرى جهاداً مقدَّساً حصدَ أرواحَ الملايينِ؟!

أليستْ حربُ دكتاتورٍ ضدَّ أناسِه وإبادتِهم جهاداً مقدَّساً يسوِّغُ له القتلَ بشتَّى وسائلِ القتلِ والتَّعذيبِ؟!

أليستْ حربُ زعيمٍ على زعيمٍ من أجلِ تكسيرِ رأسِه وتمريغِ أنفِه في التُّرابِ جهاداً مقدَّساً يستحقُّ التَّضحيةَ بكلِّ مقدَّراتِ وطنِه وشعبِه؟!

أوليستِ الحربُ بينَ الأحزابِ السِّياسيَّةِ والأحلافِ العسكريَّةِ جهاداً مقدَّساً يُدخلُ أمواتَهم المنتحرينَ على مذابحِ الجهلِ والتَّخلُّفِ الفكريِّ نعيمَ السَّماءِ دونَ حسابٍ؟!

وحينَ يصفُ أرجنتوس وزيرُ المالِ الحربَ بالسَّعي الحميدِ، تثورُ دهشةُ جوكوندا من هذهِ التَّسميةِ، فيُجيبُها سلفاستروس:

طبعاً، وهل شيءٌ أحمدُ من الوصولِ إلى الغايةِ المنشودةِ؟ أما كانَ سعيُ يسوعَ إلى الصَّليبِ حميداً؟ فلماذا لا يكونُ سعيُ اليهودِ إلى صلبِه حميداً أيضاً.. الحميدُ شيءٌ نسبيٌّ يا عزيزتِي، وقد شرحَ إينشتاين النسبيَّةَ؛ لكي نفهمَ كيف يكونُ سعيُ الأبالسةِ إلى الحربِ حميداً.
- جوكوندا: مَنْ إينشتاين؟

- سلفاستروس: هو أعظمُ إبليسٍ من أبالسةِ العلمِ والفلسفةِ، كاد يستكْنِهُ سرَّ الوجودِ المادِّيِّ، ويظفرُ بالمبدأِ الأوَّلِ الذي يتَوارى الخالقُ عزَّ وجلَّ وراءَه عن أبصارِنا.

- جوكوندا: للهِ درُّهُ، إنَّ الذي يُعلنُ قدرةَ اللهِ يُجازَى في السَّماءِ بأفضلِ منزلٍ.

- مَن قال لكِ إنَّ اللهَ يَرضَى أن يُعلِنَ عنه مخلوقٌ، إنَّ إعلانَ ذاتيَّةِ اللهِ لأُعجوبةٌ أعظمُ من عجائبِك مليونَ مرَّةً.

- جوكوندا: إذنْ أيريدُ اللهُ أن تَبقى ذاتيَّتُه مجهولةً؟ لا بدَّ من مخلوقٍ يختارُه اللهُ ليُظهرَها.

- لقد اختارَ اللهُ لإظهارِها نبيَّاً، ومعَ ذلكَ لم يستطِعْ ذلك النَّبيُّ أن يُظهرِها إلَّا بالإشارةِ.

- مَنْ هوَ؟

- هو داودُ النّبيُّ القائلُ: السَّماواتُ تحدِّثُ بمجدِ اللهِ، والفلكُ يُخبِرُ بعملِ يديهِ.

فهلْ لإعلانِ ذاتيَّةِ اللهِ أبلغُ وأفصحُ مِن هذا الشِّعر الفلسفيِّ البديعِ؟! (تهكُّمٌ وسُخريةٌ).

وفي هذا الحوارِ القصيرِ نقفُ عند فكرتينِ مُهمَّتينِ، أرادَ الكاتبُ أنْ يفهمَهُما الَّلبيبُ العاقلُ:

الأولى في وصفِ الحربِ بالسَّعيِ الحميدِ على مبدأِ: "الغايةُ تبرِّرُ الوسيلةَ" كما قالَ الفيلسوفُ الإيطاليُّ ماكيافيلّي صاحبُ كتابِ الأميرِ في عصرِ النَّهضةِ الأوربيَّةِ، فقتلُ الأنبياءِ وسيلةٌ والغايةُ إعادتُهم إلى السَّماءِ الّتي أرسلتْهم؛ ليُقيمُوا إلى جوارِ ربِّهم، والإكثارُ من القتلِ نهجٌ يُعجِّلُ بعودةِ المسيحِ أوعودةِ الإمامِ المهديِّ المنتظرِ لإقامةِ العدلِ في الأرضِ. فأيُّ جهلٍ مقدَّسٍ أكثرُ من هذا الجهلِ الّذي يسوِّغُ القتلَ من أجلِ إقامةِ العدلِ؟!

والفكرةُ الثَّانيةُ هي نظريَّةُ النِّسبيَّةِ التي أبدعَتْها قريحةُ ألبِرْت إنشتاين الّتي غيَّرتِ الكثيرَ من المفاهيمِ بما يتعلَّقُ بالمصطلحاتِ الأساسيَّةِ في الفيزياءِ: المكانِ والزَّمانِ والكتلةِ والطَّاقةِ. حيثُ أحدثَت نقلةً نوعيَّةً في الفيزياءِ النَّظريَّةِ وعلمِ الفلكِ في القرنِ العشرينَ. عندَ نشرِها لأوَّلِ مرَّةٍ، عدَّلتِ الأسسَ النَّظريَّةَ لمِيكانيكا نيوتن الّتي كانتْ قائمةً منذُ مئتَي عامٍ. وبذلك تغيَّرت كلُّ الفيزياءِ الكلاسيكيَّةِ حسْبَ مفهومِ نيوتن.

وأدَّتْ مفاهيمُ النَّظريَّةِ النِّسبيَّةِ إلى ظهورِ علومٍ جديدةٍ كليَّاً مثلِ: الفيزياءِ الفلكيَّةِ وعلمِ الكونِ. بالإضافةِ لاستخدامِها في تطبيقاتٍ حياتيَّةٍ، كنظامِ المِلاحةِ العالميِّ (GPS). (يُنظرُ ويكيبيديَا الموسوعة الحرَّة).

وقد وصفَ الكاتبُ نقولا حدَّاد إنشتاين صاحبَ النّظريَّةِ بأنَّهُ أعظمُ إبليسٍ من أبالسةِ العلمِ والفلسفةِ، كاد أن يستكْنِهَ سرَّ الوجودَ الماديَّ، ويظفرَ بالمبدأِ الأوَّلِ الذي يَتوارى الخالقُ عزَّ وجلَّ وراءَه عن أبصارِنا.

ولنْ أُغرقَ نفسِي كثيراً في التَّفاصيلِ، ولنْ أجدِّفَ بفِكري بعيداً، وأدعُ ما لعنترةَ لعنترَ، وحَسْبي أنِّي فهمتُ ما فهِمَ أُولو الألبابِ.

ومهما طالَ المقالُ فلن تستطيعَ قريحتِي الغورَ في أعماقِ بحارِ الفكرِ التي تتلاطمُ أمواجُها مدَّاً وجزْراً، معلنةً كلَّ هُنيهةٍ عن ولادةِ أمواجٍ جديدةٍ من رحمِها، وحسْبي أنَّني لم أسلِّمْ قيادَ مركبتِي للمجدِّفينَ باسمِ السَّماءِ أو للقراصِنةِ الّذين يريدونَ أنْ يُطفِئُوا ضوءَ الشَّمسِ ويبتلِعُوا نورَ القمرِ!


رامز محيي الدين علي

كاتب سوري مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف