النهوض بثقافة التراث الشعبي

، بقلم نايف عبوش

في ديرة جنوب الموصل اليوم،شأنها أطراف أخرى، ادباء، وشعراء، وكتاب، وفنانون، ومؤرخون.. ومختصون في مختلف العلوم، وباللغة العربية بالذات، وبتحصيل جامعي، أولي، وعالي. وهم نتاج بيئة ديرة.. تمتد في عمقها الحضاري، والتاريخي، إلى أزمان موغلة في القدم،وهي تتوسد بمعالمها الشامخة اليوم، ضفاف نهر دجلة الخالد بكبرياء.. وتمتد إلى أعماق البادية.. حيث لم تجرؤ على قطع هيبة عمق موروثها السنون، ولم تبلي جدته عوادي الزمن.. ليظل تراثها أيقونة حية،في الذاكرة الجمعية الراهنة، شاهدة على إبداع متواصل،يتجدد مع الحاضر،في جدلية لا تنفصم أبدا..

والبعض من الأدباء الذين نحن بصددهم، ومن دون الحاجة لذكر المسميات، هم سليلوا أسر توصف في أوساط الديرة، بأنهم من عوارف القوم،كما تواتر الذكر عنهم، حيث لهم إسهامات كبيرة في الموروث الشعبي، من العتابة، والزهيري، والأمثال، والعرافة..

وبيئة المنطقة على العموم، بسهول بريتها المنبسطة، وهضابها المتهادجة، على ضفتي النهر، تزينها خضرة البساتين، ويجللها الربيع بكل معاني النضارة،فرضت نفسها،على إنسانها، وأدبائها،وفنانيها،وكفاءاتها الأكاديمية، كبيئة شاعرية التجليات.. فكانت دوما،مصدراً للالهام، وحاضنة للإبداع.. وبذلك كانت ديرة معطاء دوما.. فاضت على الساحة الثقافية، والشعبية، بالكثير من المبدعين، في الشعر، والقصة، والرواية، والعتابة، والزهيري،وأنجبت كفاءات أكاديمية، في مختلف الاختصاصات والعلوم..

والملاحظ أن معظم تقاليد الديرة ظلت صامدة، برغم زحف رياح العصرنة عليها.. شانها شأن كل الحواضر الأخرى، حيث تجاوزت على الكثير من معالم موروثها التراثي، واتت على الكثير من تقاليدها،تحديات الحداثة.. فبقت بعض مجالس السمر،في حين لا تزال كبريات الدواوين عامرة بالربع،والأهل،في المناسبات العامة على الاقل، حيث يطاف على روادها من الضيوف، والمارة، وعابري السبيل، بالقهوة العربية، التي لم تتجرأ العصرنة، حتى الآن، على المساس بقدسيتها، وتنحيتها عن الوجود،وإخراجها من فضاءات الدواوين، رغم كل المغريات البديلة، وسهولة تداولها..

ولعلنا نتعشم فيهم أن ينشطوا في تشجيع الطاقات الكامنة في ربوع ارياف الديرة.. لكي تنهض بالحال، بإبداع متوقد، حيثما تلمسوا في ديرتهم طاقات متطلعة، وبراعم ناشئة.. يمكن إذا تمت رعايتها، أن تعوض بجدارة، فطاحل أعلام العتابة، والزهيري، والكصيد، الذي اشتهرت به أرياف الديرة، ردحا من الزمن..ناهيك عن نظم الشعر بالفصحى..

ولعل الاهتمام بمثل هذا الموروث الشعبي، صار اليوم، ضرورة اجتماعية، تفرضها بإلحاح، تحديات المعاصرة، التي تهدد موروثنا الشعبي، بالكنس، والمسخ، بالعولمة الجامحة بفضائها المفتوح،ووسائلها التقنية المتقدمة المفتوحة في كل الاتجاهات من جهة، وحاجتنا لرفاهية ذهنية،وتنشيط لذاكرة تبلدت، بعد أن أصبح الريف حضريا رتيبا، ومملا ،وأوشكت مجالس السمر أن تنقرض في ريفنا، من جهة أخرى..

إنها دعوة للأدباء، والكتاب، والوجهاء، واعمدة القوم، وكل من يعنيه الأمر، من خلال هذه الهمسة الخافتة،للنهوض بثقافة التراث.. التي كادت العصرنة أن تمحوها من الوجود بالكامل.. على ان ذلك لا يعني الإنغلاق.. والانكماش على الذات.. فذلك ام غير ممكن في اطار تسارع ايقاع التطور الهائل في كل مجالات الحياة .. وانما بمعنى الانفتاح على معطيات العصر.. بصيغة التفاعل مع المعاصرة.. بكل ما تحمله من ايجابيات.. والتشبث بالاصالة بكل تراكماتها الايجابية..بما يعزز خصوصية الهوية التراثية.. ويحميها من المسخ والتشويه والضياع.


نايف عبوش

كاتب عراقي

من نفس المؤلف