احتار، هل هي فصيحة؟

، بقلم فاروق مواسي

كتب إبراهيم اليازجي في (لغة الجرائد):

“ويقولون احتار في الأمر من الحيرة، ولم يسمع افتعل من هذا، وإنما يقال:

حار يحار، فهو حائر وحيران، وحيّرته فتحير.”

(عن الشبكة)

وكتب أسعد داغر في (تذكرة الكاتب، ص 62):

"احتار في أمره- أي لم يدر ما وجه الصواب، والمسموع من العرب "حار" في أمره، يحار واستحار ...".

هكذا نجد المصادر الكثيرة التي تحفظت من هذا الاشتقاق، بدعوى أن الفعل “احتار” لا وجود له في معجمات اللغة، ولم يرد عن العرب قديمًا.

فقد جاء في (لسان العرب):

“حار بَصَرُه يَحارُ حَيْرَةً وحَيْرًا وحَيَرانًا، وتَحيَّر إِذا نظر إِلى الشيء فَعَشيَ بَصَرُهُ.

وتَحَيَّرَ واسْتَحَارَ وحارَ: لم يهتد لسبيله.

وحارَ يَحَارُ حَيْرَةً وحَيْرًا أَي تَحَيَّرَ في أَمره؛ وحَيَّرْتُه أَنا فَتَحَيَّرَ.”

ولم ترد في (لسان العرب) كلمة “احتار”.

وكذلك الأمر في المعاجم القديمة المختلفة*.

مع ذلك فليس هناك أي منطق لتخطئة الكلمة اليوم ما دامت قد شاعت وذاعت، وأصبحت مألوفة.

بعد مراجعتي الفاحصة تبين لي أن (احتار) كانت استخدمت في كتب اللغة في أواخر العصر العباسي، بل إن وزن (افتعل) ملائم جدًا لهذا الفعل، فهذا الوزن يُنقل للمبالغة، فـ "اكتسب" بالغ في الكسب، أو يكون بمعنى المجرد- فعَل، نحو "اجتذب" بمعنى "جذب"، أو لمطاوعة "فعل"= جمع فاجتمع، فما المانع أن تصح "احتار" بمعنى "حار"، سواء للمبالغة أو للمطاوعة أو بمعنى فعل؟

ثم إنه ورد في الشعر نماذج من الفعل:

يقول ابن الفارض:

وما احترتُ حتى اخترت حبّـيكِ مذهبًا
فوا حَيْرتي إن لم تكن فيك خيرتي

ابن دقيق العيد:

هداية من يحتار تأميل بابه
وتشريف من يختار قصد جنابه

الساعاتي:

وتوهموك فلم يرَوك فأصبحتْ
آراؤهم في أمرها تحتار

وفي كتاب المحبّي-" نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة:

جاء المليح بأسود في أبيض
من قهوة تروي عن المسك الذكي
فنظرتها ونظرت حسن عيونه
والفرق فيه احتار ذو عقل ذكي

وثمة نماذج أخرى.

وفي النثر نجد في الشبكة "احتار" في كتاب (رسالة الملائكة) للمعري، ولم أنجح –مع الأسف- في العودة إلى الصفحة التي وردت فيها.

كما أن الكلمة واردة في أسماء بعض الكتب، ومنها ما سمى به علي الشهاري الصنعاني كتابه الضخم في فضل الإمام علي وأهل بيته: (دليل المحتار على خلفاء المختار).

* لم يورد (المنجد) ولا (الوسيط) الكلمة، بينما أوردها (المعجم العربي الأساسي)- إعداد مجموعة من اللغويين العرب- 1989.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف