كيف نحمي أفكارَنا من السرقة؟

، بقلم جميلة شحادة

دأب الإنسانُ كلَ الوقت، على حماية نفسه وحماية ممتلكاته من السرقات. ولهذا، فقد ابتكر وطوّر طرقا عديدةً ومتنوعةً لذلك. فقد قام في الماضي، وما زال، ببناء الأسوار والجدران العالية، ونَصَبَ البواباتِ الفولاذية عند باحاتِ ومداخلَ المنازل، وطبق نظام الحراسة، بواسطة كلاب ورجال حراسة في حالِ كان من الأثرياءِ، أو من حكام البلادِ، واكتفى بالكلاب فقط في حال كان من عامةِ الشعبِ. أما في يومِنا هذا، فبالإضافةِ الى كل ما ذُكر، يقوم الإنسانُ باستعمالِ وسائلَ ومعداتٍ أخرى تكنولوجية، تتماهى والعصرِ الذي يعيشُ فيه لحفظِ ممتلكاته. كأن يودِعُها في مصرف مثلا، أو في خزْنة ذات أرقام سرية وغير ذلك؛ كما أنه أصبح يَنْصِبُ الكاميراتِ وأجهزةَ الإنذارِ في كل الأركان، سواءٌ أكان ذلك في منزله ومحيطه، أو في شوارع المدينة وأماكنَ عملِه. حتى أنه لجأ في بعضِ الأحيانِ الى تركيب أجهزةِ تنصُتٍ متطورة عند الضرورة؛ أما في حال تمّ التحايل على كل هذه الطرق والوسائل وحدثت سرقة لبعض ممتلكاته، فأمامه عندئذٍ الشرطة ومسار شاق، طويل، يمشيه بين أروقة المدافعين عن القانون ومطّبقيهِ، الى أن يُعاد اليه ما سُلبَ منه، إذا كان ممن اعتبروا بمحظوظين.

وهنا، يتبادر للذهن سؤال لا أعتبره ساذجا على الإطلاق: إذا استطعنا، نحن البشر، أن نوجِدَ مختلف الطرق والوسائل لحماية أملاكنا المادية من السرقة، فهل فكّرْنا في حماية أفكارِنا؟ أو كيف علينا أن نحميها من السرقة في ظل تطور وسائل الإتصال المختلفة، وسهولة الحصول على المعلومة؟

أفكارُنا هي نحن؛ فهي مخزون تجاربنا وحصيلة خبراتنا في الحياة، ومنها (من أفكارنا) تتشَكَلُ، برأيي، إنفعالاتنا، وبالتالي تأتي سلوكياتنا وِفقَ هذه الإنفعالات. إذن؛ هي نحن، ولا يهمني هنا أي نوع هذه الأفكار؟ سلبية كانت أم ايجابية، هدامة أم بناءة، ساذجة أم مؤثرة، منغلقة أم منفتحة، متطرفة أم مرنة وغيرها؛ وإنما ما يهمني أنها نحن؛ فكيف يُعطي الآخرون أنفسَهم الحق بأن يستبيحوا أفكارَنا؟ وكيف نسمح نحن لهم بذلك؟

أخجل في حالات كثيرة عندما أقرأ لأصدقاء صفحتي على الفيس بوك قد كتبوا في صفحاتهم قولا أو بيتا من الشعر أو فكرة دون أن يذيلوها بأسماء أصحابها؛ ولسوء حظهم، أنني في معظم الحالات أعرف أصحابَها الحقيقيين؛ فأضطر لأنْ أسألَ هؤلاء الأصدقاء عن مصدر ما نشروا في تعليق لي على منشوراتهم، وبطريقة تحفظ لهم ماء الوجه.

لا أحد منا ينكر أن النزاهة، تقتضي ممن يقتبس قولا أو نصا وغير ذلك، أن يذكر اسم المصدر، وإنْ لم يُعرَفْ؛ فليذيلوا ما نشروا بكلمة "منقول"، وهو أضعف الإيمان. أما الطامة الكبرى فهي عندما يقع الأكاديميون في الخطأ ذاته، الأمر الذي يثير حفيظتي؛ حيث يكون الذنب أكبر ولا يجب أن يُغتفر.

أن هذه الظاهرة لم تعدْ للأسف مُقتصرةً على منشورات الفيس بوك فحسب، بل تعَدتْها الى الإذاعاتِ أيضا؛ فهناك على سبيل المثالِ لا الحصْر، نجد مقدمَ برامجٍ يفتتحُ برنامجَه كلَ مرة بمقتطفاتٍ من افتتاحيةٍ لإحدى الصحف، دون الإشارةِ الى اسم الصحيفة أو اسم كاتب الافتتاحية. أنا واثقة كل الثقة، أن هذا المذيع أو مُعّد افتتاحية برنامجِهِ، ليس بساذجٍ حتى يقومَ بفعلتهِ هذه دون السماح له من كاتب/ة افتتاحية الصحيفة لأن يقوم بذلك، كما أنه لا مانعَ بأن يقتبس المذيع أو غيره مقتطفاتٍ من صحيفة ما أو كتاب ما وغير ذلك من المصادر؛ وإنما العيب بل والمانع، هو عدم الإشارة الى مصادر اقتباساته. لأنه مرةً أخرى أعود لأقول بأن النزاهة تقتضي ذكر المصدر، حتى لا يظن المستمع في هذه الحالة، أن ما سمعه هو نتاج ثقافة وفكر المذيع الذي يستمع اليه، لا سيما، أنه ليس جميع المستمعين بذات الثقافة والمعرفة ليتبينوا أن ما سمعوه هو قراءة لمادة منقولة عن صحيفة أو كتاب وغيره.

القراء الأعزاء! لقد جئتكم بمثالين فقط، على نسْب أفراد أو فئات معينة، أقوالا لأنفسهم وهي ليست لهم. هذه الأقوال، هي في الحقيقة أفكارا، لأنه كما ذكرت أنفا، أن افعالنا أو سلوكنا وكذلك إنفعالاتنا، هي بالأساس ناتجة عن أفكارنا. جئتكم بمثالين فقط، لكن الأمثلة في هذا الموضوع كثيرة، ومن مجالات متعددة مثل مجال الفن، الأدب، التربية والتعليم وغيرهما.
إذن كيف نحمي أفكارنا من النهب والسرقة، أو حتى التزوير؟ بالقانون! وهل يكفي أن نتبنى جملة: "حقوق الطبع محفوظة" وبالتالي هناك المساءلة القانونية؟ أم أن هناك أمر آخر متعلقُ بالتربية وحسن الأخلاق والتصرف؟


جميلة شحادة

كاتبة وشاعرة فلسطينية

من نفس المؤلف