الناقص مني... بين جمالية الرؤية وشفافية الومضة ايمان مصاروة

يقول أنسي الحاج عن قصيدة النثر”لتكون قصيدة النثر قصيدة حقا، لا قطعة نثر، لها شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية”.

نقرأ الديوان الجديد للشاعر العميق جاد عزت الذي اختار له عنوان”الناقصُ مني”لنجد فيها شروط قصيدة النثر التي حددها أنسي الحاج وغيره، ونستقي منها ماء الشعر الحق الذي يخاطب ذات الإنسان وينطق بأحلامه وهواجسه وآماله وأشواقه، في لغة بسيطة ومفردات مألوفة وومضات خاطفة كأنها صور فوتوغرافية مضيئة تخرج للقارئ حافلة بالألوان الخلابة القشيبة التي تمثل خلاصة ما وصل إليه الإبداع التعبيري الإنساني من تحليق في عالم المطلق. أجل! هذه الوردة الفواحة التي ازدان بها بستان الشعر الفلسطيني الحديث تدخل القلوب من أوسع الأبواب بشعريتها الفريدة وغنائيتها الفائقة العذوبة حيث تتعانق الحروف والكلمات داخل النصوص صانعة سيمفونيات طافحة بالجمال والجِدة والأناقة. هنا نطل على الشعر الحقيقي الذي يحرك المشاعر ويدفع المتلقي للتفاعل ويعطي شعورا دفاقا بأن الكلمة لها مفعول السحر في النهوض بالأحاسيس وفتح العيون لمعرفة الوجود وحقائقه، ولفهم الذات الإنسانية وألغازها، وسعيها الدائم لمعانقة المطلق. والشعر ليس نظما لكلام ونسجا لقوالب أو صناعة لألفاظ ولكنه بالأساس رؤية وعمق وتجربة وتجلّ. كل هذا نجده في ديوان”الناقصُ مني”للشاعر المتألق جاد عزت الذي يستحق أن يكون له مكان سامق بين شعراء العصر الحديث نظرا لجماليات شعره وما تحمل من سمات فنية ومعنوية يقل مثيلها في هذا الزمن الذي تراجع فيه الشعر الحقيقي، لتطفو نتاجات لا هي شعر ولا هي نثر. ولكن المستقبل للشعر والجمال والإبداع المحض. أما الزبد فيذهب جفاء.

عنوان هذه المجموعة الشعرية التي بين أيدينا لافت ومغر بالقراءة فهو يتكون من عبارتين:

الناقصُ مني. ابتكار غير مسبوق في الإصدارات الشعرية يعطي للديوان ميزة إضافية.فالعنوان هو العتبة الوردية التي نعبرها إلى عالم الشاعر لنعرف ما يحمل من أفكار ومشاعر. وغالبا تكون العتبة دالة على ما وراءها من جمال. لذلك يعتني الشعراء بعتباتهم أيما اعتناء ويحرصون على رسمها في أجمل وأبهى حلة لتشويق القراء للدخول إلى عوالمهم السحرية ومقاسمتهم متعة الكتابة وروعة الاكتشاف.

وبالعودة إلى هذا العنوان الشاعري للديوان الجديد سنرى أنه يحيل على العديد من الدلالات مختزلة في كلمتين اثنتين تحيلان على ذات الشاعر: الناقص مني، وتفتحان الباب لمجموعة كبيرة من التأويلات والاجتهادات. فما هو الشيء الناقص يا ترى من الشاعر ليحتفل به هذا الاحتفال الباذخ في عتبة عالمه، وإذا كان الشاعر، أي شاعروأي إنسان، يطمح دائما إلى الكمال بشتى الطرق، ويسعى له ما دام في روحه رمق، فماذا يكون عساه ذلك النقص الذي قصده شاعرنا، والذي سلط عليه الضوء وجل اهتمامه وجعله أيقونة لديوانه الجديد؟

فلنمض شيئا فشيئا في تصفح ديوان”الناقص مني”لنحاول التغلغل في عالم شاعرنا ومعرفة السر الذي لوَّن به عتبة منزله وجعل القارئ شريكا في العملية الإبداعية ومنتجا للمعنى.

يتألف ديوان”الناقصُ مني”من مائة وسبعين نصاً، كلها عبارة عن قصائد قصيرة في أسطر معدودة، مما يجعها تنضوي تحت جنس القصيدة الومضة، وهو جنس شعريّ فرض وجوده في المشهد الشعري العربي المعاصر، وصار من أهم المتحولات في عالم الأدب التي تروم مواكبة عصر السرعة والمعلومة، وتقديم شعر غير مصطنَع يعتمد على الإيجاز والتكثيف والاقتراب من كل الأذواق متوسلا جمالية فنية تقوم على اللمح دون الإغراق في التفصيل أو التزيين أو التنميق لأن تلك الشكليات تصرف النظر والفكر عن جوهر الشعر ورسالته الإنسانية.
للشاعر فلسفته العميقة التي يخلعها على الموجودات، وينظر من خلالها إلى الأشياء، وهي ذات الشاعر نفسه التي تشعر بطغيان التناقضات على كل الزوايا وتحس بقلق وحيرة في مسيرة لا تمل ولا تكل نحو البحث عن الحقائق. إن الأضداد تتعانق في الخطاب لتنتج المعنى وتمهد الطريق إلى اليقين. يقول شاعرنا في الومضة التي استقى منها عنوان ديوانه:

النّاقصُ منّي،
هو الزّائدُ في الأشياء،
يا لعمري المُبعْثَر في الحياة!

إنها عبارة الشاعر التي تجعل الفكرة معادلا موضوعيا للرؤية، حين تأتي الكلمة كتتويج لنظرة متفحصة وتأمل مُضنٍ في رحلة الشعور نحو الأفق المنشود، ويتبدى الناقص في زيادة الأشياء الغائبة، فما كان فيما مضى يتجسد في الحاضر المنعدم، وهذه هي الغربة الوجودية و الضياع اللذان يقضان مضاجع الشعراء ويجللان غيومهم بالضباب.

للشاعر في هذا المتحف الباذخ ومضات متعددة الأبعاد. تُسقط أضواءها على كل ما يحيط به من كائنات وأشياء، ولا خلاف على الطابع الذاتي لصرخاته الوجودية، لكنها تتعانق مع هموم وأحزان الآخر لتقترب من الناس وتؤدي رسالتها. إذ لا رسالة للشعر حين يكون متربعا في برج عاجيّ، بعيدا عن البسطاء والمظلومين واللاجئين والمضحين بحياتهم كي تنبت ورود الحرية، فنراه يتحدث في هذه اللقطة المعبرة عن نضال شعبه ومآل التضحيات التي تذروها الرياح أحيانا ويستفيد منها الفاسدون والانتهازيون:

الثّورةُ مجازٌ للنّياشين،
وتكديسٌ للفضّةِ..
والشّهيدُ وحيدٌ في النّسيان.

إن هموم الوطن حاضرة في إبداع شاعرنا جاد بالرغم من تركيزه على أوجاع الذات، ولكن الوطن قطعة منه كما هو شأن الشعراء الفلسطينيين أينما وجدوا، فالحزن الفلسطيني ذو ملامح خاصة، لأنه مرتبط بالفقدان والضياع والتشتت والبحث عن الانعتاق، ومرتبط بالانقسام الداخلي والتصارع والتفرق مما يكاد يُبعد القضية عن الواجهة ويُشغِل الشعب بأمور هامشية.
ويحتل الوطن مساحة كبيرة في وجدان الشاعر، إنه الفردوس الضائع الذي يتغنى بجروحه ومآسيه ويستحضر فيه مرابع الطفولة المفقودة وأراضي الأجداد المسلوبة التي تُعتبر نقوشا في ذاكرته لا تمّحي، ووميضا لا يأفل. وهاهو يرسل ومضة أو آهة حارة عن قرية قاقون المحتلة أرض أجداده التي انطلق منها إلى عالم البوح:

"قاقون”ليسَتْ صورةً علَّقَها جَدّي
لقريةٍ على حائطِ المُخيَّم..
إنَّها سُلَّمي إلى الأغنية.

ولشاعرنا في هذا الديوان ومضات كثيرة وجهها لوالده أو تحدث فيها عنه بكل حرارة التعلق بالأصل والجذور والاستمرارية، بل يمكن اعتبار الديوان كله موجها لوالده، وأن العنوان يحيل عليه، فوالده ليس الأب فقط بل هو وطنه كذلك بكل إيحاءاته الرمزية بل يمثل الأرض المقدسة التي لا يمكن الاستغناء عنها. لنقرأ مثلا هذه الومضة:

قلبي مُعلَّق مثلَ سلّةِ الفلّاح
على غُصنِ يدِهِ،
والرُّمانةُ قد شهقَتْ مِنَ النّضوج،
فسالَ ريقُها الأحمر،
وبَلَّ الطّريق..

فمعجم الشاعر غني بمفردات الأرض وثمارها لأنها كلها دلالات تشي بارتباطه الشديد بالأرض ولأن أباه جزء من هذه الأرض فقد كان ارتباطه بها مضاعفا. فتيمة الأب تحضر غالبا كمدلول واسع وفكرة رحبة وإيمان عميق بالوطن والهوية:

أبي!
حتّى لا أخطِئُ مثلَ أمِّي،
فأناديكَ وأنادي رامي..
أطلقْتُ على أولادي أسماءَ الخلود.

ويستطيع شاعرنا بيُسرٍ أن يوظف في ومضاته تقنيات القصة الصغيرة جدا من سرد وشعرية، مما ينم عن روافده المعرفية الغزيرة التي تجعله يستقي من عدة فنون ويصبها في إبداعه المتفرد ليعبر بواسطته عن همومه الذاتية في لحظات توقه إلى المطْلَقِ في الأشياء. فمن ومضاته السردية اللافتة نقرأ:

أنتَ مثلُ أبيك، تقولُ أمِّي:
تحبُّ الشّايَ حلوًا، والقهوةَ مُرَّةً،
وتُحبُّني..

إنها مقدرة واضحة من الشاعر جاد لإيجاد صلة وصل بين عدة فنون تعبيرية وبلورتها في جنس الومضة الشعرية التي صار بهذا الانفتاح قريبا أكثر من رغبات المتلقين وميولاتهم، حريصا على ترجمة الهموم الإنسانية بأنقى العبارات وأنصع المداليل.

ومثلما وجدنا الكثير من الدراية بتقنيات السرد في الديوان الجديد الذي أمامنا، فقد وجدنا أيضا إلماما جليا للشاعر بعدة جوانب معرفية يتسم بها الشعراء المعاصرون مما يشي بغنى رصيده المعرفي وسعة تجربته الشعرية. ومن أمثلة ذلك إشارات صوفية متعددة في ومضاته يستخدم فيها فضاءات المتصوفة وعباراتهم الروحية التي تمثل لحظات وجدانية تتجاوز المحسوسات إلى البحث في جوهر الأشياء كما نقرأ في هذه الومضة:

جسدي بابُ العابرين إلى النّهار،
روحي مَقامُ الخارجين مِنَ اللّيل،
وأنا العابرُ
الخارجُ
الى فضاءِ الأغاني.

كما يبدو مطلعا وقارئا جيدا للكثير من قصص الفلاسفة وأساطير الأمم القديمة مما يجعله يوظفها في التعبير عن رؤيته للموجودات وعن فكرته نحو الأشياء، كما يتجلى في توظيفه مصباح الفليلسوف ديوجين الذي كان يمشي في دروب أثينا حاملا مصباحه في النهار والشمس ساطعة وسط دهشة الناس واستغرابهم، فصار مصباح ديوجين رمزا للبحث عن الحكمة و الحقيقة التائهة. إلا أن شاعرنا استعمل هذه القصة في إطار خطاب نقدي لآخر،يمكن لنا أن نؤوله بمن يدعي حكمة وحقيقة لا يملك منهما شيئا. يقول شاعرنا في إحدى ومضات الديوان:

لا أحملُ مِصْباحًا..
فلماذا يكرهُني”ديوجين"؟
ولماذا يخافُني اللّيل؟

خلاصة القول: ديوان شاعرنا جاد عزت يمثل مرحلة متقدمة من الشعر الفلسطيني المعاصر الذي يحمل لواء التحديث في قالب الشعر وينزله إلى الناس جميعا بمختلف هواجسهم ومرجعياتهم الفكرية والمعرفية، ليكون أداة بناء للأرواح والأذواق ويوطد التشبث بالأرض والهوية، في مسحة جمالية تعطيه سمة الشعر الحق، في زمن كثرت فيه البهارج والأشكال الخادعة. وشاعرنا يمثل جيلا جديدا من الشباب المتألقين الذين يستحقون التنويه والإعجاب غير المتناهيين لما وصلوا إليه في مدارك القول من رقيّ ملموس ومحسوس. وهذا الديوان (الناقص مني) بما فيه من خواص فنية ثرية وجوانب إبداعية متدفقة يستحق دراسات خاصة وتحاليل معمقة لتقربه للقارئ أكثر وتبرز ما فيه من نقاط ضوء تجعله منجزا شعريا فلسطينيا معاصرا جديرا بالثناء.