عالق

، بقلم محمد متبولي

ثبتها جيدا فى سقف الغرفة، وضع تحتها الكرسى، ثم جلس على مقربة متخيلا رأسه وقد ألتفت حولها المشنقة، وجسده وهو يتأرجح فى الهواء، ثم ظهرت على وجهه إبتسامة عريضة، وتحدث بصوت عال، وكأنه يحدث المشنقة:

بضعة دقائق وأتحرر، بضعة دقائق وأرحل تاركا خلفى كل تلك الأكوام من الهراءات والعبث، مساكين هم من يتشبثون بذلك العالم، فقط المغامرون هم من عرفوا وفهموا قيمة المشنقة، فهى ليست وسيلة قتل كما يظن السذج، ولكنها وسيلة إنتقال مثلها مثل السيارة أو الحافلة أو الطائرة أو حتى مكوك الفضاء، مع فارقين جوهريين، فإنها لا تنقل من مكان لمكان، ولكنها تنقل من عالم لعالم، وكذلك فركوبها يحتاج جرأة غير معتادة، جرأة أن يغادر الإنسان عالمه المعروف ويذهب لعالم آخر لا يعرفه.

يوقن الكثيرون بأن من ينهى حياته بنفسه يذهب للجحيم، إذن فلتكن تلك المشنقة وسيلة إنتقالى لعالم الجحيم، فمن المؤكد أن الجحيم ستكون به أشياء جديدة لم أرها من قبل، وذلك فى حد ذاته كفيل بأن يمنحنى مغامرة مختلفة، لكن لابد أن هؤلاء قد فهموا تلك المسألة بطريقة خاطئة، فماذا يمكن أن يكون فى الجحيم أكثر مما يوجد فى عالمنا، وهل يعقل أن تكون حيوات الإنسان إنتقال من جحيم لجحيم، فليكن على الأقل مرة فى الجحيم ومرة فى النعيم، لكنه الخوف من المجهول هو الذى جعل هؤلاء يتشبثون بحياة الجحيم تلك ويوجدون ما يفسر بقاءهم فيها فقط لأنهم يعرفونها، أما أنا فقد فهمت الأمور على حقيقتها وسأذهب للنعيم كمكافاءة على خوضى تلك التجربة المثيرة وفهمى للحقيقة.

هنا نزلت المشنقة من سقف الحائط حتى أصبحت فى مستوى بصره، ثم نظرت إليه وأطلقت ضحكة عالية هزت جدران الغرفة وأرعبته، ودار بينهما حديث بدأته المشنقة

- (ضاحكة) أنت جبان

أصابته الكلمة بحالة ذهول، تمالك أعصابه ثم وجه حديثه إليها

- (بعصبية) كيف تنعتيننى بالجبن وأنا من أشجع بنى الإنسان

- (ضاحكة) أنت تتوهم ذلك، لكن الحقيقة هى أنك تريد أن تهرب من عالم لا تستطيع مواجهته، لعالم لا تعرفه، ثم هل تعتقد حقا أنك تريدنى أن أقلك للجحيم

- (بثقة) نعم، طبعا

- (مستهزئة) أنت كاذب، لو كنت حقا تعتقد بوجود الجحيم لما طلبت منى أن أقلك إليه

- (بعصبية أكثر) قلت لك أننى لست مقتنعا بذلك، ومع هذا فإن ذهبت للجحيم فتلك مغامرة وإن ذهبت للنعيم فقد فزت

- (بضحكة صاخبة) يا عزيزى أنت لا تؤمن بوجود جحيم أو نعيم من الأصل، وأنت تعتقد أننى سأقلك للاشئ، مثلك مثل كل من سبقك وحدثونى ذاك الحديث

- (بغضب شديد) أتشككين فى معتقدى، تبا لك---

ثم هرول فى إتجاه المشنقة وأمسك بها محاولا نزعها من سقف الحائط، لكن المشنقة قاومته بشدة، وأمسكت به، ثم ألتفت حول رقبته، ورفعته لأعلى بعد أن أزاحت الكرسى جانبا، فأخذ يقاومها دون جدوى حتى هزمته، وتدلت رأسه منها، بينما جسده يتأرجح فى الهواء، لتلتقط المشنقة أنفاسها بعد تلك المواجهة الشرسة، وقد أنفرجت أساريرها ثم قالت

- لا أحد يمكنه هزيمة المشنقة، أو مقاومة إغراءها

أصبحت الغرفة الصغيرة كل عالمه، فتمر الأيام والشهور والسنوات، وحال الغرفة يتبدل بين حين وآخر، فتتغير ألوان طلاءها، ومساحتها، وربما وظيفتها، ويتبدل مع حالها سكانها، بينما هو يرقب ما يحدث من خلال عينيه الجاحظتين من رأسه المتدلية على حبل المشنقة وجسده المتأرجح فى الهواء، بعد هزيمته أمامها، دون أن يلحظه أحد أو يكترث له، ودون أن يستطيع العودة لعالمه أو العبور للعالم الآخر الذى أراده، بعد أن صار عالق فوق المشنقة، حيث فقد إدراكه للزمان والمكان، وتحول كل شئ إلى أحداث متلاحقة لا يعرف متى تنتهى، أو هل لها نهاية من الأصل.

تمت


محمد متبولي

مهندس ميكانيكا وكاتب مصري مقيم بالقاهرة.

من نفس المؤلف