تأمُّلاتٌ في روايةِ «ثورة في جهنَّم»

، بقلم رامز محيي الدين علي

الجزءُ الرَّابعُ من المقالةِ:

سابعاً- بطولةُ فينوموس في إثارةِ الحربِ:

وفي الفصلِ الرابع من الرِّوايةِ يشيرُ أرجنتوس إلى فينوموس زوجةِ بعلزبول الَّتي تتلوَّى وتتغنَّجُ بأنَّها الملكةُ العظيمةُ صاحبةُ القسطِ الأعظمِ من السَّعيِ الحميدِ لحدوثِ الحربِ!

ويُعبِّرُ بعلزبول عن سرورِه بصنيعِ زوجتِه، ويطلبُ إليها توضيحَ دورِها في إثارةِ الحربِ، وتقفُ فينوموس بغُنجٍ ودلالٍ، فتمثِّلُ فتنةَ النِّساءِ للرِّجالِ، وتوضِّحُ قدرتَها في ذلك من خلالِ القبضِ على الشَّهواتِ، فالرِّجالُ يقتتلونَ لأجلِ الثَّراءِ آسرِ النِّساءِ، والنِّساءُ يتنافسْنَ في فنونِ الجمالِ فاتنِ الرِّجالِ. هكذا نشأتِ الحروبُ بفعلِ فاعلينِ: المالِ والجمالِ، ومصدرُ الفاعلينِ واحدٌ، وهو الشَّهوةُ التي غدَا عنانُها في يدِها.

ولنتأمَّلْ ما جاءَ في هذا الفصلِ من أفكارٍ ليستْ من وحيِ الخيالِ، وإنَّما من صميمِ الواقعِ في مختلفِ مراحلِ التَّاريخِ؛ لنُدركَ العلاقةَ الحميمةَ بينَ المالِ والجمالِ، وتنافسَ كلٍّ منهما منافسةً كان لها أبلغُ الأثرِ في حروبِ البشريَّةِ، على نحوِ ما جاءَ على لسانِ فينوموس بصيغةِ تساؤلاتٍ:
- كيفَ يغزُو البحرُ اليابسةَ فيفتِّتُ الصُّخورَ بتلاطمِ الأمواجِ؟

وكيف تتلاطمُ الأمواجُ بهياجِ البحرِ؟

وكيف يهيجُ البحارَ عصفُ الرِّياحِ؟

وكيف تعصفُ الرِّياحُ بتغلغُلِ الحرارةِ فيها؟

فالحرارةُ شهوةٌ في الهواءِ، والشَّهوةُ علَّةُ العواصفِ التي تُثيرُ الأمواجَ!!

وبسببِ أهميَّة الشَّهوةِ في إثارةِ الفتنِ والحروبِ، فقدْ قبضْتُ على عنانِ الشَّهواتِ، وجعلْتُ أَبذِرُها في القلوبِ، فإذا بأقوى القلوبِ أكثرُ نموَّاً وخصْباً، وإذا بالذُّكورِ أحرُّ شهوةً وأشواقاً للإناثِ، وإذا بالإناثِ أوفرُ جمالاً وأعطفُ على الرِّجالِ، وإذا بالجمالِ فتنةٌ للرِّجالِ وبالبطولةِ فتنةٌ للنِّساءِ.
الشَّهواتُ هاجتِ الرِّجالَ لاقتناءِ الجمالِ، والشَّهواتُ حمَّستِ النِّساءَ لابتداعِ الجمالِ، فالمرأةُ مصنعُ الجمالِ، والرَّجلُ مصنعُ المالِ، تلكَ تبيعُ وهذا يشترِي، والشَّهواتُ تبتلعُ ولا تشبعُ، وعواصفُ الجمالِ تُثيرُ لُججَ المالِ، والفريقانِ يتصادمانِ بلا ملالٍ.

ويقفُ زوجُها بعلزبول كبيرُ الشَّياطينِ معبِّراً عن إعجابِه بصنيعِ زوجتِه: مَرحَى مرحَى يا ذاتَ الدَّهاءِ مُلهِمةَ النِّساءِ.

ففي هذهِ المقُولةِ التي جاءَت على لسانِ فينوموس زوجةِ بعلزبول، استطاعَ المؤلِّفُ نقولا حدَّاد أن يقدِّمَ أمثلةً للأسبابِ التي تتمخَّضُ عنها الحروبُ، وفي مقدِّمتِها الشَّهوةُ التي تدفعُ الرِّجالَ للتَّنافسِ في امتلاكِ الثَّروةِ بغيةَ امتلاكِ الجمالِ الأنثويِّ، وتنافسِ النِّساءِ لامتلاكِ الجمالِ، بهدفِ إثارةِ الرِّجالِ وقنصِ أموالِهم وثرواتِهم.

ومن أجلِ تعزيزِ فكرتِه وإكسابِها قوَّةَ الإثارةِ والإقناعِ، فقد شبَّهَ الشَّهوةَ الآدميَّةَ بالحرارةِ التي تتغلغلُ في الهواءِ مسبِّبةً هياجَ العواصفِ التي تهيجُ بدورِها أمواجَ البحرِ، فتدفعُها لتتلاطمَ مع صخورِ اليابسةِ فتُفتِّتُها، فإذا كانت شهوةُ الحرارةِ تفعلُ فعلَها في عواصفِ الرِّياحِ، وتفتِّتُ الصُّخورَ بتلاطمِ الأمواجِ... فما بالُكَ في شهوةِ المالِ والجمالِ التي إنِ استعرَت أُوارُها، فإنَّها تُحرقُ الأخضرَ واليابسَ، ولا تعرفُ حدوداً لعواصفِها لا في الزَّمانِ ولا في المكانِ!

وهذهِ المقولةُ تذكِّرُنا بقولِ الأديبِ الكبيرِ جبرانَ خليل جبران في القمرِ الجميلِ الذي يَهيجُ مشاعرَ المحبِّينَ، ويستثيرُ خيالَ الأدباءِ والشُّعراءِ بأنَّه القمرُ ذاتُه الذي يهيجُ أعماقَ البحارِ والمحيطاتِ مدَّاً وجزْراً.

وهذه المقولةُ تُعيدُنا إلى بدايةِ الرِّوايةِ مع الرَّاهبةِ جوكندا التي سعَتْ لامتلاكِ الجمالِ، فاختيرَت ملكةَ جمالٍ للعالمِ، فأنساهَا جمالُها وغرورُها فيهِ حبَّها النقيَّ لسلفاستروس، فألقتْ بفؤادِها في مهاوِي المادةِ وبريقِ الذَّهبِ؛ لتتزوَّجَ من رجلِ ثريٍّ اشترى جمالَها بثروتِه، لكنَّه لم يتمكَّنْ من دخولِ مملكةِ حبِّها أبداً، فعاشتْ شقيَّةً، حتَّى ماتَ بعلُها، فترهَّبتْ عساها تلتقِي بحبيبِها الأوَّلِ سلفاستروس، فالتقتْهُ، لكنَّهُ آثرَ الانتحارَ على البقاءِ، فلحقَتْ بهِ إلى العالمِ الآخرِ!!

وتتابعُ فينوموس القولَ: في إبَّانِ ذلك الصِّدامِ العنيفِ وقعتِ القلوبُ الشَّديدةُ تحتَ سنابِكِ خيلِ الفُلوسِ، والقلوبُ الضَّعيفةُ تحتَ أقدامِ فنونِ الحُسنِ، وأصبحَ الرِّجالُ عبيدَ الحسنِ، والنِّساءُ أسيراتِ الذَّهبِ.

الرِّجالُ يقتتِلُونَ لأجلِ الثَّراءِ آسرِ النِّساءِ، والنِّساءُ يتنافسْنَ في فنونِ الجمالِ فاتنِ الرِّجالِ.

أليستْ هذهِ المقولةُ فلسفةً حكيمةً لواقعٍ يعيشُه البشرُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ!! فكمْ من الرِّجالِ وقعُوا صرعَى تحتَ سنابكِ خيلِ الثَّروةِ، فتَخلَّوا عن مبادئِهم، وباعُوا كرامَتَهم، وتاجرُوا بإنسانيَّتِهم وأوطانِهم وأديانِهم!! وكم من النِّسوةِ رَقيقاتِ الأحاسيسِ ونبيلاتِ المشاعرِ والعاشقاتِ بقلوبِهنَّ عشْقَ الثَّرى لحبَّاتِ المطرِ، قدْ رميْنَ بجمالِهنَّ وعشقِهنَّ في أوحالِ الثَّروةِ وبريقِ الذَّهبِ الماكرِ، فعشْنَ أسيراتِ السُّلطةِ والمالِ، خادماتٍ لذلكَ الإلهِ الغبيِّ الذي يعبدُه سائرُ البشرِ دونَ الإلهِ الجميلِ الذي صوَّرتهُ المثاليَّاتُ الدِّينيَّةُ، وسعَتْ إليهِ كلُّ الفلسفاتِ الَّلاهوتيَّةِ، وعجزَتْ عن تصويرِ شيءٍ من جمالِه كلُّ فلسفاتِ التَّاريخِ والفكرِ والعلومِ!!
ولكنَّ جمعَ الحضورِ لم يقتنعْ بكلامِ فينوموس، فيرتفعُ صوتٌ من الجمعِ قائلاً: الشَّهوةُ عاصفةُ ريحٍ، فكيفَ لربَّةِ الدَّهاءِ أن تقبضَ على الرِّيحِ؟

فتبتسمُ فينوموس بسمةَ مكرٍ ودهاءٍ قائلةً: منْ أَغْوى أمَّ البشرِ أن تقطفَ ثمرةً من شجرةِ الخيرِ والشرِّ؟ ومَن زيَّنَ لها الَّلذَّةَ المودعةَ في تلكَ الثمرةِ؟ ومَن أغْوى أبَا البشرِ أنْ يحملَ رفيقتَه على عاتقِه لكي تصلَ إلى الثَّمرةِ وتقتطفَها؟ ومن زيَّنَ له الفتنةَ المودعةَ في تلك الرَّفيقةِ؟ إنَّ القوَّةَ والفتنةَ قد تعاونَتا على اقتطافِ الَّلذَّةِ، ذاقتْها حوَّاءُ ثمَّ أذاقَتْ آدمَ، فاستطابَاهَا ثمَّ تناهَباهَا. من ذلكَ الحينِ أصبحَت تلك الثَّمرةُ المشتهاةُ التي لا تُجنى إلا بالقَّوةِ والفتنةِ معاً، مُتنازَعَ البشرِ، تلك الشَّهوةُ المزدوجَةُ الفعلِ مالاً وجمالاً، أثارَت سلسلةً من الحروبِ التي لا تَنتهي.

فنلاحظُ أنَّ الرَّدَّ وقوَّةَ الإقناعِ تستندُ إلى روايةِ الأديانِ التي تنسبُ أصولَ البشريَّةِ إلى آدمَ أبي البشرِ وحوَّاءَ أمِّ البشريَّةِ، إذ استطاعَت ثمرةُ الشَّجرةِ أن تُثيرَ شهوةَ حوَّاءَ لاقتطافِها، لكنَّ ذلكَ كانَ يستلزمُ قوَّةً لرفعِها بغيةَ قطفِ الثَّمرةِ فأغوتْ آدمَ، وأوقعَتْه في شهوةِ الجنسِ، وهذا ما أغضبَ الرَّبَّ، فألقاهُما خارجَ الجنَّةِ!!

فكانتْ فينوموس وراءَ إثارةِ الشَّهوةِ لتناولِ ثمرةِ التفَّاحِ، بعدَ أن أغوتْ حوَّاءَ بجمالِ منظرِها، ودفعَتْ بآدمَ لمشاركتِها لذَّةَ الشَّهوةِ، وبذلكَ خرجَا عن طاعةِ اللهِ، فأمرَهُما بمغادرةِ الجنَّةِ!!
نلاحظُ أنَّ الكاتبَ استندَ في روايتِه إلى الموروثِ الدِّينيِّ عامّةً حولَ قصَّةِ أبينَا آدمَ وأمِّنا حوَّاءَ، قالَ تعالَى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)" من سورةِ البقرةِ.

وقد اختلفَ المفسِّرونَ في نوعِ الشَّجرةِ التي ذُكرَتْ في الآيةِ، وقد قيلَ: كانتْ شجرةَ البُرِّ، وقيلَ: كانتْ شجرةَ العنبِ، وقيلَ: كانتْ شجرةَ التِّينِ، وقيلَ: كانتْ السُّنبلةَ، وقيلَ: كانتْ الحِنطةَ.

وربَّما كانتْ شجرةَ التفَّاحِ التي أكلَ منها آدمُ وحوَّاءُ في الجنَّةِ هي شجرةُ المعرفةِ ـ معرفةِ الخيرِ والشَّرِّ. ولكن هل يعنِي هذا أنَّ المعرفةَ خطيئةٌ؟

هذهِ الشَّجرةُ يمكنُ أن تكونَ أيَّةَ شجرةٍ. المهمُّ أنَّهُ قد وقعَ عليها التَّحريمُ، والتَّحريمُ حكمٌ شرعيٌّ، فليس هناكَ شيءٌ هو في عينِه حرامٌ، وعندما خالفَ آدمُ الأمرَ بالتَّحريمِ إنَّما أخطأَ؛ لأنَّه اختارَ إرادتَه هو عن أمرِ ربِّه، ولذلك فقدْ غوَى، فعندَما كانَ آدمُ طائعاً للهِ لم يكنْ يعرفُ الشرَّ، فهو في الخيرِ المُطلقِ، وعندما اختارَ نفسَه عن ربِّه تورَّطَ في الشرِّ، وسُمِّيَت الشَّجرةُ التي أكلَ منها شجرةَ معرفةِ الخيرِ والشَّرِّ ــ وعندنا أنَّ الشَّجرةَ الّتي أكلَ منها آدمُ هي شجرةُ التِّينِ، فإنَّ شجرةَ التِّينِ، حسِّياً، ترمزُ إلى النَّفسِ الأمَّارةِ، وترمزُ إلى الزَّوجةِ ــ حوَّاءَ ــ ولذلكَ فإنَّ المعصيةَ، بالأكلِ منها، تداعَت إلى اتِّصالِ آدمَ بحوَّاءَ جنسيَّاً، قبلَ أن يُؤذَنَ له، فتكونَ له، بذلكَ الإذنِ، زوجاً شرعيَّةً، حلالاً طيِّبة. وإذنْ فالمعرفةُ ليستْ خطيئةً، وإنَّما الخطيئةُ، الجهلُ، وهو هُنا يتمثَّلُ في مخالفةِ أمرِ اللهِ ــ "وعصَى آدمُ ربَّه، فغوَى".

وبعدَ هذا التَّوضيحِ والتَّفسيرِ للشَّجرةِ التي نهَى اللهُ آدمَ وحوَّاءَ من الاقترابِ منها، فخرجَا من الجنَّةِ بسببِ معصيةِ أمرِ ربِّهما، نعودُ للحوارِ بينَ فينوموس وجستوس وزيرِ القضاءِ حولَ ثمرةِ الشَّجرةِ التي كانتْ إثارةُ الشَّهوةِ إليها سبباً في المعصيةِ وامتزاجِ الشَّرِّ بالخيرِ:

- جستوس وزيرُ القضاءِ: عفْواً يا ذاتَ السَّناءِ والذَّكاءِ، أمَا كانَ في طوقِكِ أنْ تُغرِي زميلَتَكِ أمَّ البشرِ بثمرةٍ غيرِ التُّفَّاحةِ؟

- فينوموس: وما عيبُ التفَّاحةِ؟

- جستوس: بالتفَّاحةِ دخلَ الخيرُ معَ الشَّرِّ إلى الإنسانيَّةِ، أفمَا وجدْتِ ثمرةً ذاتَ شرٍّ بِلا خيرٍ، كالجوزِ المقيِّئِ ذي السُّمِّ الزُّعافِ، أو كثمرةِ الأفيونِ مثلاً؟

- فينوموس في ابتسامةِ استهزاءٍ: لقد غابَ عن ذهنِك ما غابَ عن ذهنِ الفيلسوفِ أرْخَميدس حينَما بنَى العمّارُ كُنّاً لكلبِه وهرَّتِه ببابٍ واحدٍ، فاندهشَ أرخميدس، وأجابَهُ العمَّارُ بأنَّ الكلبَ والهرَّةَ يدخلانِ من البابِ نفسِه.. فكيفَ تفوتُكَ هذهِ الفكرةُ يا جستوس؟ كيفَ لي أن أَغوِيَ حوَّاءَ بثمرةٍ مرَّةِ المذاقِ دميمةِ النَّظرِ؟ إضافةً إلى أنَّ الثَّمرتينِ تحتَويانِ على الخيرِ كما تحتويانِ على الشَّرِّ. فالأُولى تُقوِّي الفؤادَ، والثَّانيةُ تسكِّنُ ثورةَ الأعصابِ الأليمةِ، فلا أفضلُ من التفَّاحةِ للإغراءِ؛ لأنَّها جميلةٌ للنَّظرِ شهيَّةٌ للنَّفسِ.

- جستوس مُداعِباً: ولكنَّ للتفَّاحةِ تاريخاً غلبَ فيه الخيرُ على الشَّرِّ؛ فالتفَّاحةُ فتَّقتْ ذهنَ نيُوتن لاكتشافِ الجاذبيَّةِ، ذلك النَّاموسِ الذي وسَّع دائرةَ المعرفةِ، فانبثقَ منها صُنوفُ المعارفِ والاختراعاتِ التي أغدقَتِ الخيرَ على الجنسِ البشريِّ، فكأنَّكِ بإغرائِكِ أمَّ البشرِ بالتفَّاحةِ قد أتيتِ لنا بالخيرِ خصْماً عنيداً وعدوَّاً لدوداً للشرِّ.

- فينوموس مقهقِهةً: أُحيلُ نظريَّتَكِ هذهِ إلى الوزيرينِ: فيرومارس وزيرِ الحربِ، وأرجنتوس وزيرِ المالِ؛ فهُما يفنِّدانِها لكَ، ويُريانِكَ كيفَ أنَّ المعرفةَ التي يتبجَّحُ بها خلفاءُ نيُوتن كانتْ خادمةً الشرِّ، وكيفَ أنَّ مُستحْدثاتِ العلمِ والاختراعاتِ الّتي يفخرُ بها بنُو الإنسانِ تحوَّلتْ إلى أدواتِ قتالٍ ودمارٍ.

- جستوس: ولكنَّ إلهَ الخيرِ شرَعَ يُطارِدُ إلهَ الشرِّ منذُ أنْ أكلَ أبو البشرِ التفَّاحةَ الأُوْلى؛ لأنَّهما حالمَا تفتَّحَت عيناهُما وعرفَا الخيرَ والشرَّ، جعَلا يَخِيطانِ من ورقِ التِّينِ مِئزراً لهُما؛ لكيْ يستُرا عورتَيْهما احتشاماً. فليتَهما لم يأكُلا التفَّاحةَ ولا احتشمَا؛ لأنَّ احتشامَهما كانَ أوَّلَ طلائعِ الخيرِ، ومنذُ ذلكَ الحينِ أصبحْنا منهمكِينَ بمقاتلةِ الخيرِ.

- فينوموس: ما هذا المنطقُ المُحذلقُ يا معلِّمُ جستوس؟ أتريدُ أن يبقَى آدمُ وحوَّاءُ ساذجينِ يسْرحانِ ويمْرحانِ في الفردوسِ إلى الأبدِ؟! كيف تستطيعُ إذنْ أن تُحاربَ ملكوتَ الإنسانِ وهو في الفردوسِ، وبابُ الفردوسِ يحرسُه ملاكانِ مسلَّحانِ بسلاحٍ لا يُتَّقى، فإذا لم يَخرجَا من الفردوسِ فكيف نُحاربُهما، أليسَ من خداعِ الحربِ أن تسْتدرجَ الخَصمَ ليخرجَ من حصَّتِه، ثمَّ تُحاربُه في ساحةِ الوغَى! مَن طردَ آدمَ وحوَّاءَ من الفردوسِ؟

- جستوس: خالقُهُما لأنَّهما عصيَا وصيَّتَهُ.

- فينوموس: لا، بلْ أنا طردْتُهُما منهُ حيثُ سوَّلْتُ لهُما هذهِ المعصيةَ.

- جستوس: وما فائدةُ طردِهما وقد خرجَا مؤتزِرَينِ مستتِريِّ العَورةِ، وهل ستْرُ العورةِ إلَّا

حِشمةٌ، وهل الحشمةُ إلا فضيلةٌ؟ وهل الفضيلةُ إلا ضربٌ من الخيرِ؟

- فينوموس: بخٍ بخٍ. كيف تفسِّرُ سترَ عورتَيهِما بالحشمةِ يا معلِّمُ؟

- جستوس: إذا لم تكنْ هي الحشمةَ فماذا تكونُ؟

- فينوموس: لم يكنْ مئزرُهما إلَّا مولِداً للفِّن، فمنذُ طفِقَ الإنسانُ يكتسِي وُلِد الفنُّ وجعلَ يترعرعُ، وهل أناقةُ الأزياءِ والحِليِّ والحللِ والرِّياشِ إلَّا شِعابٌ من الفنِّ؟ وهل الغزلُ الشِّعريُّ والغناءُ والرَّقصُ إلَّا فروعٌ من الفنِّ؟ وهلِ التَّمثيلُ والتَّصويرُ والنَّقشُ والنَّحتُ إلا غصونٌ من دوحةِ الفنِّ؟

- جستوس: وهلِ الفنُّ إلا ثمرةُ الحكمةِ، وهلِ الحكمةُ إلا فضيلةٌ؟ وهل خيرٌ أعظمُ من خيرِ الفضيلةِ؟؟

- فينوموس مقهقهةً: وهل عُريُ التَّرائبِ في الرَّقصِ ولفُّ السَّواعدِ على الخُصورِ، وإطباقُ النُّهودِ على الصُّدورِ حِشمةٌ ففضيلةٌ فخيرٌ؟ وهل نحتُ تمثالِ فِينوس عارياً حِشمةٌ؟ وهلِ التَّغزُّلُ بأعضاءِ البدنِ حشمةٌ؟.. إلى آخرِ مَا تعلمُ من بدائعِ الفنونِ؛ هل في كلِّ ذلكَ قصدُ الحشمةِ أم قصدُ إثارةِ الشَّهوةِ؟! فمَا في ضُروبِ الفنِّ إلا التَّفنُّنُ في إثارةِ الشَّهواتِ.. فالحشمةُ التي حسِبتَها خيراً يا معلِّمُ ليستْ إلَّا ذئبَ الشرِّ في جلدِ خَروفِ الخيرِ، كذلكَ كلَّما تقدَّمَ الفنُّ خطوةً نشطَتِ الشَّهواتُ خُطواتٍ في ميدانِ الخلاعةِ والتَّهتُّكِ، أليس الإنسانُ أشدَّ غُلمةً وشبَقاً من جَدِّه الحيوانِ ألفَ مرَّةٍ وكرَّةٍ؟ فكيفَ تريدُ أن تنشبَ الحروبُ في ملكوتِ الإنسانِ إذا لم يكنْ في قلبِه الخصمانِ: الخيرُ والشرُّ؟!

من الحوارِ السَّابقِ نرى أنَّ الكاتبَ استطاعَ أن يحشُدَ الأدلَّةَ المنطقيَّةَ والبراهينَ العقليَّةَ على لسانِ فينوموس مُلهمةِ النِّساءِ ومثيرةِ الشَّهواتِ التي كانتْ وراءَ خروجِ الأبوينِ المؤسِّسينِ للبشريَّةِ من الجنَّةِ، كما كانتْ وراءَ إثارةِ الشَّهواتِ في الفنونِ بمختلِفِ أنواعِها، فبذلكَ أخرجتِ الإنسانَ من جنَّةِ الخيرِ إلى حلبةِ الصِّراعِ في الحياةِ بينَ الخيرِ والشرِّ، فمهَّدتْ بذلكَ الطَّريقَ، وسهَّلتِ السُّبلَ أمامَ وزرائِها في إثارةِ الحربِ، وتقويضِ مملكةِ الإنسانِ على الأرضِ.

وقد برعَ الكاتبُ العبقريُّ نقولا حدَّاد في عرضِ آرائِه العقلانيَّةِ التي تقفُ طَوْداً شامخاً أمامَ الفكرِ الدِّينيِّ المشلولِ بعقولٍ آسِنةٍ تخشَى أن يتسلَّلَ نورُ الحقيقةِ إلى ظلامِ جهلِ العامَّةِ، فتتَهاوَى عباءاتُها معَ الرِّياحِ، وتنكشِفُ عوراتُها الحقيقيَّةُ التي استعبدَتْ بها البشريَّةَ تاريخاً مُظلماً امتدَّ قروناً وقروناً. ولكنَّ العقلَ السَّليمَ والفكرَ القَويمَ والضَّميرَ الحيَّ والإيمانَ المُطلقَ بحريَّةِ الإنسانِ تظلُّ بيارقَ نصرٍ خفَّاقةً تقاومُ جحافلَ الشرِّ التي يُعدُّها بعلزبول كبيرُ الشَّياطينِ ومنْ ائتمرَ بأمرِه من وزراءِ الحربِ والمالِ والقضاءِ والفضاءِ!!


رامز محيي الدين علي

كاتب سوري مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف