الجمعة ٢٤ آب (أغسطس) ٢٠١٨
بقلم جواد أمهمول

الساعة

"مقهى السعادة". هذا ما كتب فوق باب ذلك المكان بلون أحمر مثير. على الرغم من أن شكله لا يوحي بأن من يجلس بداخلها يمكن أن يكون سعيدا.
كنت أمر بجانبه و أنا عائد إلى بيتي في المساء.
و في أحد الأيام قررت أن أدخل بدافع الفضول. أردت أن أرى ذلك النوع الآخر من الناس.
أول شيء أثار انتباهي حينما وطئت قدمي اليمنى العتبة هي تلك التلفزة العتيقة الموضوعة في أعلى اليسار. استغربت لوجود جهاز عصري كهذا في مقبرة للأحياء كهذه.
تقدمت و سلمت بصوت مرتفع و لم استغرب عندما لم يجبني أحدهم. كنت أتوقع ذلك.
كان الفناء مظلما و الأرضية هشة ووسخة. تحسب كل خطوة تخطوها فوقها بأنها الأخيرة. كانت هناك كراسي كثيرة منثورة بدون انتظام و لا مجهود. كراسي خشبية سوداء تنبعث منها رائحة الضنك. و أمام كل ثلاث كراسي وضعة مائدة في نفس الحالة، و ربما أكثر.
أخذت إحدى الكراسي الفارغة و جلست فوقه بحذر شديد و تمنيت أن لا يخر.
مر وقت لا أدري كم بالضبط. أتى النادل و وقف بجانبي و أخذ ينتظر. لا شك أنه ليس ميتا. لقد تحرك. لكن لماذا لم يتكلم ربما أثر فيه الأموات فمن عاشر قوما صار منهم. طلبت منه عصيرا و تمنيت ألا يكون أخرسا.
لا بأس أن أصف لكم رواد ذلك المقهى . لم أخطأ لما قلت أنها جثت هامدة. كانوا بين الموت و الحياة، أموات أكثر منهم أحياء. يمكن أن يكونوا شيوخا أو شبان. فالضوء الخافت المنبعث من المصباح القديم لم يكن قادرا على إنارة كل الأركان، ثم إن لا أحد منهم كان يرفع رأسه..
كل واحد منهم كان يعيش في عالم خاص به. كانوا يحذقون في التلفاز.. و لا يتجاوبون مع ما يحدث. لا يهمهم أن يموت بطل المسلسل أو تنتحر البطلة. لا يهمهم أن ينهزم الفريق الأول للمدينة أو أن تستعمر البلاد و يسلب العباد. كل ما كانوا يريدونه هو الصمت و الموت.
بسرعة خارقة تسلل إلي شعور بالملل. لم أستطع البقاء في مكان تنعدم فيه الحركة و يجهل أصحابه قواعد الكلام. كيف لي أن أبقى في قبر بين أموات؟
أردت أن أنصرف.. ثم تراجعت عن قراري، و فضلت أن أثريت قليلا.
جدبت انتباهي ساعة حائطية كبيرة علقت على الجدار الأيمن. نظرت إليها و قلت في نفسي
"الحمد لله أن هناك شيء يتحرك في هذا القبر".
ثم عدت لأدقق النظر فيها من جديد فوجدت بأن عقاربها الثلاثة متوقفة. كان أكبرهم يشير إلى ستة و المتوسط إلى الأربعة و الصغير على مشارف الثانية عشر.
قلت في نفسي "لا شك أن هناك سر و راء تلك الأرقام. تذكرت عندها ما قاله لي أحد الأصدقاء لما سألته عن صاحب المقهى. فكان جوابه أنها ستصبح ملكا للذي سيفطن إلى حل لغز الساعة.
هل كان يقصد هذه الساعة بالذات؟
حاولت حل اللغز لعلي أصبح صاحب المقهى. لكني أحسست ببعض الإعياء. ففضلت الانصراف و العودة في الصباح.
في اليوم الموالي كنت جالسا في مقهى السعادة حين دخل شخص غريب و اتجه نحو اللوحة الخشبية الكبيرة. تنهد بعمق و طلب من النادل قهوة بدون سكر. وضع الورقة فوق المائدة و مات كالآخرين..
اقتربت من اللوحة و قرأت فيها ثلاثة أرقام 4 -6-12. انتابني إحساس بأنني رأيتهم من قبل.
عدة إلى مائدة الضيف الجديد. أخذت الورقة التي فوق مائدته. هي بدورها كتبت عليها ثلاثة أرقام. لكنها كانت مختلفة عن سابقاتها.
خرجت من المقهى لا أدري سبب موت كل أولئك، لكني على الأقل فهمت سر الساعة و اللوحة و سأستخدمه لأدافع به عن نفسي عند الضرورة. و ربما صرت أنا صاحب المقهى. بل و قد أشتري الحي بكامله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب مغربي

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى