ميلاء وعاطفة التّحدّي نزهة أبو غوش

"ميلاء" مجموعة نصوص للكاتبة المقدسية سعاد المحتسب، صدرت عام 2018 عن دار فضاءات للنّشر والتّوزيع في عمّان، وتقع في 130 صفحة من الحجم المتوسّط.

ميلاء هي المرأة في مجتمع تجاهلها. ميلاء هي الأمّ هي الوطن.

ميلاء هي الفتاة الجميلة الرّاقية الفاتنة، هي البريئة الصّادقة العاشقة، هي الخائفة، هي المقهورة، هي الحبّ، هي الأمل هي مالكة الحرف والكلمة...هي الصّمت.

"هي كامرأة زرقاء يشرب البحر من قاعها وتتساقط النّجوم في فستانها ويلعن الذكور جموحها، ويحلم السّفلة بسقوطها" ص14.

من خلال قراءتنا للنّصوص نجد بصمة سعاد المحتسب واضحة وصريحة، فهي الكاتبة المرأة المتحيّزة لجنسها. المدافعة عنها من ظلم الرّجل وتنكّره لها، وفرض سلطته الذّكوريّة عليها؛ يمكننا القول بأنّها المرأة المنتقمة المتمرّدة على مجتمع يدير ظهره للمرأة لا يحترم أفكارها، ولا مشاعرها، ولا جهدها وأهميّتها كامرأة تبذل كلّ ما لديها من عطاء؛ من أجل الحياة لأطفالها وزوجها وأبنائها؛ ومجتمعها بشكل عام.

حملت سعاد المحتسب راية التّحدّي عالية أمام مجتمعها، وقالت: ها أنا ذا، أستنكر كلّ أساليبكم المشحونة بالسّلبيّة نحو المرأة. هذه مشاعري هذه أفكاري، وهذه عواطفي؛ أنا أكره وأُحبّ، وأحزن، وأتألّم، وأسخط، وأنبذ، ووووووو عليكم أن تتقبّلوني كما أنا؛ لأنّني انسان"
لكنّا في الوقت ذاته نلحظ نفسيّة متعبة مرهقة مستسلمة تريد الوصول إِلى برّ الأمان.
العاطفة في نصوص الكاتبة حملت الكثير من الألم، والحزن والقهر، والحقد، والشّوق والحنين، والمحبّة، والتّذمّر.

نستدلّ من نصّها ص105 أنّ الحروب المتتالية في هذا العالم قد أرهقتها، فلم يعد يهمّها من يُهزم، أو من ينتصر، فهي فقط تبحث عن السّلام النّفسي والأمان؛ هنا تظهر عمق الفكرة لدى الكاتبة وبعد النّظر " فكلّنا في المعركة خاسرون/ لا أريد أن يذبل طفل على السّلالم/ ولا أن تصير الشجرة حطبا/ ولا القمح دما والاسفلت دموعا"

الحزن في نصوص الكاتبة حمل بين طيّاته الأنين، وكتمان الصّرخة؛ كما حمل جرحا عميقا في قلب أُنثى وصمت بوصمة ليس بها أيّ ذنب؛

لكنها الأُنثى المتحديّة في نصوص الكاتبة المحتسب تصدّت لهم بكلّ قوّة" غضبت ميلاء، وكمحارب من فولاذ تصدّت لضرباتهم وحطّمت آلهتهم" ص18.

الشّعور باليأس واللا مبالاة لازم نصوص الكتاب "ميلاء"

"الموسيقى بلا ايقاع والمعادن باهتة والمواقف مكرّرة والخطوات ثقيلة، لا شيء حيّ إلا الموت" ص39.

اللوعة والفقدان شعور لازم النّصوص وعكس شعور الكاتبة ولوعتها على فراق من فقدت. لشّعور بالحسرة والمرارة بدا جليّا أثر في نفسيّة القارئ للنّصوص.

الشّعور بخيبة الأمل ظهر أيضا في نصوص سعاد المحتسب

"ستة وعشرون عاما ونحن نستظلّ بأخيلة ونبني وطنا من طباشير... أوسلو يا جميلتي كيف استطعت أن تكوني بكلّ هذا القبح.."ص120

أعربت الكاتبة عن ضيقها وغضبها على المحتل الّذي يقف خلف الحواجز العسكريّة، وذكرت حاجز قلنديا ومعاناة المواطن عند مروره من هذا الحاجز. كما أنّها عبّرت عن سخطها عن الحياة الصّعبة في ظلّ احتلال في مدينة القدس، وخاصّة وهي أُنثى."أن تكوني مقدسيّة يعني أن تعملي مع راحيل وديفيد وشلومو وتأكلي العسل المسموم والخبز المعجون بالدّم. ص66.

الحبّ في نصوص سعاد خافت مكبوت سرّي تخافه وتتحاشاه؛ لأنّها ترى بأنّ الرّجال دائما كاذبون "فقد علّمتني جدّتي أنّ الرّجال كاذبون وأنّ الحبّ في أعينهم رجس عظيم".

كتبت سعاد المحتسب نصوصها بكلمات ذات لغة شعريّة خرجت من قلبها ومشاعرها بتلقائيّة وعفويّة دون تكلّف، فنجدها لغة سلسة تصل القارئ بسهولة، تحمل ما بين سطورها الرّمزيّة والفكرة الواضحة. هناك تكرار في التّعبير عن الفكرة بأشكال مختلفة، وتحت عناوين مختلفة.

لم تأبه الكاتبة بعلامات التّرقيم داخل النّصوص.