اليعاسيب

، بقلم حسني التهامي

كنتتُ منشغلا بأخي في صباح ذلك اليوم، خرجت دونه. كانت عيناي زائغتين. لاحظتِ الشلةُ سهوما على وجهي.

- ما بك؟

- أخي

- حقا أين هو؟

- مريض.

- غدا سيكون بخير. هيا وراءنا مهمة صعبة لابد من انجازها.

نظرنا إلي أرض الملعب الذي حُرمنا منه لأسابيعَ. حرثه الأهالي كي يستريحوا من دوشتنا. في الصباح اجتمعنا وراء صهريج الماء وتشاورنا في الأمر. كنا قرابة العشرة أولاد. اتفقنا على أن نأتي ساعة القيلولة. وبالفعل أتينا عازمين على أن نفعل شيئا. افتقدنا اللمة في هذا المكان. كنا نقسم أنفسنا إلي فرقتين. اعتدنا أن نلعب حفاة بالكرة ” الشراب” المصنوعة من الإسفنج الملفوف بجورب عسكري. نلفها بإحكام بخيط من ” الدبارة”. نتحسسُها كي نتأكدَ من استدارتها وعدم تبعجها.

كان المكان خاليا.. اختبأنا في غاب كثيف على رأس الحقل المجاور لصهريج المياه. أرسلنا اثنين إلى المكان كي ينفذا الخطة. كانت الشمس عمودية تنفث في الأفق. وحرارة الشمس تلفح الوجوه.

رغبتنا في إنجاز المهمة بددت كل إحساس بالعناء. كنت أسمع من عمي عبدالواحد أن الشياطين لاتقيل في هذه الساعة. كان الحقل المجاور مغمورا بالماء. بعد دقائق غمرت المياه أرض الملعب المحروث. انطلقنا جميعا نحو المكان ودككنا الأرض بأرجلنا حتى استوت. قضينا ساعةً كاملةً لقضاءِ المهمة.

- سنأتي غدا في ذات الوقت كي نراقب المكان.

- هذه الأرض تحتاج لثلاثة أيام على الأقل لكي تجف.

بعدها انصرفنا إلى الأجران. كانت الطريق خالية إلا من بعض حيوانات تقيل على رأس الحقل. لمح الأولادُ جروا متكاسلا يخرج من إحدي الحقول. طارده بعض الأولاد بالحصى. ثم غاب وسط أعواد الذرة التي بدت الصفرة على أكثرها.

كنت متقدما بضعة أمتار.

ناديت على الأولاد: هاهو يطير، أمسكوا به، إنه يترنح.

اليعاسيب – عندما تتعب في سعيها صعودا وهبوطا – تكون صيدا سهلا لأطفال كثيرين. تكون سيئة الحظ عندما تقع في الفخ.

كنا متأهبين للقائها بعد أن انتهينا من مغامرتنا الكبرى.

في غبطةٍ عدوتُ صوبَ الفريسة.

- لا تفلته من بين يديك. هاتوا كيسا كي نضعه فيه.

- لا يوجد. سنضعه في ورقة جرائد.

- حسنا. جهزوا الخيط.

وضع الأولاد اليعسوب في الورقة ثم ربطوها بخيط. أمسكت بالخيط وأطلقته في الهواء. كلما خرج الأزيز من الورقة كلما تطايرنا مهللين. تناوبنا على اليعسوب حتى اقتربنا من البيوت. كان اليعسوب من نصيبي بحكم أنني صدته. سوف أهديه إلي أخي.

اقتربت من البيت. كالعادة سوف ينتهى اليوم بعلقة ساخنة من أختي الكبرى. لا محالةَ ستبرحني ضربا بمجرد أن ترى آثار التراب على رأسي و ملابسي التي كلت يداها من فرط غسيلها بصابون الشمس. فتحت الباب الخشبي الرئيسي بحذرٍ كي لا يحدث صريراً. لم أجدها في انتظارى. كانت مشغولة بشيء ما. كانت هي والأم تحيطان أخي الملقى على حصيرةٍ في دهليز البيت. كان مغطىً بملاءة خفيفة على رأسه قماشة بيضاء مبتلة. بعد لحظات دخل العم عبدالواحد. انحني. وضع يده على رأس أخي. بدا وجهه عابسا، لم يمكث طويلا. وبعد عشر دقائق عاد برفقةِ الطبيب. لم تكن المرة الأولى لمجيء الطبيب للكشف على أخي خلال اليوم. هذه المرة بدا قاطب الوجه. تحدث مع عمي حديثا جانبيا ثم انصرف.

سألت أمي عن حال أخي. قالت الأم في صوت خفيض وهي تربت على ظهري: اطمئن يا بني.

انهمرت من عينيها دموعٌ مصحوبةٌ بأناتٍ خافتة.

- قم يا بني ونم. جهزي له العشاء يا جميلة.

- ” لا دعيني أنام بجواره. أريد أن ألتصق به. لم يلعب معي منذ أيام”.

أريتها الورقة التي لازال اليعسوب يأز بداخلها.

- “سوف يفرح به كثيرا. تلك هوايته”.. لم تنتبه الأم لما في يدي.

لا تزال دموعُها تنهال. والنحيب يزداد وحشرجة الصوت تعلو. مدتْ أختي أصابعَها لتمسحَ خديها المبللين بالدموع.

أمسكتْ بيدي واصطحبتني إلى الفراش. نظرتُ صوبَ أخي. تردد داخلي صوتٌ مختلطٌ بالحنين:
“آه يا أخي.. يا حبيبي.. اشتقت إلى اللعب معك.. كنت تسبقني دائما. كنت أمهرنا في صيد اليعاسيب.. “

ومر شريطٌ من الذكريات يجوب سقف الغرفة ذات الضوء الخافت:

الطائرةُ الورقيةُ التي صنعناها معا. كنا نطير بها في الشارع المتعرج الضيق الطويل.. كانت بجواره لكنها هامدة واجمة. تحسستُ ظهري. لازال أثرعضة أخي عليه عندما خطفت منه هذه الطائرةَ. ولا تزال شخبطاته في دفتري عندما يغضب. ثم نعود نصنع ألعابنا سويا. سيرنا معا خلف طبلة السحور بفوانيس صغيرة ملونة في شوارع بلدتنا الضيقة.. ركوب الأراجيح أيام العيد.. عجينة الكنافة التي كنا نصنعها بأيدينا و لا تكتمل لجهلنا بصنعها. أفراس وعرائس من الحلوى كنا نأكلها في “مولد النبي”. اليعاسيب … و….

بعد لحظات غلبني النوم. ولم أزلْ ممسكاً بالخيط.

في الصباح.

صحوتُ على صراخ بالبيت. نسيتُ كلَ شيء عن صيدي العظيم. امتلأ دهليز البيت بجاراتنا واختفت أمي وسط الزحام. اندفعت مهرولا حيث كان يرقد أخي. لكن… بعد حين رأيت عمي يمشي حاملا لفافةً تحت عباءة لبسها فوق كتفه. وكلما جَدَّ في خروجه من البيت تزايد العويل والصراخ. الجموع تمشي …. سقطت أمي مغشيا عليها وهي في غمرة الفقد. حاولت النساء إفاقتها. لغطٌ وهمهماتٌ و صرخاتٌ تملأ المكان. بينما عيناي تمرقان خلف الجموع. اندفعت كي ألحق بهم. أحسست خطاي مثقلتين. أنين يختلج بداخلي. لكن صخرة ثجثو على صدري. لمحني عمي الأصغر مندفعا. أوقفني. احتضنني. أطلقت صرخة وأنا أرتمي بين ذراعيه: أخي.. أخي.. إلي أين؟ لما أخذوه.. دعوني..

عدتُ إلى البيت.. نساءٌ معصوباتُ الرأس. كانت أمي قد أفاقت. حالة من الوجد والسكون. نساءٌ قادمات للعزاء و أخريات ينصرفن... مرت سويعاتٌ لم يكلمني أحد. لمحتُ حركة خفيفة تحت وسادتي التي لازالت على حالتها من ليلة أمس. لمحتُ الخيط، رفعتُ الوسادة، أمسكتُ بالخيط. توجهتُ نحو النافذة المطلة على الشارع. كانت مواربة بعض الشيء. فتحت ضلفتي الشباك. فككتُ الخيط. أطل اليعسوب برأسه من الورقة، ثم طار.
رجعتُ، وضعتُ رأسي على ركبتي ورحتُ في نوبةٍ من البكاءْ.


حسني التهامي

شاعر مصري

من نفس المؤلف