الأجناس الأدبيَّة و الحرّية الإبداعيَّة

، بقلم رشيد سكري

في كتاب"نظرية الأدب"لرينيه ولك و أوستن وارين ثوابتُ عامة متصلة بعلم أجناس السرد. من حيث هي بناء حكائي يجعل من رؤية العالم دمغتها الأساسيَّة. وفي هذا الصدد، لا تقوم قائمة الجنس الأدبي من دون تلك الخصوصية الفنيَّة، التي تُعتبر متعة جمالية وذوقية يجلل بها المبدعُ عمله الإبداعي.

غير أن الإشكال الذي تطرحه نظرية الأجناس الأدبية، بغض النظر عن دورها التصنيفي المميز، فهي تقتفي أثر التطور و الإبدال اللذين يطرآن على الذوق العام، و تتبع العوامل الموضوعية، التي توحي إلى الأديب و إلى بيئته. صحيح أن أفلاطون، في جمهوريته ميز في تصنيفه الشهير بين السرد و الحوار. فضلا عن أرسطو، باعتباره المنظر الأول للأجناس الأدبية، في كتابه"فن الشعر"، الذي قسّم الأدبَ إلى ثلاثة أضرب وهي: الأدب الغنائي والملحمي و الدرامي. وعلى الرغم من هذا الاهتمام القديم بالتجنيس الأدبي، إلا أنه ظل من أعوص القضايا، التي واجهها المفكرون و المهتمون بالشأن الأدبي.

وتبعا لذلك، خضعت نظرية الأجناس لعلم التشريح مع المدارس الحديثة، التي ظهرت في أوربا منتصف القرن الماضي. خصوصا مع تزيفطان تودروف في قاموسه الذائع الصيت، حيث شرعن التلاقح و المرور السلس بين مختلف الأجناس المكونة لنظرية الأدب، مسديا خدمة جليلة للرومانسيين الجدد بخاصة، و المهتمين بالثقافة الانسانية بعامة. إلى جانب آخر، فالتطور أو الإبدال التاريخي للجنس الأدبي لابد أن يتبلور من داخل النظريات المعرفية والمنهجية، التي تم التوصُّل إليها، سيما وأن المعارف النظرية مشتل خصب لظهور النوع و الجنس في الأدب. غير أن التخصص الظاهر في تناول الظواهر الأدبية يقتضي التبويب و التفييء، بحسب الخصوصية و النوعية، ولهذا السبب ثارت ثائرة موريس بلانشو على مفهوم الجنس الأدبي، الذي يعود الفضل فيه للعالم الروسي فلادمير بروب في"مورفولوجية الحكاية". بدعوى أن الأدب جوهره الانسان، يسمو نحو الكمال الروحي على مستوى الخطاب. فلا حديث، إذن، حسب بلانشو، عن الصفاء و النقاء الخاص في الأجناس الأدبية، سيما وأن النص الأدبي حمَّال نصوص مهاجرة بوعي أو بدون وعي، تخترق أسجاف النصوص الإبداعيّة.

وتبعا لذلك، كان البنيويون، وعلى رأسهم رولان بارث، ينتصرون إلى فتح الحدود بين الأجناس الأدبية، والتعامل مع النص كبنية موحدة الأجزاء، بعيدة ـ أي البنية ـ عن كل المؤثرات خارج نصية. علاوة على ذلك، فالمتحكم الأول في بناء النص الأدبي وامتداداته المعرفية يُستمد من المكونات البلاغيّة ؛ من استعارة ومجاز و كناية و تناص و اقتباس... وهذا ما أعلنت عنه البنيوية بخصوص موت المؤلف، مادام النص يُنظر إليه من الداخل، بحسب مكوناته اللغوية و البلاغية.

إن المسعى الذي ترنو إليه مذاهبُ وتيارات فكرية ما بعد البنيوية، هو معانقة حلم الحرية، بما هي تراصف الإبداع في مده و جزره. وأحد المعاني التي تساكنه كالظل الحرون، سيما وأن العالم، إبَّان الحرب الكونية الثانية، عانى من ويلات ديكتاتوريات حكمت شعوبها بالحديد و النار. فالحرية الإبداعية مطمحٌ كبيرٌ في الكتابات المعاصرة، متجاوزة التصنيف الأجناسي، فهي تخترق كل الحدود و الحواجز، كي يكون الإبداع معبرا عن الإحساس الصادق و الشعور المتفاعل. فما كان للتنوع والاختلاف إلا أن يجتاح الساحة الأدبيَّة الغربيَّة و العربيَّة على حد سواء ؛ فظهرت، في أعقاب هذا الانفتاح الجارف، أنواعٌ مختلفة من قصائدَ و مسرحيات و روايات على اختلاف ألوانها وتباين توجهاتها. وما نلاحظه، اليوم، من اختلاف و تنوع على مستوى بناء القصائد، مثلا، من: الشذرية والنثرية والومضية والحوارية و الدرامية، ما هو إلا انصهار الشعر و الحوار و الدراما والفلسفة و الصوفية تحت عريش واحد. ولهذا السبب تم نسف مفهوم الجنس الأدبي، وخلخلة ثوابته و زعزعة معاييره.

من جانب آخر، فديوانُ العرب الجديد ؛ الرواية، هي أكثر الأجناس تحطيما للنوع الأدبي، حيث ينصهر فيها الشعر و النثر و الأحدوثة والقصة و الحوار و التمثيل و التشكيل والسينما ؛ عالم كبير تجره الرواية ُوراءها. وتبعا لذلك، ومن حيث البناء الروائي، نجد تداخلا في مستوياتها وأحيازها و ضمير شخوصها ؛ بالإضافة إلى تعاليها عن الزمن في علاقته بمنطق السرد. فلا الشيخوخة شيخوخة و لا الشبابَ شبابٌ و لا الطفولة طفولة يغيب فيها المنطق، ويحضر فيها التَّماهي. إن الرواية تحطيمٌ و انزياحٌ و بناءٌ بعد هدم. و نتيجة لذلك، كانت قبلة للعديد من الأدباء، هجروا مواطنهم التي ضاقت فيها أحياز إبداعهم ؛ غوايتـُها متنفس للحرية، وبسط لدفقات الشعور والإحساس الفياض بدون ضفاف و بدون حواجز. وفي هذا المسعى انتقلت الرواية إلى أحضان عالم الفن السَّابع بضفافه الأثيلة السَّابغة، التي لا تغرب فيها شموس الأصائل، علاوة على انخراطها في وطيس الأسئلة الحارقة و الحمئة في السياسة و المجتمع.

من هذا المنطلق، اجتاحت الرواية عالم السّينما، بل إن اختيار الأفلام النَّاجحة في هوليود كان على أساس فن الرواية. ومنها، ظل الأدب الكلاسيكي القديم منبعَ الإلهام إلى حد الإعجاب والافتنان من طرف المخرجين السينمائيين الحداثيين، لأنهم وقفوا على مدى تأثيره المباشر في حياة الإنسان المعاصر. وفي هذا المسعى، نجد الإخراج السينمائي الجديد، الذي قام به المخرج العالمي توم هو بارد لرواية"البؤساء"لفيكتور هيكو ؛ لهو أكبر دليل على حرية الانتقال بين مكونات الأدب في العلوم الإنسانية. كما أن الإخراج الأبِّراتي، للمخرج الإنجليزي المتميز جورايت، الذي صهر فيه الرقص بالغناء والمسرح و الموسيقى، لرواية"آنَّا كارنينا"للكاتب العالمي الروسي ليو تولستوي؛ مطمح كبير نحو معانقة هذا التلاقح و التواشج الواصل بين الرواية والسينما.

أما في العالم العربي تسنَّم نجيب محفوظ قـُنَّة هذا التوجه الجديد، حيث كان جسرُ العبور، في مجموعة من أعماله القصصية و الروائية، آمنا بين الرواية و المسرح والسينما، خصوصا في:"أولاد حارتنا"و"اللصُّ و الكلاب"و"السَّمان و الخريف"و"ثرثرة فوق النيل"و"ميرامار". إن الفن السابع، في هذا المقام، هو الدوحة التي ألفت بين نجيب محفوظ و بعض المخرجين المصريين وعلى رأسهم: صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وحسن الإمام، سيما وأن الكتابة الدّرامية في روايات محفوظ جعلت من شوارع القاهرة و أزقة الإسكندرية الحارة المصرية؛ التي أغوت السينمائيين المصريين. فضلا عن ارتباط نجيب محفوظ بالمقهى في جل إبداعاته، حيث إن أغلب شخوصه يجعلون منها المكان المميز. انطلاقا من مقهى الفيشاوي في خان الخليلي، إلى كازينو قصر النيل؛ مسار تصويري يمهد العبور و رحلة المغامرة من الرواية إلى السينما.

ونتيجة مما سبق، تظل الأجناس الأدبية ـ بالرغم من كبحها لحرية العبور الإبداعي في نظر بعض التيارات الفكرية ـ ذات قيمة في نظر بعض النقاد المعاصرين، خصوصا من أولئك الذين يقدسون البناء التاريخي للمعرفة. وبهدف التقسيم الأجناسي للإبداع ارتأت بعض الاجتهادات المعرفية للنقاد إلى سن قوانين، من الواجب أن يتوفر عليها الابداع، كقانون المماثلة و التواتر و غيرها... واعتبروها، في ظل ذلك، سفرا نحو التصنيف والتبويب.

وفي هذا تظل البنيوية التيار الفكري الأكثر تجسيدا للحرية الإبداعية، سيما وأنها تنظر إلى الابداع من الداخل، بعيدة عن أن تكون حواجز و تصنيفات و قوانين؛ لأن الابداع هو الحرية.


رشيد سكري

كاتب وباحث مغربي

من نفس المؤلف