الاثنين ١٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٨
بقلم نايف عبوش

السنونو .. في ذاكرة جيل أيام زمان

ذكرني أحد الزملاء، بطائر السنونو ، والذي يعرف بالخشاف، في بعض مناطقنا الريفية . إنه حقاً جزء من ذاكرة جيل، تعايش معه في نفس الدار أيام زمان. كان يأتي مهاجرا بأسراب إلى ربوع الديرة، في أوائل فصل الربيع من كل عام، حاملا على جناحيه بشائر موسم الربيع، وبوادر الصيف، واسدال الستار على برد الشتاء .

ولأنه طائر مسالم( لايذ بالبخت)، كما كانت الختيارات تلقننا يوم ذاك ، لتحذرنا من المساس به، أو صيده، او ايذائه. لذلك كان الصبيان ينظرون إليه بعين الشفقة تماماً. فلا يسئ إليه أحد منهم ابدا، ولا يتعرض له بأذى، ولا يقدم على هدم عشه، ولا يصطاده.

لقد اعتاد هذا الطائر الوديع، أن يعشعش في سقف غرف بيت الطين، ويبني عشه معلقا بأعمدة السقف، من القش المخلوط بالطين، بطريقه جميلة في زوايا بيوتنا. وقد تفنن اهلنا في الشفقة به، وذلك بوضع صفيحة، او لوحة خشب اسفل العش، لحماية الفراخ من السقوط، وكذلك منع تساقط الفضلات علي أرضية الغرفة.

ولقد اعتاد السنونو أن يزقزق في الصباح الباكر بصوت رخيم، كأنه يرتل لحن التفاؤل بحلول يوم جديد، فكنا نستيقظ على وقع نغم زقزقته، ونستلقي على ظهورنا لنتطلع بشغف إلى حركة منقاره وهو يفغر فاه بتلك الزقزقة الجميلة.

وكان السنونو دائم التحليق في سمائنا، وفي باحات بيوتنا، بحركات بهلوانية مدهشة، حيث يعمد إلى الرحيل في نهاية موسم الربيع، عائداً الى موطنه من حيث أتى، ليعود إلينا ضيفاً عزيزاً في مطلع الربيع القادم.

لكننا اليوم افتقدناه مع سكننا في البيوت الأسمنتية العصرية، المغلقة الأبواب، إذ بات يتعذر عليه الدخول إليها ، ويصعب عليه تثبيت عشه في سقوفها الأسمنتية، حيث لا أعمدة خشبية لها ليلصق عشه عليها. وبذلك لم نعد نسمع زقزقته الرقيقة، وخسرنا الاستمتاع بانغام تلك السيمفونية الساحرة، وغاب عنا مشهد حركة طيرانه الحلزونية الممتعة، ليبقى مشهد السنونو مجرد ذكرى عالقة في أذهاننا، نستذكرها، ونحن إليها، كلما عدنا بالذاكرة إلى أيام زمان.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى