مثالٌ في الغبَاءِ وَذاكَ غُبنٌ

، بقلم حاتم جوعية

(أعارضُ في هذه القصيدة هذا البيت الشعري للشَّاعر"فاضل أصفر"وهو:

(إذا ظهرَ الحمارُ بزيِّ خيلٍ تكشَّفَ أمرُهُ عندَ النّهيقِ)

وأما قصيدتي التي أعارضُهُ فيها على نفس الوزن والقافية فهي:

(يطيلُ نهيقَهُ قبلَ الشُّرُوقِ
ولم يبخَلْ بهِ عندَ الغُبوقِ
وَيُزعجُ كلَّ مَغمُومٍ عليلٍ
وَمنْ قد كانَ في نومٍ عميقِ
حمارٌ.. دائمًا.. أبدًا حمارٌ
ولو أعطوهُ من خيرِ العليقِ
ولو بينَ الخيُولِ قضَى سنينًا
حمارًا سوفَ يبقى في النَّهيقِ
وَصَوتُهُ أقبحُ الأصواتِ طُرًّا
وَمذمُومٌ ومن زمَنٍ سَحِيقِ
لهُ وَقعٌ يُثيرُ الغمَّ دومًا
يُنفّرُ كلَّ ذي حِسٍّ رَقيقِ
ولكن لا يتيهُ عن مسَار ٍ
ويسلكُ دائمًا نفسَ الطريقِ
مثالٌ في الغباءِ وَذاكَ غُبنٌ
هُوَ الأذكى مِنَ الفرسِ السَّبُوقِ
لفيثاغُورس الإبداعُ حقًّا
لهُ نظريَّةٌ مثلُ البريقِ
على إسمِ الحمارِ لقد دَعاهَا
وَأنصَفهُ مِنَ الغُبْنِ المُحِيقِ
وأوَّلُ مَن دعَا فَدْمًا حمارًا
هُوَ الخَيَّامُ للمَزح ِ الأنيقِ
وَنادِرَةٌ عَنِ الخيَّامِ تُروَى
تُزيلُ الهمَّ عن صَبٍّ غريقِ
تناقلهَا الرُّوَاةُ بكلِّ عَصر ٍ
لأجلِ الضِّحْكِ والفرَحٍ الحقيقي
لهُ تِرْبٌ تقمَّصَهُ حمارٌ
وكانَ مُعلّمَ الجيلِ الطليقِ
بجامِعَةٍ بنيسابور كانا
مَعًا في الفكرِ والعلمِ العميقِ
وَإنَّ الفضلَ كلَّ الفضلِ يبقى
إلى جُهِدِ الحميرِ على العُنوقِ
وَمِنْ كدِّ الحميرِ سَمَتْ عُروشٌ
وكم صَرح ٍ وكم مجدٍ عريقِ
وَفوقَ مُتونِها خيرٌ وَسَعدٌ
حضاراتٌ أنارَتْ كالبُرُوقِ
بها الإبداعُ شقَّ لهُ طريقًا
بهَا فجرُ الحضارةٍ والشُّروقِ
وكمْ قد حُمِّلتْ أسفارَ علمٍ
وَسَارَتْ في المَفاوزِ والشُّقوقِ
وَأكثرُ كائن ٍ ظلمُوهُ حقًّا
حمارٌ كادِحٌ وَبلا حُقوقِ
يعيشُ العُمرَ في تعَبٍ وَكدٍّ
مثالٌ للوَضيع ِ وللخَلوقِ
يحلُّ الخيرُ حيثُ يكونُ دومًا
وَيسطعُ دائمًا في كلِّ سُوقِ
يسيرُ بخفَّةٍ في كلِّ ظرفٍ
كأنّهُ صاحبُ القدِّ الرَّشيقِ
ولا يحظى بغُنج ٍ أو دلالٍ
ولم يهنأ بسرجٍ مع رتُوقِ
كرامتُهُ أريقتْ كلَّ يومٍ
لها في كلِّ يومٍ من مُرِيقِ
وفي الأرزاءِ قد أضحَى مثالاً
ولم يجفلْ مِنَ الحِملِ اللّصيقِ
وَمِن أنصارِهِ إنِّي سَأبقى
وَيجري العَطفُ دومًا في عُرُوقي
وَكم فاقَ الحمارُ زعيمَ قومٍ
بفكر ٍ ثاقبٍ... كم مِن فرُوقِ
وَبابُ المجدِ يَقرَعُهُ حمارٌ
بخافرهِ... لهُ كمْ مِنْ طَرُوقِ
وَقالوا في الحميرِ ذميمَ قولٍ
ولم تُمْدَحْ بيُسْر ٍ أو بضيقِ
لقد ظلِمَتْ فلا تلقى حنانا
ولا حُبًّا وَعَطفًا من صديقِ
وَللأحمالِ قد خُلِقَتْ وَتبقى
طوالَ العُمرِ، أنَّى مِن شفيق
تُعَامَلُ بالسِّياطِ بدُونِ ذنبٍ
تعيشُ الذلَّ كالمَسْخِ المَعُوقِ
وكم من أبلهٍ يُدعَى حمارًا
هُنا قد وَظَّفوهُ بلا مُعِيقِ
وكم أسْدٍ قضَتْ مِن أجلِ وَاو ٍ
وَكم جَمَلٍ على الرَّمضَا نَفُوقِ
وَأضحَى عندنا المَهْبُولُ فذا
وَيجري الكلُّ خلفهُ كالرَّقيقِ
وكم مِن مُجرمٍ نَهمٍ لئيمٍ
تبوَّأ مركزًا بعدَ الحريقِ
وَتحتَ الدَّركِ تفكيرًا وَخُلقًا
وَيبقى مَصْدرَ النّهج ِ المُبِيقِ
ولو أنَّ العدالة تصطفيهُ
فسجنٌ للمَدى أو رَعْيُ نُوقِ
نعيشُ زمانَ لُكع ٍ وابنِ لُكع ٍ
نرَى الأسيادَ هُمْ أهل الفسوقِ
وأصواتُ الحميرِ لكلِّ فضٍّ
وَمَخبولٍ توَغَّلَ في العُقوقِ
على عكسِ البلابلِ فهْيَ تشدُو
تُرنِّمُ للعشيقةِ والعشيقِ

*1) فيثاغورس فيلسوف وعالم يوناني قديم واضع السلم الموسيقي، له نظرية مشهورة وهي: (الخط المستقيم هو أقصر وأقرب خط ومسافة بين نقتطين متباينتين)، وقد أسماها نظرية الحمار، لأن الحمار دائما يلتزم بها ويطبقها في حياته اليومية بشكل تلقائي.. وهنالك الكثيرون من البشر وحتى الأذكياء لا يلتزمون ويتقيدون بهذه النظرية.

*2) هو العالم والفيلسوف والشاعر عمر الخيام صاحب قصيدة (رباعيات الخيام التي غنتها كوكب الشرق أم كلثوم - ترجمة أحمد رامي. والخيام هو أول من أطلق لقب الحمارعلى كلِّ شخص أبله وأهبل. وتُروَى عنهُ نكتةٌ ونادرةٌ طريفة،وهي: إنَّهم عندما كانوا يُرَمِّمُون جامعة نيسابور ببلاد فارس - الجامعة التي تعلمَ فيها عمر الخيام وأصبحَ فيما بعد أستاذا ومحاضرا فيها - كانوا ينقلون الأحجار ومواد البناء إليها آنذاك على ظهور الدواب (الحمير والبغال)،وكان هنالك حمارٌعندما يقترب من بوابة الجامعة يرفض الدخول إلى الداخل، ولم تجدِ معهُ كلُّ الوسائل والطرق وحتى الضرب المبرح للدخول، وكان عمر الخيام موجودا هناك فتقدم من هذا الحمار وبدأ يلاطفهُ ويتحدث معه ويهمس في أذنهِ وَيُوَشوشُهُ،وفجأة لانَ الحمارُ ودخلَ من بوَّابة الجامعة بإرادتهِ وبشكل طبيعي ولم يُبدِ وَيُظهرْ أيةَ معارضة ومقاومة في الدخول فيما بعد.. وسألَ الجميعُ عمرَ الخيام: ما الذي صنعتُهُ بهذا الحمار وماذا كنت تكلمه وتهمس في إذنه حتى رضي أن يدخل من البوَّابة الرئيسيَّة إلى الجامعة.. فقال لهم: هذا الحمار كان في الجيل السابق أستاذا كبيرا ومحاضرا في جامعة نيسابور، وبعد أن مات تقمَّصَ هذا الحمار وحلت روحه فيه (وكان الخيام من الذين يؤمنون بالتقمُّص وتناسخ الأرواح) ولهذا كان يرفض الدخول إلى حرم الجامعة ويجد في هذا الأمر رهبة وحقارة، وعندما كلمتهُ لانَ واقتنعَ بالدخول لأنه يعرفني.

*3) الفَدم: البليد والأبلة والأهبل.

*4) العنوق: الأعناق

*5) الطَّرُوق بفتح الطاء ورفع الراء: الطارق الذي يقرع ويطرق الباب.

*6) نَفُوق بفتح النون وضم الفاء:الميت. ويقال: نفقَ الجملُ أي مات الجمل.. وهذه الكلمة تُستعملُ فقط للجمال وليس لكائن وحيوان آخر.

*7) الرَّقيق: المُرهف الحِس والذي مشاعره رقيقة وإنسانية جيَّاشة،والرَّقيق أيضا معناها العبيد،ومنها كلمة الرِّق وعناها العبوديَّة والخضوع.


حاتم جوعية

كاتب وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف