حوار مع الشاعـر حسين دراز

، بقلم ميمون حرش

الجسم في بلد والروح في بلد يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد

ابن عبد ربه

وددت لو أن الأحباب ما رحَــلوا
ما علَّقوني على الأحـــــــداق تذكـــارا
وددت لو أن الهموم ما هجمت
لمحو ذاكرتي بالعنف إصــــــــــــرارا

حسين دراز

"حسين دراز"شاعر أحبُّ أن أسميه"ميس نْ تماث إيــنو"، يضم الجرح منديله،وبيده قنديل يضيء به درب التَّرحال، تأبطه منذ حمل حقيبته، وضرب في الأرض، وفي النفس أمنية البحث عن"هواء جديد"، ولأن الدنيا ملوثة فإن الشعر أسعفه فراح يهمس، بدل أن يصرخ حيث لا جدوى، في حنايا الروح بقصائد شبيهة بـ"ممحصات"ابن عبد ربه،مضمخة بلغة الأمل والألم، وهو ما يميز ديوانه"همسات في حنايا الروح"الذي نظمه في أمكنة متفرقة بين بلجيكا، وألمانيا، وبلدان أخرى؛ وحين نضجت التجربة"همس"، لا في حنايا روحه فقط، إنما أحبَّ أن نشاركه، فالهمس حين يكثر منه، ومنكم، ومنا ينفجر صراخاً ينداح، بعد أن يغادر الأرواح..
حسين دراز سندباد الريف، غادر مدينته والشعر حاديه، وسائقه حيث حل وارتحل..ولا يزال، من أجل أن يمتعنا، يمتح من بحر"بويافر"الذي أحبه حد العشق، يكفكف دموع حروفه، بمنديل كلماتٍ ليست كالكلمات.

مرحباً بك شاعري، وصديقي سي حسين في"العرين"..

س- شاعر"رحالة"أنت، هل يليق بك هذا الوصف؟

ج- بسم الله الرحمن الرحيم

شكراً للعرين وشكراً لأسده الرابض فيه سيدي ميمون،الرحلة في حياة الإنسان شيء طبيعي وفي حياة الشاعر قدره المتعين،رحلتي من القرية الى المدينة،رحلتي من البيت إلى المدرسة،رحلتي من المدرسة الابتدائية بأزغنغان إلى الثانوية بمدينة الناظور،رحلتي من الثانوية إلى الجامعة بمدينة وجدة،رحلتي من وجدة إلى فاس للتخصص،رحلتي من بلدي إلى غرناطة لاستكمال الدراسات العليا،رحلتي من غرناطة إلى مدريد للالتحاق بسوق الشغل،رحلتي من مدريد لبروكسيل للاستقرار...

وتنتظرنا الرحلة الوجودية إلى مستقر الروح والبدن..

بهذا المعنى فأسهل النعوت التي تستسهلها الحياة هي الهجرة وإذا أردت التلطيف فهي الرحلة فإن قلت رحالة فربما…..

س-"همسات في حنايا الروح"هو ديوانك الأول، نشره مجلسُ الجالية المغربية المُقيمة بالخارج، ولقد رأى النور بعد أن نضجت تجربتُك كما صرحتَ في لقاء مع تلفزيون القناة الثانية المغربية.. ما هي تجليات هذا النضج؟

ج- حين رفضت أن أنشر في الديوان كل قصائدي لارتباط بعضها بسياقات أحسبها من عوامل الضعف في القصيدة...

س- القصائد في"همسات في حنايا الروح"هي مزيج من لغتين هما العربية و الأمازيغية (في الديوان قصيدة واحدة وطويلة باللغة الريفية)، ولقد عالجتَ بلغة الضاد موضوعات خاصة بالريف؛ وما له صلة بـ"الأمازيغ"طرحته باللغة العربية.. هل هذا مقصود؟

ج-القصدية في الإبداع من صلب تداوليتها، وللمكان أثره الرمزي في كوثرة المعنى. استحضار فضاءات لا لتأثيث القصيدة وتجميلها بدلالات الأسماء فقط بل لحمولاتها النفسية والاسترجاعية التي تحيلك على الاستيهامات التي تحدثها الغربة وتحاول تقنينها عبر تقنيات الكتابة.

س - واكب التلفزيون المغربي (القناة الثانية) حفلَ توقيع ديوانك الأول"همسات في حنايا الروح"ذات غشت من عام 2016، ولقد خص الإعلاميان (من نفس القناة)عبد الحميد المرابط، وعبد العالي أعميراش ورقة بالمناسبة، في ريبورتاج مصورٍ جاء فيه:

"إلى بلدة أزغنغان مسقط الرأس، ومهوى الفؤاد قدم حسين دراز من الديار البلجيكية ممتطياً صهوة القصيدة، وعازفاً ألحان الكلم الموزون، يتوهج ألقاً وإبداعاً.. و"همسات في حنايا الروح"هو أول غيث إبداعه الشعري، مفعم بأسئلة الهوية، والحنين إلى الوطن."

إبداع شعري مفعم بأسئلة الهوية، والحنين، والغربة..فهل لاغترابك دورٌ في طرح هذا النوع من الأسئلة في ديوانك، أم الشعر، عموماً،همه ألاّ يطرح الأسئلة فقط، بل كيف يصح أن تُطرح مهما كانت؟

ج- ربما من معيقات الخروج من أزماتنا عدم التوفيق في حسن صياغة الأسئلة المناسبة وكما يسميها البعض محنة صياغة الأسئلة.

الديوان يحوم حول سؤال الإنسان في علاقته بالوجود الخارجي وبالذات في أبعادها المتعددة الانطولوجي والمعرفي وما يستتبعه ذلك من معاناة تستدعي التعبير والإفصاح والبوح.

"يا صيحة الطين في أحشائي احترقي
ثم الجمي ومضك المسعور واحترقي
إني زرعت بباب العمر أسئلتي
تنمو يبابا وهذا الغيم في الافق
مالي إذا لولب الطين النفوس سمت
روحي ونامت تراعي رعشة القلق"

س- حفل توقيع ديوانك الشعري كان بمسقط الرأس أزغنغان شارك فيه كل من الناقديِِْن الدكتور امحمد أمحور، والدكتور نور الدين الطريسي، فضلاً عن الشاعر نجيب بوهراس،ولقيمةِ اسمك الأدبي في البلدة، وغيرها من المدن كان الحضور لافتاً، استطاعت جمعية"أمصاواض للإعلام والتنمية بأزغنغان أن تخلق الحدث..

ماهي ذكرياتك، وأنت خارج أزغنغان الآن وقد مر وقت طويل، عن هذه الأمسية؟

ج- جميل أن يحتفى بك في بلدك، ولكن أن يحتفي بك زملاؤك ممن تقاسموا معك كرسي الصف بمدرسة المدينة وملأوا معك الحي صراخاً ولعباً فترة الصبا فهذا مما لم يكن ليخطر على بالي أبداً. شكراً لهذه الزمرة التي خصصتها في ديواني الثاني بقصيدة تكاد تخنقني العبرات كلما ذكرتها

"ناموا ولا سنة لا ذنب واعترفوا
مسوا الفؤاد شِغافا كلما اقترفوا
مُسَلًمون هياما حيثما التمعت
دموعهم نصبوا الخيام واعتكفوا
قد أنجب الصدقُ من أحشائهم قُزحا
الماء يذكرهم والرمل والسعف
قد أينع الحب في أضلاعهم قمرا
تأبى الشموسُ غيابا حيثما وقفوا"

س- أشعارك مستقاة من وحي الهجرة صبغت بلغة الألم والأمل..

"ألم وأمل"هذه الثنائية ما السر في حضورها الطاغي في الديوان؟

ج- الأمل يتكون في رحم الألم...

س- في قصيدة"البلور"همسٌ رقيق يعقبه التماس برتق القلب الجريح حتى يخفق حباً وعناداً كالبلور..

هلاّ حدثتنا عن"خيبات"القلوب الكثيرة في بلاد الغربة؟

ج- الغربة تاريخ لإخفاقات النفس رغم المظاهر البادية عليها،فلو خيرت أي مهاجر بعد انصرام العمر بين البقاء والرجوع لاختار الرجوع بعد تأسفه على عمره الذي ضاع في بلاد الغربة. أعرف انك وكثير من القراء لن يشاطروني الرأي لكن…

// أوقدته جمرة الأحياء في ذاتي
يستغرق القلب أميالا في مجرته
وتنزف الشوق إشفاقا سماواتي
أستعطف القلب ملفوفا بجذوته
وتمطر النبض حبا جدب غيماتي//

س-"ثازيري"هي القصيدة الوحيدة في الديوان نظمتها بلغة الأم (هي واسطة العقد في الديوان، هكذا أعتبرها)، وما فضل بلغة الضاد (أزيد من 16 قصيدة باللغة العربية)..لماذا هذا"البخل"مع إزران في ديوانك الجميل"همسات في حنايا الروح"؟

ج- الريف يكفي أن يكون لغة الحلم..

س-"همسات في حنايا الروح"عنوان أثير، لكن لماذا (همسات)، وليست (صرخات)؟ وإلى متى نظل نهمس دون صراخ؟ أم الهمسُ، هنا، هو سكون صاخب كما شعرك؟

ج- أنا أعتبر كل قصيدة في ديواني هي همسة في أذن المتلقي، فمنهم من بالكاد يسمعها ومنهم من تدوي صاخبة في أذنه ومنهم من لم يسمعها إطلاقاً.

س- الشاعر الناظوري نجيب بوهراس في كلمته للقناة الثانية، بمناسبة حفل توقيع "همسات في حنايا الروح"، صرح بأن لمتنِ الديوان"همسات في حنايا الروح"بنيةًسي إيقاعية خارجية تتبدى من خلال الصورة والتشكيل، يدعمك فيها العروضُ الخليلي بطريقة خاصة ومتميزة..
أسجل الملاحظة نفسها عن إيقاع الديوان..

هل أنت مع الالتزام بالعروض الخليلي في نظم الشعر، أم مع الثورة عليه؟

ج- سؤال قديم جديد...
الإبداع أن تطرب القارئ وتصل إلى أن تهز شعوره داخل أو خارج الأوزان الخليلية.

س- في ديوانك تحتفي كثيراً بالجسد من خلال استحضارك لتوابعه: القلب، الكبد، الأيدي، الأوردة، الحشا، العيون، الصدر، المُقل، الشفاه، الحنجرة، الأحداق...والجسد مقدس، وهو هبة من الله، لذلك تعاملك معه تضفي عليه قدسية خاصة.. كيف ترد على هذه الملاحظة؟
ولماذا التركيز على"الجسد"بهذا الشكل اللافت؟

ج- أسعى جاهداً أن ألبس الكلمات لبوس الصورة التي تأخذ حيزاً في ذهن المتلقي حتى أمزج بين التجريد عبر تعبيرات شعرية تغترف من بحر الأشواق والعواطف والصورة التي تحيلنا على الجسد في تموجاته الميمية..

س- باستثناء بعض قصائدك في"همسات في حنايا الروح"لفعلِ"الأمر"في ديوانك حصةُ الأسد (كونوا..توبوا،اعترفوا،عوجوا،... وهو أمر يخرج عن معناه الأصلي ليفيد معاني كثيرة تضفي على نصوصك رونقاً وجمالا، (هذا لا يعني أنها عطل من الأزمنة الأخرى..)
سؤالي هو: كيف تنتقي هذه الأفعال، وما الذي يسيج أزمنتها، الهوى، الموقف، الفكرة، أم ماذا؟

ج- لا أريد أن أحيل القارئ على المراد من صيغ فعل الأمر في العربية كالإباحة والتهديد أو التسوية والتكوين ولكن استحضار ذهن القارئ عبر هذه الصيغ موج أساسي في دلالات الخطاب.

//عوجوا على ألمي ثم اصلبوا جسدي
ما عاد ينبض خفقا في الحشا كبدي
كونوا على ثقة لا همَّ يزعجــــــــــني
إلا هموما حَوَتْ في غفلة بلـــــــدي
في كل نسمةِ فجرٍ يرتقي ألـــــــــــمي
يبني به وطنا يزهو إلى الأبــــــــــد //

س- كأن لسان حالك، وأنت تمتطي جوادك، من بلدٍ لأخر، ولا تكاد تنزل، تقول لنا عبر شعرك الأنيق:"أنقل لكم الذي رأيت فلا ورّيت، ولا رأيت"(،"وريت"من التورية، و"رأيتُ"من الرياء)..
أريد: هل أنت واضح في شعرك؟ وما رأيك في الغموض الذي يجعل بعض النصوص الشعرية تستغلق على القارئ؟، ثم رجع الصدى حول شعرك بماذا يوحي لك في هذه النقطة تحديداً؟

ج- الغموض من الخصائص المميزة والأساسية في الشعر الحديث.

تعبير عن خصوصيات الإنسان المعقدة التي تنعكس في تجاربه الحياتية سلوكا وكتابة.استدعاء لحضور ذهنية المتلقي للمشاركة في قراءة إبداعية تشاركية تنفي عنه صفة القارئ الخامل الذي لا ينظر الى النص إلا من خلال جاهزيته.

انه ما يميز المبدع عن غيره من منتجي الخطاب حين يحسن استخدامه.

س- التراث، واستحضار الشخصيات التاريخية لافت في الديوان: /شمشوم/، /عنترة/، /عبلة/، /شداد/،/ شيبوب/، /أزرو همار/، /دليلة/، /عبس/، /نيرون/...كيف توظف، جمالياً، هذه الموروثات في شعرك؟

توظيف التراث هو تجسير الماضي بالحاضر ومحاولة خلق منطقة ثالثة في زمن يرفض فيه القارئ زمنه الذي يعيشه بل ويمقته.

س- تقول:

"كتبتُ الشعر في ألق
لكي لا ينتهي أثري"
فلا عتبى على قلمي
إذا ما عد من قدري"

العتاب، حين يأتيك من الشعراء، على ماذا تُلام بالضبط؟ ثم هل تتوب، يوماً، عن نظم الشعر؟

ج- ألام على عدم استضافتهم في ملتقى شعري ههههه
التوبة تكون من ذنب وأنا أعترف أن الشعر من كبائر الموبقات التي اقترفتها في حياتي والتوبة منه الى الآن لا تستهويني.

س- مشاريعك في المستقبل إن شاء الله؟

ج- ديوان تحت الطبع،ودراسات في المجال الفكري مرتبطة بالفضاء الأوروبي..

س- ماذا تقول في:

"يوسف بيلال"رئيس جمعية أمصاواض للإعلام والتنمية بأزغنغان، والشاعـر"عبد الرحيم فوزي"،و"أزرو أهمار"،و"أزغنغان".

ج- يوسف بيلال هو طاقة يجب الاستفادة منها،
الشاعر"عبد الرحيم فوزي"شاعر عزيز أتمنى له التوفيق،
"أزرو أهمار"وشم ناصيتي،
"أزغنغان"عشقي الأبدي..

س- كلمة أخيرة شاعري، وعفواً إن أثقلت عليك..

ج- أتمنى أن ينظم في مدينة الناظور ملتقى دولي للإبداع ويكون تقليداً سنوياً.

وفي ختام هذا الحوار الشائق معك شاعري الأثير سي حسين دراز أهديك هذه الأبيات الشعرية من ديوانك"همسات في حنايا الروح":

دثري يا حياة من سناء القمر
واغرسي وردة في قلوب البشر

- من قصيدة"حياة"–"همسات في حنايا الروح"

سيوذاييأذاشإينيغ
ماشا ثسرذ غاري
ام واقاس نتساعات
مارا يهوا يوري
امنوس نيثايسيذ
قا ناش يوزا غاري
رامي ثنقارثفوشت
ذ كور اينو ثغري
ثسيجاد ذ رقندير
يتعايابثازيري
يما مايميثتروذ
ارهم يوزا غاري
امو نيبو امزيان
ذ كاماسيناري

من قصيدة"ثازيري"–"همسات في حنايا الروح"


ميمون حرش

قاص وكاتب مغربي

من نفس المؤلف