قراءة نقدية في المجموعة القصصية

لا تحالف مع الشيطان بوزيان موساوي

تحت عنوان:

"صورة المرأة بين وصف الكائن واستشراف الممكن عبر مقامات سردية درامية توليدية للجمال و للفكر النير"، كتب الناقد المغربي، ذ. بوزيان موساوي قراءته النقدية في المجموعة القصصية ـ لا تحالف مع الشيطان ـ للكاتبة جميلة شحادة.

تمهيد:

1 ـ بطاقة تعريف:

ـ الكتاب: صدر عن دار النشر السكرية في مصر ـ 2018.

- مجموعة قصصية للكاتبة الفلسطينية جميلة شحادة تحت عنوان: لا تحالف مع الشيطان.. الكتاب من الحجم المتوسط، 92 صفحة، قام بتصميم الغلاف: نانيس جنيدي، ويتكون من 19 قصة قصيرة.

ـ الكاتبة: جميلة شحادة، شاعرة و كاتبة وأخصائية تربوية فلسطينية من الناصرة... صدر لها إضافة للمجموعة القصصية ـ لا تحالف مع الشيطان، 4 قصص للأطفال والفتيان وهي: ـ الكوكب الأزرق ـ و ـ ضوء ملون ـ و ـ أبو سليم و أصدقاؤه ـ و ـ سكر ـ و- ديوان عبق الحنين – 2017- ...

2 ـ منهجية مقاربة المجموعة القصصية ـ لا تحالف مع الشيطان ـ:

اختيارنا لهذا العنوان: صورة المرأة بين وصف الكائن واستشراف الممكن عبر مقامات سردية درامية توليدية للجمال و للفكر النير... كعنوان لمقاربة المجموعة القصصية لم يكن اعتباطيا ولا من قبيل الصدفة، لأنه يحمل في طياته إشكاليتين متفرعتين عنه،

ـ الأولى تطرح السؤال التالي: كيف تتجلى سيادة الوظيفة الاجتماعية و الثقافية للمجموعة القصصية في ارتباطاتها بالانتماء الاثني و القومي والعقائدي والثقافي واللغوي؟

- والثانية تحاول الاجابة عن السؤال التالي في ارتباط عضوي مع السؤال الأول، و السؤال هو:

ـ كيف يبني النص القصصي في مجموعة ـ لا تحالف مع الشيطان ـ العالم من خلال تقنيات المشابهة والتناظر والتماثل بين واقع معيش وواقع محكي قصصي أدبي، أقرب للخيال منه إلى الواقع، كإجراء فني صار ذا قيمة مهيمنة معيارية في الحكم على جمالية النص؟

1 ـ المبحث الأول:

كيف تتجلى سيادة الوظيفة الاجتماعية والثقافية للمجموعة القصصية ـ لا تحالف مع الشيطان ـ في ارتباطاتها بالانتماء الاثني والقومي و العقائدي و الثقافي و اللغوي؟

طيلة قراءتنا لقصص المجموعة، انتبهنا إلى ظاهرتين أساسيتين:

ـ الأولى مفادها أن قصص المجموعة من وحي الواقع المعيش هنا / الآن... ليست محاكاة للواقع كالصور الفوتوغرافية، لأننا أمام عمل أدبي.. و ليست في ذات الآن مجرد تقارير وصفية لحكايات حدثت فعلا وعاينتها الكاتبة كشاهدة مباشرة، وإلا جردنا العمل الأدبي من بعده الخيالي و الجمالي المرتبط به عضويا و وظيفة و امتدادا... و يفسر النقاد واقعية هذا النوع من الكتابة القصصية بظاهرة المشابهة la vraisemblance أي تخيل قصة شبيهة بالواقع إلى حد التماهي، و ظاهرة التماثل la représentation أي كيف يتم تقريب الحدث من القارئ على أنه واقع، لكن من وجهة نظر الكاتب..

و هذا ما سنتطرق إليه بالتفصيل في المحور الثاني من هذه القراءة، لكن قبل ذلك، استحضرنا في نفس السياق مجال اشتغال الكاتبة كأخصائية تربوية ومدى تأثير علوم التربية على كتاباتها عموما، وعلى هذه المجموعة القصصية على وجه التحديد.. لنتوصل إلى اعتبار كل قصص المجموعة عبارة عن بطاقات كلينيكية لجرد حالات نفسية واجتماعية قد يعتمدها الباحثون في النفس وفي علم الاجتماع لدراسة الحالات Etude de cas، باعتبار أن دراسة الحالة تعرف على أنّها ـ عرض وفي معمق لموقف معين أو نموذج واقعي بهدف أغراض البحث التربوي أو لأغراض التدريب والتعليم، وتتطلب دراسة الحالة أن يتوفر عرض تفصيلي لكافة عناصرها وتفاعلاتها ومتغيراتها، بالإضافة إلى وصف دقيق للحالة التي تتم دراستها أو تقويمها، بالإضافة إلى التطرق للظروف والعناصر البشرية والمادية الواقعة في سياق الحالة، كما تهتم بالقيم الثقافية والمؤسساتية السائدة ـ

ما يقابلها كذلك في علم النفس التربوي بتقنية دراسة الوضعيات ـ المشكلة Situations problème. كما جاء ذلك مع المنظر التربوي فيليب ميريو، أي إمكانية تكوين المعارف و حل المشاكل بإزالة العوائق.

و هذا ما ينطبق إلى حد بعيد على قصص المجموعة القصصية ـ لا تحالف مع الشيطان ـ للكاتبة جميلة شحاذة:

19 قصة قصيرة تساوي 19 متن/ دعامة أو ما أو ما نسميه بيداغوجيا ب ـ نص الانطلاق ـ لدراسة حالات نفسية اجتماعية، أو 19 وضعية / مشكلة: نختار نماذجا منها، كالتالي:

ـ الحالة الأولى ـ الوضعية (المشكلة الأولى) : قصة: صديقتي و لكن...استغلت الكاتبة هذه القصة التي تتحدث عن موضوع بسيط و سطحي متعلق بحيرة في اختيار وسائل الزينة الخاصة بالاحتفال بأعياد الميلاد، و كأن كيان و ماهية المرأة مرتبط حصريا بالزينة، لتطرح من ورائه إشكالية أعمق تتعلق بماهية الفن و أبعاده الكونية الجميلة، وواقع انحطاطه لدى الذائقة الجماعية، نقرأ:

ـ إبداع، فن، مهارة و إتقان، رؤيا... لكن، لكن للأسف لا حظ له، و لولا ذلك، لما وُجدت لوحته الفنية الرائعة، في قسم زينة الميلاد، و لكانت تتربع الآن، الصدارة في أرقى المعارض الفنية في البلاد، ليشاهدها كبار النقاد و الفنانين، لا مبتاعي الزينة... ـ ص. 11.

ـ الحالة الثانية، الوضعية (المشكلة الثانية): قصة: كيم... تطرقت هذه القصة إلى ظاهرة تشغيل بعض الأسر العربية الثرية لخادمات من جنوب شرق آسيا وما يلي ذلك من استعباد و استغلال غير إنساني للمرأة.... كيم خادمة تايلاندية، أحبت مشغلها ووهبت له نفسها كحبيبة، لكن سيتغير كل شيء بعد هذا الحوار، نقرأ:

ـ أتحبني؟

ـ أكثر من عمق البحر. قال لها.

ـ هل تستطيع الاستغناء عني؟

- عندما تغيب الشمس غيابا لا تعود منه.

ـ إذن، هل ستتزوجني؟

هاج فتحي كمن أصيب بجنون البقر، عندما سمع كيم تسأله عن إمكانية زواجهما، دفع بها بعيدا عنه، وصرخ محتدا:

ـ هل تريدينني أن أتزوج من خادمة؟... ص. 14 ـ 15.

ـ الحالة الثالثة ـ الوضعية (المشكلة الثالثة): قصة: يحدث في البنك... ظاهرة النفاق الاجتماعي و المظاهر الفارغة و الادعاء.. بموازاة مع ظاهرة القروض الاستهلاكية الصغيرة و المتوسطة التي تثقل كاهل الموظفين الصغار.. والغرابة في النص، هو ذاك الموقف الطريف الذي خلق الحدث / المفارقة موضوع السخرية، نقرأ:

قالت آمال، و هي ما زالت تومئ برأسها نحو الفتاة:

ـ للتو أنهيت لها معاملة بقرض قيمته، 12000 شيكل. جاءت تطلب قرضا نت أجله.
ازدادت دهشتي، وقلت بصوت يشبه الهمس:

ـ ألأجله تستدين المال؟

و تابعت قائلة، والدهشة ما زالت مسيطرة علي:

ـ هذا المبلغ يساوي قيمة رسوم سنة جامعية واحدة.

فقالت آمال على مسمع من الفتاة:

ـ و ما الغرابة في ذلك؟! إنها تحبه، و هو كما ترين، كلب جميل و من فصيلة نادرة... ص. 22
ـ الحالة الرابعة ـ الوضعية (المشكلة الرابعة): قصة: حبيبي أنا... ركبت الكاتبة مطية هذه القصة لتذكر باحتفال المدارس بعيد المرأة و بعيد الأم في نفس الشهر من السنة: مارسن وبه يحتفل أيضا بعيد الشجرة و عيد الشعر.. و رغم ما لهذه الأعياد التي تخص الاحتفاء بالمرأة و تكريمها و ما لهذه الأعياد من رمزية تذكر بمحطات نضالية خالدة، إلا أن تخصيص يوما واحد في السنة إجحاف في حق المرأة التي يجب الاحتفاء بها كل يوم... و الظاهرة الثانية في نفس القصة طرح غير مباشر لإشكاليه الذائقة الفنية لدى المراهقين، ومنهم الاناث كما في القصة.. فبينما تحب ساردة القصة و صديقتها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، و هو يمثل مرحلة كلاسيكية يطلق عليها الزمن الجميل مقارنة مع الظاهرة الغنائية الشبابية التي يمثلها في القصة عمرو دياب و راغب علامة... نقرأ:

ـ ماذا تحبين فيه؟ قال أحد الزملاء من أبناء الصف ساخرا. ت المقصود عبد الحليم حافظ ـ

ـ ماذا أصابك؟ جهينة! كيف تحبينه و أمامك عمرو دياب؟ إن كان لا يعجبك عمرو دياب، فأمامك راغب علامة... ص. 31.

ـ الحالة الخامسة ـ الوضعية (المشكلة الخامسة):/ قصة: يا خسارة يا بو خالد... هي قصة مواويل نسوية من التراث الشعبي الشامي.. عادة ما تكون في الأفراح بأهازيج تتغنى بالحب و الجمال والتبريكات و التغني بالحسب و النسب و بالطبيعة و بالمواسم الغنية بغلتها... و تكون حتى في المآتم بطقوس غيرها بأغاني على إيقاع مقامات موسيقية متوارثة... لكن في هذه القصة تردد النساء أهازيج تتأسف عن حلم تشبثن به لينقذهن من واقعهن المزري.. حلم ببطل أسطوري هو كل الحلم / كل الرجال في نظرهن.. هو الحلم العربي آنذاك: بو خالد: الزعيم الراحل جمال عبد الناصر قائد الثورة الاشتراكية المصرية آنذاك و مصدر مبادئ الوحدة العربية و فكرة تأسيس الأحزاب الناصرية على شاكلة حزبي البعث العراقي والسوري... أغاني ومواويل حلم مجهض لم يتحقق لتحرير النساء العربيات من براثن التخلف و الاستغلال والاستعباد... نقرأ:

ـ لم تكن كلمات الأغنية موجهة للعروس، بل كانت لأبي خالد، نعم، فقد كانت تصدح حناجر النساء ب:

يا خسارة يا بو خالد، لو راح عنك ميي، لو راح عنك ميي يمين يوقف في الميدان و يستقبل، الأهليي؟....

.....
و همست والدتي في أذني، مجيبة عن سؤالي:

ـ أبو خالد هو عبد الناصر اللي حكيت لك عنو، مش قلتلك يما كل الناس بتحبو..... ص. 51 و 52.

و قد يتساءل سائل/ وأين الشيطان من خلال كل هذه القصص ـ الحالات التي استعرضنا هنا نماذج منها؟ و الذي قرأنا وجوده في عنوان المجموعة القصصية ـ لا تحالف مع الشيطان ـ
قد يكون من باب التمويه و السطحية أن نعتبره رجلا/ الذكر الأبدي، و المذكر في الثقافة الشرقية كما قد يتبادر إلى ذهننا من خلال قراءتي لقصة ـ لا تحالف مع الشيطان، الصفحات:41 و 42 و 43 و 44 ... عنوان قصة و عنوان المجموعة.. في هذه القصة تعود بنا الكاتبة لظاهرة العنف ضد النساء و تسلط الرجل إلى حد الاجرام بقتل زوجته، نقرأ:
ـ ... نظر إليها و هي تحتضن أطفالها الذين كانوا قد غفوا في دفء حضنها، و صوب نحو رأسها رصاصة قاتلة، صارخة بوجه الجميع: ـ لا تحالف مع الشيطان، بل هاشم الثعبان، قتل زوجته، وجعلها في خبر، كان يا ما كان.... ص. 44.

الشيطان في المجموعة أكبر من مجرد رجل شرقي متسلط و عنيف وقاتل.. هو أكبر من ثقافة شرقية متخلفة تختزل الصراع بين رجل و امرأة، هو أكبر من قانون و شريعة و عرف و تقاليد و عادات.. الشيطان مجسد بصيغة المذكر، لكنه فقط تجسيد للشجرة التي تخفي الغابة.. غياب مشروع مجتمع عربي مستقبلي في ظل الاحتلال الصهيوني الاسرائيلي، وفي غياب تجلي واضح لآفاق تنصف المرأة و الرجل معا توفر لهما الأمن و السكينة و السلام، و العيش الكريم..

قد تبدو قصص مجموعة ـ لا تحالف مع الشيطان ـ مجرد قصص واقعية عادية تتكرر في المشهد اليومي للمرأة الفلسطيني و العربية.. لكن في عمقها لا تستهدف تصوير المأساة كتحصيل حاصل، و تسويق الأزمة.. بل حاملة لرسالة على شكل استفهام عن الواقع المزري المعيش، و عن الآتي الممكن الذي لم يتم مع عبد الناصر، ولا مع زعامات من بعده و لا من قبله... سؤال معلق إلى متى؟...

لكن، قد يتساءل سائل: ـ لا تحالف مع الشيطان ـ مجموعة قصصية، يعني أدب، يعني فن، يعني جمالية حرف.. فأين عناصر الابداع فيها؟

رغم واقعية القصص ومرجعتيها في الواقع المعيش، فهي ليست بالمقال الصحفي و لا بالربورتاج و لا بوثيقة مؤرخ و لا استمارة عالم النفس، ولا تدوينات عالم الاجتماع... فأين مكامن الجمالية فيها كإبداع أدبي صرف؟

هذه التساؤلات و غيرها في نفس السياق هي التي جعلتني من باب الضرورة المنهجية، أتوقع محورا ثانيا في هذه القراءة، و تمت صباغته كالتالي:

2 ـ المبحث الثاني:

كيف يبني النص القصصي في مجموعة ـ لا تحالف مع الشيطان ـ العالم من خلال المشابهة و التناظر و التماثل بين الواقع المعيش و خيال الكاتب كإجراء فني صار ذا قيمة مهيمنة معيارية في الحكم على جمالية النص؟

لأجل مقاربة هذا المحور الاشكالي الثاني، لا بد من الاشارة إلى أن الكاتبة جميلة شحاذة قامت بتوظيف عدة تقنيات في كتابتها القصصية تتوخى معالجة قضايا جوهرية بجمالية حرف و صياغة و بناء، منها:

2 ـ 1 ـ التبئير الخارجي focalisatio, externe:

كيفما كانت درجة واقعية قصص المجموعة فهي تعبر عن وجهة نظر، و عن ردود أفعال و عن مواقف: رؤية الكاتبة للوقائع و الأحداث المسرودة.. فهي على امتداد المجموعة القصصية تنصب نفسها ـ شاهدة ـ تعاين الحدث عن قرب كصديقة لإحدى بطلات القصص:
نقرأ في هذا السياق على سبيل المثال لا الحصر:

ـ فلم أكن قريبة بما يكفي لأسمع همسهما، و لم يزعجني ذلك، إذ كان يكفيني أن أسترق النظر إلى جمال المشهد عن بعد... قصة: صديقتي و لكن... ص.10.

ـ ... و كيف لا؟! وقد ربطتني بها علاقة صداقة.... قصة: يحدث في البنك .ص. 20.

ـ جلست على كرسي أمامي، تقص علي ما رأته في منامها.. قصة: أمل.. ص. 26.

ـ بعد أسبوع تزاحمت فيه الأحداث العامة، و زادت فيه ضغوطات العمل عن حدها المعتاد، كان لا بد من لمة صديقات و جلسة فضفضة في نهايته.. قصة: فنجان قهوة ... ص. 65.

كما نلاحظ من خلال هذه الأمثلة، تتهرب الذات الساردة من التموقع في قلب الحدث كبطلة فاعلة في الحدث و صانعة له، أو مفعول بها ضحية كانت أو مستلبة. فضلت أن تكون شاهدة و مقربة كصديقة.. و هي تقنية في السرد يسميها جرارد جنيه في كتابه Figure III التبئير الخارجي focalisation externe حيث تحكي الذات الساردة من موقع الشاهد على الحدث، عكس التبئير الداخلي focalisation interne حيث يتم السرد باستعمال الذات الساردة لضمير المتكلم ـ أنا ـ لتقحم ذاتها في الأحداث و تتمركز كل القصة حول محورها و إشعاعها.. و عكس التبئير من درجة الصفر focalisation degré zéro لما تحكى القصة بضمير الغائب ـ هو ـ أو ـ هي ـ و كأن السارد يفضل عدم المشاركة الفعلية كشخصية داخل قصة أو رواية ابتغاء للحياد و لموضوعية أكثر مصداقية.

و باستعمال الكاتبة جميلة شحادة لتقنية التبئير الخارجي بتموقع ذاتها الساردة داخل قصص المجموعة كشاهدة / صديقة، تستهدف التأثير على القارئ و إقناعه بأن قصصها ليست من نسج الخيال.. و بأنها الواقع عينه.

2 ـ 2 ـ تغليب الحوار على عنصري السرد و الوصف:

و لأن قصص المجموعة قصص قصيرة، فمن البديهي أن تحترم أهم عناصر تكوينها و بنائها و تميزها، ألا و هو عنصر التكثيف الفني الذي يتيح لنا قراءة مضمون رواية طويلة في بضعة أسطر.. و هو ما يغيب الإطالة في الوصف، فنقرأ مثلا:

ـ خولة، ابنة السادسة عشرة ربيعا، حسناء كأميرات الحكايا، قدها كغصن البان، بشرتها ناصعة البياض صافية، لون عينيها أخضر كلون المروج، أنفها دقق صغير، شعرها داكن أملس، مشيتها رشيقة، وصوتها عذب جميل.. من قصة: ندبة في العنق و احتراق في القلب.. ص. 76.

هو كما نلاحظ ليس وصفا لتأثيث فضاء القصة بغية التزيين لأجل الجمالية و استراحة القارئ من تراكم الأحداث كما في جنس الرواية بقدر ما هو وصف وظيفي ينطلق من بضع عبارات تجعلنا نترقب المضمون من خلال الشكل، لينتهي بقفلة تجعلنا ندرك أن الأهم في نهاية المطاف هو الصوت: ـ وصوتها عذب جميل ـ.. و كأن ملكة النطق / الكلام هي الصانعة للحدث.. و بالتالي تغليب الحوار على الوصف... بل و حتى على أهم دعامات القصة: السرد... ففي قصة: عروس في زمن الحرب.. ص. 57 على سبيل المثال، يغلب الخطاب / الحوار Le discours على السرد La narration، إذ بدلا من سرد حدث أسر جنود إسرائيليين من طرف حزب الله بشكل موضوعي باستعمال التبئير من درجة الصفر بضمير المتكلم الغائب ـ هي تحكي ـ ابتغاء الموضوعية كما شأن أسلوب المؤرخ، عمدت الكاتبة جميلة شحادة إلى استخدام التبئير الداخلي Focalisation interne بتوظيف الضمير المتكلم ـ أنا أرى، أنا عايشت الحث، أنا أحكي... و كأننا أمام حوار داخلي / مونولوج يعبر عن حيوية الحدث و آنيته و مدى تأثر الكاتبة بها و مدى استهدافها التأثير على القارئ، نقرأ:

ـ خرجت أنا و زميلتي عبير من المطعم، و ألغينا فكرة التجول في المدينة و محلات الملابس، لنعود مباشرة إلى الناصرة، فقد تيقنا أن الحرب قد اندلعت، و سيشهد التاريخ بأن هذا اليوم، الموافق 12 من شهر تموز ـ يوليو ـ من سنة 2006 هو اليوم الأول لنشوب الحرب، بدأت بأسر جنود إسرائيليين على يد حزب الله... ص. 60.

و يتنوع الخطاب المباشر Discours direct من استفراد الذات الساردة ـ أنا ـ بالكلمة كما سبق، أو بفتح حوار يتيح تعدد الأصوات كما التالي:

ـ ابني، ابني حبيبي، تركتو اليوم عند حماتي، يمكن هناك سقط الصاروخ...
فأمسكت بها صاحبة الصالون و منعتها من الخروج قائلة لها:

ـ اصبري يا لبنى، استني تنعرف شو صار بالزبط؟ لو كان في إشي عندكو كانو صارو متصلين فيكي... ص. 62.

استعمال اللغة العامية هنا أعطى الحوار حيوية و مصداقية كأن القارئ يعيشه وقت قراءته للقصة..

2 ـ 3 ـ تغييب الحبكة L’intrigue و عنصر التشويق Le suspens مقابل حضور القضية La cause:
من أهم دعامات القصة كيفما كان طولها: عنصر الحبكة أو العقدة Intrigue / Imbroglio، الذي يخلق عند القارئ عنصر الانتظار و الترقب و التشويق و بناء الفرضيات و التكهنات، كما نجد ذلك في خطاطات فلاديمير بروب و غريماس ـ وضعية الانطلاق المستقرة ـ وضعيات الأزمة/ العقدة ـ وضعية الحل و إعادة الاستقرارـ .. لكن الكاتبة جميلة شحاذة في هذه المجموعة القصصية ـ لا تحالف مع لا الشيطان ـ فضلت استخدام تقنية غير تلك التي عهدناها ...

لقد فوضت للقارئ من خلال قصص لصيقة بالواقع ـ أو واقعية فعلا ـ تخيل تفاصيل كل حدث و ما خلفه من أزمات و توقع الحلول الممكنة.. كل قصة أو كما سميناها من قبل:/ كل حالة أو وضعية مشكلة، في حد ذاتها دعوة للنقاش حول قضية من القضايا التي تهم المعيش اليومي للمرأة الفلسطينية خاصة و المرأة العربية عامة.. و كأننا مع إحدى أهم تقنيات المسرح البريختي ـ نسبة لأرتولد بريخت الألماني ـ الذي كان يسدل الستار عن مسرحياته دون حل لعقدة الدراما... لدعوة المتلقي مناقشة قضية الحكاية و اقتراح حلول لها..

هي ذي إحدى ركائز الأدب الفلسطيني.. أدب القضية Littérature à thèse، ليس قضية المرأة فحسب، بل قضية مصير شعب و وطن.