حوار مع بن الورد

، بقلم فائز الحداد

أفق عروةَ بنَ الوردِ قد غالَ غائلُ.. وداجت بنا الأقدارُ والليلُ لائلُ
وأزرى بخلقِ اللهِ قومٌ أراذلٌ .. فتبّاً إذا ما جارَ فينا الأراذلُ
وتدري عبيدُ المالِ قومٌ سوافلُ.. وكم في عبيد المالِ نذلٌ وسافلُ
تبصّر رعاعَ الأرضِ فينا تسيّدوا.. وقامت على كلِّ الرقابِ السلاسلُ
أفق خلفكَ الآلافُ ماتوا تضوّرا.. وساست جموع الجائعينَ الأراملُ
فللهِ درُّ السيفِ إن جاعَ حدُّهُ.. وإن ناحَ في وجهِ الصعاليكِ سائلُ
يشقّون وجهَ الشمسِ قرصاً لجائعٍ.. وتعلو على صدرِ الغمامِ الزلازلُ
فيا ثاكلَ الصحراءَ ما كنتَ طامعاً.. بملكٍ ولا في المالِ لصّاً يخاتلُ
ولا كنتَ في العصيانِ شيخا مغامرا.. ولا في سجالِ الرأي سحتاً تباهلُ
وما كنتَ في سفكِ الدماءِ مقامراً.. ولكنْ لتخشى العقابِاتِ القبائلُ
تعاليت في جوعِ الصعاليكِ ثائرا.. تجوب المنايا في رغيفٍ يقاتلُ
فما أنت إلا في الضراغيمِ ضيغمٌ..وما أنتَ إلا في المطاعينِ باسلُ
وإن كانَ للفرسانِ أدنى رسالةٍ.. سيبقى لنا هولُ الحروبِ رسائلُ
ويا عروةَ الفادينَ تبقى رسولَنا.. فنحنُ المراسيلُ وأنتَ المراسلُ
فللسيفِ أخلاقٌ وللسيف كلمةٌ.. وأعلى خلاقَ السيفِ تبقى الشمائلُ
تنكّبتَ جرحَ الجوعِ في البأسِ باذلاً .. كريماً وما جاراكَ في الجودِ باذلُ
وسرتَ على ضيمٍ، تشدُّ على الطوى .. سروجاً وهولً الفقرِ في الروحِ ماثلُ
تُشاكيكَ قهرَ القحطِ أمٌ تهالكتْ .. وطفلٌ فطيمُ الجوعِ للقبرِ راحلُ
بلغتَ معاريجَ السماءِ بما سمتْ.. لتنقضَّ صقراً والبغاثُ ذواهلُ
فتهوي كومضِ البرقِ في مخلبِ الردى.. وترمي كما تأتي الترابَ المعاولُ
إذا صحتَ تأتيكَ الرجالُ بحملها .. ألوفاً وسيفِ الحقِّ في الناس صائل
فقل يا سَراةَ الأرضِ دكّوا عروشَهم .. ستهوي على هامِ الملوكِ المنازلُ
لنمضي صعاليكاً أباةً وخلفنا ..إلى حيثُ ما شئنا ستمضي الجحافلُ
فسل جبهةَ الصحراءِ إن جُنَّ ليلُنا.. وجنّت باوهامِ الطغاةِ المجاهل
إلى النصرِ نسعى كالنجومِ مهابةً.. وها أنتَ فينا للصعاليكِ عاهلُ
تذودُ عن الأعراضٍ شهماً مهذّبا .. فما نالَ من بأسِ الرجال العواذلُ
أيا أيّها القديسُ في معبد الوغى.. أما حانَ فرضُ الخبزِ والفرضُ زائلُ ؟
نصومُ على ملحٍ ونفطرُ في اللظى.. ومنّا فؤادُ النارِ في الغيظِ ناهلُ
فإذن صلاةَ الخبزِ قد حانَ فجرُها.. لتأتي بقمحِ الجائعينَ المناجلُ
ويا أيها القديسُ غثني بأعينٍ.. تصومُ فصبرُ الخبز إن طالَ قاتلُ
إلى الآن في تقواكَ أحيا كراهبٍ .. وما بيننا عهدٌ وليلٌ ونادلُ
أما زلتَ تحيا العشقَ في وجدِ نارهِ .. وتسعى لماءِ الحبِّ والخمرُ نازلُ؟
تحنُّ إلى ليلاكَ في السلم والوغى .. وتهوى كما تهوى الطيورُ الزواجلُ
فكفُّ تلوكُ الجرحَ في غيهبِ الردى .. وكفٌّ مع الأحبابِ سرّاً تغازلُ
تقرّب أبا الأحرارِ ما كان بيننا .. عذولٌ ولا في الوصلِ قد حالً حائلُ
فما بيننا سودُ المناكيدِ غُصّةٌ.. تصولُ عليها في البروقِ الصواهلُ
أما بان في روعِ المصاريعِ بأسُنا.. نُفُـورٌ عليها القاحماتُ الأصائلُ؟
هي الأرضُ فينا باسقاتٌ شموسُها .. وفينا عنانَ الريحِ زهواً تطاولُ
ولكنَّ روحي في الدماءِ تبرّعمت.. وصاتت عليها بالدموعِ العنادلُ
تشرّينتُ في البلوى، تعرَشتُ في الردى .. وفي كلِّ حربٍ لي لسانُ يجادلُ
فإن كانتَ الأقدارُ يوما تُعيدنا .. لبعضٍ، ستعلو في دمانا السنابلُ
ويخضرُّ في عرقِ الصعاليكِ جذرُنا.. لتمشي على جرحِ الذئابِ الحمائلُ
ولكنّها الأقدارُ شاءت فراقَنا .. لننأى كما تنأى النساءُ الثواكلُ


فائز الحداد

شاعر عراقي

من نفس المؤلف