المدرس

، بقلم أمينة شرادي

كان أخر يوم له مع عائلته في مدينته الصغيرة. الجميع ينط من الفرح والسعادة. فهو أول الابناء الأربعة الذي استطاع الحصول على وظيفة بعد صبر طويل. كان نائما يوم دق أحدهم الباب وسلم لأمه الطيبة رسالة كتب عليها بالخط العريض، اسمه بالكامل وعنوان بيته. أمه لم تفهم شيئا لأنها لم تدخل المدرسة يوما حيث في زمنها كانت الفتاة تبقى ببيت والديها حتى تتزوج.

فهمت من كلام ساعي البريد أنها لابنها. أيقظته وأعطته الرسالة الغامضة. بعينيها بريق يشع أملا وفضولا، لم تغادر سريره الذي فقد ألوانه، وهي تنتظر وتحدق في ملامحه عندما فتح الرسالة وبدأ في قراءتها. طفت على ملامحه ابتسامة صغيرة ثم انفجر ضاحكا وقبل أمه وأطلقت العنان لزغرودة تجاوزت أركان الغرفة الصغيرة. ورقصت على أنغام أمل كان نائما وينتظر فرصته. كم تمنت أن يظفر بوظيفة التي كانت تذهب دائما لأبناء الأغنياء والمسئولين الكبار.

استيقظ باكرا والفرح يستوطن جسده الفتي وروحه الحالمة، يجب عليه أن يصل اليوم باكرا الى مقر عمله الجديد حتى يتسلم وظيفته التي اختارها حبا وشغفا لما لها من تأثير على تربية الشعب. هكذا كان يفكر ويؤمن. انه مدرس، يفتخر ويقولها لكل من سأله عن عمله الذي كان ينتظره. امتطى أول حافلة وكله بهجة وأمل فالمدرس بالنسبة اليه، كما علمه والده المتوفي، يحمل مشعال العلم والنور وبهما يتقدم أي بلد. وصل لأول محطة، سأل أحد المارة عن العنوان المكتوب على ظهر الرسالة ابتسم الرجل وقال له بكل عفوية: هل أنت المعلم الجديد؟ تفاجأ من كونه مشهور لهذه الدرجة وهو لا يدري. ازداد فخرا بكونه معلما. أجاب بكل ثقة وقال: نعم. طبطب الرجل على كتفه وقال له:

- المدرسة التي عينت بها تبعد عن المركز ب 100 كلم. ويجب عليك أن تنتظر الحافلة التي ستذهب الى هناك ثم ... تغيرت ملامحه واختفى الحماس وشكك في كلام الرجل ومن أين له أن يعلم كل هذا. طلب منه أن يستريح من عناء السفر لأنه مازالت الطريق أمامه طويلة، وشرح له بأنه ابن المنطقة ويسكن قريبا من الدوار الذي توجد به المدرسة. وأنهم منذ مدة وهم بدون مدرس نظرا لصعوبة تضاريس المنطقة خصوصا في فصل الشتاء.

انزوى أحمد جانبا كأنه يعيش كابوسا. وحاول بقوة طيبته وأمله أن يبدد كل الصعاب ويقنع نفسه بأن دور المدرس هو التضحية من أجل تربية جيل بكامله حتى تتقدم البلاد وهو مستعد من أجل أن يضحي بنفسه في سبيل شعب مثقف وواعي. انتفض كالديك الجريح ودفع من فمه كلاما وقال:

- لا يهم. أنا أقوى من كل الصعاب.

سلم عليه الرجل الذي التقى به عندما وصل وتمنى له مقاما طيبا. طال انتظار الحافلة الثانية، وصلت وصعد اليها وارتمى على أول كرسي وجده أمامه ونام بدون أن يفكر.

حل المساء على المنطقة الجبلية، سكون قاس الا من بعض الأصوات الحيوانية لم يعرف مصدرها. أين هي المدرسة؟ أين سأنام؟ ما هذا العالم الغريب؟ التفت حول نفسه وتداخلت الأسئلة برأسه واستولى عليه خوف المكان ووحشته. كان هناك نور يتلألأ بعيدا خافتا من احدى الدور. قصده والرهبة تكبل خطواته ويتمنى أن يجد أحدا حتى يرتاح. نام تلك الليلة عند أحد السكان وفي الصباح الباكر، التحق بالمدرسة التي توجد في الجهة الأخرى من الدوار.

بناية صغيرة، بها قسم واحد. ويحيط بها فراغ قاتل. من اجل جلب الماء، لابد له من نصف يوم حتى يصل الى البئر الوحيدة التي تزود كل الدوار. تتراءى أمام عينيه مسالك صغيرة متفرعة الى عدة اتجاهات لكن لا أثر للإنسان ولا الحيوان. ذهل للأمر واعتقد انه أخطأ العنوان.

أحمد طيب وجميل الخلق، تشبع بروح التضحية وحب الوطن رغم أنه كان يعلم بوجود من يسرق له رزقه كل يوم. لكن طموحه اللامحدود جعله يحب عمله وينسى كل الصعاب. لما كان ينتهي من عمله، يجلس في مدرسته الصغيرة أو قسمه وحيدا. ليس لديه سكن فسكنه هو مقر عمله. لا يكلم أحدا. إذا أراد أن يذهب الى السوق، عليه أن ينتظر أحدا من أهل الدوار لكي يصطحبه معه ويضطر الى ركوب الحمار وراءه. يذهب صباحا ولا يعود الا عند المساء. النجوم تصاحبه في وحدته. مرت عدة أشهر وهو يستحمل. لم يستطع أن يسافر الى أهله وسط السنة، لأنه ما يحصل عليه من نقود في نهاية الشهر، يرسل بعضا منه لأمه واخوته والباقي يعاند به قسوة الحياة ووحشة المكان. عليه انتظار العطلة الصيفية. بدأ اليأس يتبدد الى نفسه المرهفة، حدث يوما نفسه بصوت عال كأنه يكلم والده" لم تقل لي يا أبي أن التضحية ستتطلب مني أن أدفن وحيدا. سأجن يا أبي. تلاميذي الذين أحبهم، انهم فقراء مثلي وبؤساء مثلي. أظل وحيدا مع الجدران وأصوات الصمت الرهيبة. الثمن غالي يا أبي. أنه غالي جدا."

ظل أحمد صامدا رغم قساوة العيش وضرر النفس. يريد أن يساعد أبناء وبنات بلده وينتشلهم من الفقر والعوز. حتى لا تسرق أرزاقهم وتذهب الى الجيوب الواسعة والبطون الكبيرة. فكر مليا في حل لوضعيته ولوضعية أهل الدوار، لأنهم يعيشون منبوذين عن العالم الآخر الذي أتى منه هو. عالمه فقير ويعيش على بقايا أصحاب المعالي. لكن عالمهم لم يجد حتى الفتات. قرر أن يكاتب الجهة المسئولة ويطالبها بالاهتمام بأهل القرية، لأنهم محرومين ومنبوذين وطيبين. وحقهم أن يتعلموا ومن أجل تحقيق ذلك، لا بد من تأهيل المنطقة وحتى يشعر المدرس بأنه يمتهن بالفعل أنبل مهنة. طيلة السنة الدراسية، وهو يحارب كمن يحارب الطواحين الهوائية. لا جواب من أية جهة. الا في يوم من الأيام، جاءته رسالة سلمها له أحد السكان الذي كان عائدا من المركز، فتحها وكأنه حصل على كنز. نفس البريق يوم جاءته رسالة تبشره بالوظيفة. تقول الرسالة "أنت مهمتك التدريس فقط. لا تتعدى حدودك وليس لك شأن بأهل المنطقة. أنتم أصحاب التعليم لا يأتي من ورائكم سوى صداع الرأس." اختفى بريق عينيه وتوارت الابتسامة خلف ملامح حزينة وتذكر ساعتها كلام أبيه له لما كان صغيرا عن مهنة التدريس وملامح وجهه تتمدد وتتقلص «أشرف مهنة وأنبلها لأنها مصدر العلم والمعرفة. ومن يمتلك سلاح العلم والمعرفة لن ينهزم أبدا". انتهت السنة الدراسية وانتهى معه عمله بتلك المنطقة، بحيث أخبر بأنه انتقل الى منطقة أخرى أقرب الى المدينة من المناطق المعزولة.


أمينة شرادي

قاصة من المغرب

من نفس المؤلف