أنا كاندل...

، بقلم عبد الجبار الحمدي

يسكنه الصقيع، يكاد يقرم اصابعه الصغيرة تلك التي يخرجها من كفوف جوراب قديم، فقد والديه في حادثة لا يتذكر كيف حصلت؟ تلقفته بعض أيدي الرحمة حيث تبنوه، بات صبيا طلبوا منه أن يكسب لقمته التي يأكلها معهم، إمرأة هرمة ورجل عجوز كسيح هما من سَكبا كأس الرحمة عندما وجداه على جانب من الطريق وقد غطته الثلوج المتساقطة في ذلك المساء، لولا بكاءه لما كانت تكتب له الحياة فأطلقا عليه أسم كاندل، يحمل عدد من اصابع ومكعبات الشمع ليبيعها إنها عمل يدوي خاص أعتاد الرجل العجوز وإمرأته ان يتخذاها صنعة رافقتهم وبال بؤس زمن مابعد الحرب وظلمة التعتيم، في كل شهر يجلب لهما رجل مُحسِن شحما يمكنهما العمل عليه لصناعة الشمع الذي كان ضرروة للفقراء مثلهم، يقف كاندل قرب النافورة المعتمة الجانب التي يحب، حيث تجمدت مياهها واسطكت كأنها شجرة عيد الميلاد، أما الجانب الآخر المضيء منها بمصابيع عمشاء فلا يقرب منه، يقوم بإيقاد شمعة يحفها عن الإنطفاء وهو ينادي شمع للبيع، أشتروا ما يمكنه ان يغير من ظلمتكم البائسة، إن الحياة بكل أجواءها حالكة الأتون فلا تقطنوا بداخل عتمها هيا أشتروا مني أنا كاندل المثال الحي للضياء... رغم صغر سنه إلا أن بقاءه وعيشه مع العجوزان اكسباه خبرة الحديث، فهما قد مرسا في وقت ما البيع والشراء، فسقوا كاندل الوسيلة، صبي ألمعي سريع البديهية، يحاور دون ان يدرك أن مفرداته وضياء وجهه وشعره الأصفر هي أدوات الجذب وإن كانت قليلة، يجلس الى جانب سياج النافورة المستديرة في باحة كبيرة وسط منازل متهالكة نتيجة قصف عشوائي، مسافات مترامية يرى الصمت حين يهجم عليه مع صقيع البرد، الريح تصفر تطفيء شمعته كأنها أستلت نصلا كي تزرعه في باطن جرأتها التي تتحلى بها... يكره الظلمة التي يبيع بها، غير أنها مكان رائج لمن يراه مع الشمع المضيء، فقاصديه أكثرهم تتعبهم المسافة والبرد القارس عن الذهاب بعيدا لشراءها من المحل المترامي.. كما ان حالتهم لا تسمح بشراء أكثر من شمعة او شمعتين على لاأكثر... إعتاد وسيلة بيع شمعتان بسعر الواحدة، فارق عن ذلك المحل، لذا كان يعلم وجوه زبائنه وأشكالهم، متى يجلب معه كمية من الشمع ومتى يقتضب عنها، فجأة أطفأت مصابيح أعمدة النور العمشاء في الجانب الآخر من النافورة، حل الظلام، اندس الصقيع تحت جنحه رغم أن السماء قد أخذت تدفع بالريح كي يرسل زمهريره بشكل قاس، إبتهج للوهلة الأولى كاندل، لكن سرعان ما اختفت البهجة عندما أوقعته الريح، أطارت علبة الشمع التي يحملها.. سارع الى لملمة ما لا يراه، دفع بيده حيث سمع وقع صوت علبته، لم يكد يتزحزح عن مكانه حتى أشتدت الريح عاصفة بالمكان، تبخر كل شيء، إلا هو فقد عجز عنن الحركة، حاول ان يشعل شمعة ليرى بصيص حركة او طريق لكنه عجز تماما، تسرب الرعب الى نفسه لملم ما استطاع دندن تلك الاغنية التي تغنيها من ربته حين يخاف او يمرض، تسارعت ضربات قلبه لتعرب عن خوفها هي الأخرى، نفخ في باطن الجوارب كي يدفع بزفيره الساخن حيث أصابعه، خرج الزفير متهدجا هو الآخر، إلتصق بسياج النافورة، حاول جاهدا الوصول الى الاتجاه المعاكس للريح ليأمن صفاقته وذمامة خلقه... عليك اللعنة!.. إنك لا تفرق بين طفل يتيم ورجل مخمور او متشرد، هكذا علمتك التعاسة تهاجم البؤساء من الناس، أما الذي حول مدافئهم يعمرون بالضحكات تخاف حتى أن تطرق بابهم، أين عدالة السماء لتقتص منك ومن القدر الذي جرعني اليتم، الحرمان دون حتى أن يوضح السبب؟ لولا رعاية في لحظة نسيان من السماء لما عطف علي من احتضناني لحظة شفقة أو ضعف، هكذا دائما هو شعوري وقد صارحتهما بذلك، أخذا يبكيان لما سمعا قولي، اعتذرت كثيرا من سوء وقلة أدبي وظني، قَبلتُ اياديهما التي لولاها لكنت في عالم الموت الذي لا يختلف كثيرا عما انا فيه... لحظات مرعبة تغلب عليها بدندنته العالية ليطرد شبح الخوف حيث يردد... أنت صغيري رغم كل شيء، ولدتك دون إرادتي لكنك أمنيتي التي حرمت، عش لحظة السعادة فالحياة مليئة بالتعاسة هيا يا صغيري كاندل إبتسم للحياة.. تحرك قليلا نحو الأمام، أصطدم فجأة بأقدام شخص ما!! صرخ الرحمة لا زلت صغيرا... لا أملك أي نقود لكني أملك هذه الشموع، يمكنك اخذها وتركي فأنا فقير أعيل والداي بالتبني وهما عجوزان كبيران... اتوسل إليك لا تقم بإيذائي

فجأة أضاء الرجل مصباحه اليدوي الذي كان يحمله في وجه كاندل، اضاء كالمصباح وجه كاندل والهلع يرتسم عليه، لقد جاء الرجل من الجهة البعيدة التي باتت خلف كاندل بعد أن استدار ليقي نفسه الريح العاصف.. هاهو أنت إذن الطفل الذي يبيع الشمع، لقد سمعت عنك كثيرا، إنك المنافس لي في بيع الشمع، لقد قل زبائني من الورود على شرائه، فحين سألتهم قالوا.. أن هناك صبيا يبيع شمعتين بسعر الواحدة من عندي.. ايها الملعون هنا تقتنص الزبائن إذن في الربع الأول من المسافة البعيدة...

كاندل لا ياسيدي!! كيف لي أن افعل ذلك؟ أنافسك ومن اكون حتى أكون ندا لك؟ إني ورثت اليتم إضافة الى أعالة من وجدوني مرميا على قارعة الطريق، إنهما عجوزان هرمان يصنعان الشمع وأنا ابيعه لكي نعيش في زمن ألزم نفسه أن يعاقب الفقراء، يحرمهم الطمأنينة والعيش الكريم، هكذا هو العالم ما بعد الحرب يدفع ثمنه الأبرياء والفقراء وكثرة اليتامى، أرجوك سيدي لا تؤذيني لقد أكل البرد من أطرافي ولم ابع أي شمعة حتى اللحظة.. خذ هاك كل ما لدي، أعدك بأن لا اتواجد في هذا المكان ابدا مرة أخرى، فقط دعني لا... بل أمسك بي لأستدل بضياء مصباحك طريق العودة الى الكوخ الذي اعيش سيدي إنه هناك في ذلك الإتجاه.. لم يشعر كاندل بنفسه وهو يبكي متضرعا من ان يعيده الرجل حيث اشار له عن مكانه، سقط مغشيا عليه..

دَبَ الدفئ الى أوصاله، أخذ يتحرك وقد ضم نفسه الى بعضها البعض وهو يقول: شمع للبيع إشتروا ما يغير ظلمتكم البائسة أشتروا مني أنا كاندل..

المرأة العجوز: حمدا لله كاندل صغيري افق هل انت على ما يرام؟

الرجل العجوز: يبدو انه بخير إنه ولد جلد وشجاع

فتح عينيه ليجد ذلك الغريب فوق رأسه مبتسما، لقد اخفتني يا ولد أعني كاندل، لحظتها شعرت بأني أنا المسئول عما جرى لك، لم أستدل في بداية الأمر مكانك، لولا هذا المرأة العجوز وجدتها في طريقي، سألتها عن مكانك.. تفاجأت حين رأتك بين يدي، جَنت!!! لكني هدأت فزعها وجلبتك حيث أنت...

كاندل: شكرا يا سيدي لقد أنقذت حياتي وأنا مدينا لك.. أعدك بان لا أبيع الشمع عند تلك النافورة مرة أخرى أبدا، سأبحث عن مكان آخر كي لا أنافسك في البيع

ههههههههههههه ضحك الرجل طويلا عندما سمع رد كاندل فقال: اتعدني بأن لا تفعل
كاندل: نعم أعدك سيدي

الرجل: إذن عليك في المرة القادمة ان تبيعها عندي في محلي حيث أني سأقوم بشراء كل ما يصنعه والداك وتكون عاملا عندي بإجرة يومية ماهو رأيك؟؟

تفرجت أساريره، قفز عن مكانه شاكرا الرجل السيد حُسن تقديره وإحسانه، فعلق قائلا: وهو ينظر الى والديه بالتبني لقد انقذت حياة من انقذاني من الموت، سأكون مدينا لك عمري أنا كاندل وما حييت سيدي شكرا لإحسانك.


عبد الجبار الحمدي

قاص وكاتب عراقي

من نفس المؤلف