الرواية الجزائرية الجديدة ونقد الخطاب الديني رواية الغيث لمحمد ساري أنموذجا

، بقلم زياد بوزيان

مقدمة

ـــ بقيت الرواية الجزائرية ردحاً طويلاً من الزمن تطغى عليها الإيديولوجيا ٬ في سياق مجتمع اشتراكي ماركسي استمر حكيها لتاريخ الثورة بسنوات غير هينة بعد اﻹستقلال ٬ إلى ﺃن ظهرت ﺃقلام روائية مميزة و واعدة بعد مرحلة التنمية اﻹجتماعية ؛ ﺃخضعت المسلمات التاريخية و السلوكات الشخصية البطولية ٬ وغيرها من القناعات التاريخية المتعالية الكثيرة الموروثة ﺃو المرتبطة بتأثر الذات بأدب ما بعد الكولونيالية للسؤال. في الوقت الذي ﺃصبح المعنى الجمالي للثقافة (الثقافة العالمة) يؤكد عبر الفنون على الخصوصية الثقافية ، منذ نهاية التسعينيات و بداية الألفية الثالثة ، التاريخ الذي شهد إنتشار أسلوب ما أصبح يعرف بالرواية الجديدة ، و أسلوب تيار ما يعرف ﺑ "ما بعد الحداثة " في كتابات الروائيين الجزائريين خاصة الهواة منهم ، منذئذ أصبحت الرواية عندنا تطرق موضوعات الهوية المرتبطة أساسا بالدين و العرقية / طبقية والنسوية/الجندر وهو ما وقفت عنده الناقدة العربية شهلا العجيلي في قولها : « ولم يعد العمل الفني تعاليا على هذه الهويات كما كان في مرحلة اﻷدب المتمخض عن اﻹستعمار ٬ حيث تحول التوافق بين طرفي الجدلية الثقافية الجمالية واﻷنثربولوجية إلى تنافر وصراع »[1]
لعلّ ٳرتباط الأخلاق بالدين عند المسلمين هو شيء بديهي أما إنفكاكها عنه تدريجيا عند اﻵخر الغربي غير المسلم ٬ « حيث تكون بشرت في الخمسينيات الأستاذة مارغريت نايت ، أستاذة الفلسفة في إحدى الجامعات البريطانية بمفهوم أخلاق بغير الدين moral religion without ، كي تصبح مبادئ أخلاقية علمانية تتولى تنظيم العلاقات بين الناس لتحل محل الدين بالمعنى المعروف » [2]؛ و واكب طبعا المستقبل الذي كانت تتحدث عنه الباحثة العصر الذي نعيشه ، أي العولمة و أصبح واقعاً تمارسه أمريكا و الغرب ضد الإسلام ، بعد أحداث 11 سبتمبر2001 داعية ثقافة العالم الإسلامي إلى اﻹنفتاح على ثقافات العالم ، و تحرير المرأة وحرية التعبير وكل ما يكفل حقوق و كرامة الإنسان ، و كأنما التجربة الأخلاقية / الدينية كمفهوم مجرد هو بمثابة القفا لوجه ورقة يكون وجهها هو الجانب المادي/ النفعي في أي تجربة إنسانية للتلازم الجدلي[3] بينهما ؛ بالفعل فقد كان ظهور موجة مقاومة العولمة والغزو الثقافي في آداب الشعوب الإسلامية المهددة في هويتها ، منها الجزائر، عن طريق السرد الروائي قد بدا و تجلى شأنه شأن ضروب الفنون الأخرى ، داعية إلى مقاومة ذلك الغزو وتلك الإمبريالية الجديدة ، بالعودة إلى الأصالة و التراث ، عن طريق صون وضبط أخلاقنا ضد متغيرات الزمن و الوقوف سداً أمام "وكلاء اﻵخر"، من شعراء و روائيين رواد في تطبيق تلك المناهج الغربية ضمن السياق المحلي ، كأدونيس في المشرق العربي الذي « ربط الثابت بالدين و ربط المتحول بالخروج عنه"[4] معتقدا ﺃن « الإسلام هو سبب مباشر وراء رداءة الشعر وإنحطاطه (..) وﺃن ظواهر الطبيعة بما فيها القيم الأخلاقية هي في تحول »[5]، وكل من هشام جعيط وعبد الله العروي في المغرب العربي، غير أن رد فعل المتخيل السردي عندنا تفاعل مع حروب أمريكا ضد الإرهاب ؛ مجربا ، مجدادا ، متناصا مع التراث و محاكيا للخطاب الصوفي ، فكنا أمام نخبة مثقفة ثقافة صوفية كالطاهر وطار وعمر بن قينة ومحمد مفلاح وغيرهم ٬ لترافع من أجل قيم ٳجتماعية ـــ ثقافية ﺃصيلة عن طريق القصة و الرواية ، وتذود شخوصهم عن عادات وتقاليد المجتمع الجزائري في وجه "الغزو الثقافي" العولمي الذي بدأ ممثلوه الروائيون الحداثيون تنفيذه من فرنسا وأوروبا متّخذين من الطاهر بن جلون ومحمد ديب قدوة لهم ، منهم بوعلام صنصال وسليم باشي وغيرهم ٬ حتى ممن يكتبون باللغة العربية تحت ذريعة التفاعل الحضاري مع العولمة والعقلانية الغربية ، فشهدنا مع مطلع القرن ال21 إحتدام جدلي لخطاب روائي جديد أحدها يمتح من التراث والأصالة في مقابل آخر يجعل من العلمنة والإنفتاح الثقافي عنوانا لكتاباته.

إن هذه العلاقة الجدلية بين الروحي والمادي/الجسدي ، التي مثلت لها بوجهي ورقة أو عملة ؛ في نفس الوقت هي إستكناه لجمالية النص الروائي الجديد ٬ بتوظيف فني لعنصري الشخصية العالمة المقابلة للشخصية الغير العالمة ٬ و جماليات الجسد لدى ﺃرمدة من الروائيين الجزائريين الشباب مركزين على « الشخصية العابثة بهويتها (رمزية العبث بالجسد) : مصادر ثقافتها هي ثقافة الا᷃خر و الشخصية كمرتكز للحفاظ على هويتها التي مصادر ثقافتها تراثية »[6]. و مع كلا الشخصيتين نلفي حضور قيم الأصالة المتمثلة في البطريركية[7] .

ــــ يقول عبد الله الغذامي عن النقد الثقافي « ﺃنه نظرية ومنهج في الأنساق المضمرة أو المعتقدات الذهنية العميقة باعتبارها نماذج راسخة ومنظومة فكرية ثابتة ، ذات أثر في النصوص الثقافية، والجمالية بالذات ، تتولد منها هذه النصوص بالضرورة و يمكن القول بأن النقد الثقافي استعمال للأدوات النقدية لنقد الخطاب الثقافي وكشف مجموعة الأفكار المتآزرة والمترابطة التي تتمكن في الأعماق، وتؤثر بشكل حتمي في الفعل الجمالي والثقافي ، حتى تصبح ذات وجود حقيقي يمثل الأصل النظري للكشف والتأويل »[8] ومفاصل هذا النقد هي:
1- أنه "نسق" يمكن ﺃن يحدد هذا النسق عبر وظيفته ، وعمله وأثره ، وليس من خلال وجوده المجرد.
2- إنه نظام بنوي بمعنى أن له بنية متآزرة كامنة في أعماق الخطاب الثقافي و هذا النظام له وجهان أحدهما ظاهر و الآخر مضمر.
3- إن الوظيفة النسقية تظهر في النص الجمالي خاصة : كالشعر والقصة، وتظهر في غير الجمالي أيضا.
4- إن الدﱠلالة النسقية المضمرة موجودة أزلية راسخة لها الغلبة دائما.
5- إن الوظيفة النسقية لها جبروت رمزي يقوم بدور المحرك الفاعل في الذهن الثقافي وهو المكون الخفي لذائقتها ولأنماط تفكيرها وصياغة أنساقها المهيمنة.
6- النقد الثقافي بمنهجه الموصوف وأدواته المذكورة وأسسه هو عبارة عن رؤية شمولية معززة بآليات ثقافية ونقدية ، تستعمل فيه أدوات النقد من مثل: المجاز الكلي، التورية الثقافية، المجمل، الكلي، المضمر، الكناية.
7- بما أن الأنساق المضمرة هي صلب النقد الثقافي وبما أنها حتمية فمجموعة المثقفين و المبدعين ليسو سوى (كائنات نسقية)٬ ومهما كانت قرارات الثقافة الشخصية الذاتية لدراسته فإنها لا تملك القدرة على إلغاء مفعول النسق، لأنه مضمر من جهة، ولأنه متمكن ومنغرس منذ القديم وكشفه يحتاج إلى جهد نقدي متواصل ومكثف.
8- المراد بالنقد الثقافي كشف المخبوء تحت أقنعة البلاغة والشعر والنص الجميل ولذلك كان من مطالب أصحابه إيجاد نظريات في (القبحيات) لكشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي والحس النقدي[9].
ـــ تحليـــل رواية الـــغـــيـــث[10] على ضوء النقد الثقافي
 نحاول الكشف عن اﻷنساق الثقافية المضمرة في خطاب رواية "الغيث" ونستجلي بنيتها الجمالية ( جمالية السرد) وفق جماليات التحليل الثقافي.
 1 ـــ الخــطاب
الخطاب هو فعل التلفظ من طرف متكلم وفق صياغة و نظام ما ، قصد التأثير في طرف ثاني، ألا و هو المستمع، و« هو الوعي البياني عند علماء الكلام والأصوليين عموما .. نظر إليه بوصفه جنسا خاصا من الكلام (...) يعرّف الخطاب بأنه الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيئ للفهم ، وهذا يقتضي أنه الكلام الموجه توجيها مباشر من مخاطب بعينه لتحقيق غاية بعينها، هي إفهام ما هو متهيئ لفهمه[11] «الخطاب نظام ، يقتضي بدوره أنظمة أخرى تدخل في تركيبه ، « يمكن النظر إلى الخطاب بوصفه إسترتيجية التلفظ ، أو بوصفه نظاما مركبا من عدد من الأنظمة التوجيهية والتركيبية والدلالية والوظيفية ( النفعية) التي تتوارى أو تتقاطع جزئيا أو كليا فيما بينها»[12]
ربط ميخائيل باختين الخطاب بالخبرة لذاتية المتلفظة ، والتي هي في حد ذاتها بنية اجتماعية، ونظر للخطاب « بوصفه تلفظا يمكن وصفه حسب تودوروف بأنه عبارة عن حدث اجتماعي، وليس حدث فرديا ، وهو حدث اجتماعي لأن الذات المتلفِظة وإن بدا عليها أنها مأخوذة من الداخل ، إلا أنها تعد بصورة كلية نتاجا لعلاقات متداخلة»[13]
أما الخطاب الديني: فيراد به ما يصدر عن رجال الدين من أقوال أو نصائح أو مواقف سياسية من قضايا العصر ويكون مستندهم فيها إلى الدين الذي يدينون به[14].
يتمثل خطاب رواية الغيث الهوية الدينية الوسطية المنفتحة على اﻵخر ويذم الفكر السلفي في الوقت ذاته ينقد تحول التصوف إلى انتاج البدع والخرافات وإلى احتضان الزاوية للسلفية المتابعة أمنيا ، بالتالي الزج بالصوفية في الجزائر إلى المعترك السياسي وقد تجلىّ عبر متضادات نسقية ثلاث: نسق السلطة الأيديولوجية (المسيطر) ونسق المجتمع الأصيل ( المحايد ) و نسق الإسلام المتطرف الغائب : 
1.1ـــ تحقيق الذات وفضح النسق المسيطر[15]
الحكاية الأولى في الرواية هي حكاية الشيخ امبارك سيد ضريح الولي "سيدي المخفي" أحد أحفاد الرسول (ص) ، لكن الراوي يعلن صراحة أن النسوة أصبحن يقصدن هذا الولي في مزاره ليحييهنّ من الموت ويردُّ عليهن العقم في ، و"الوالي" الاسم العامي للوليّ في تقاليد المجتمع الجزائري شخصية محترمة لا يجوز إلصاق هذه الأوصاف بها ، إلاّ إذا كان المعنى خرج عن المألوف ؛ هذا المألوف هو نفسه النسق المضمر قبل مرحلة التعددية واقتصاد السوق في الجزائر ، فمن كان في مرحلة التسلط يجرأ على الوقوف ضد القاضي أو رجل الدين الذي له سلطة تضاهي سلطة رئيس الدائرة؟، غير أن محمد ساري يبني شخصيتا الرواية المفارقة : "نايلة" المتحررة وإبنها "المهدي" أمير جماعة إسلامية مسلحة ، حيث بإنصياع الشيخ امبارك لرغباته و زواجه من "نايلة"، ثم لا يضبط سلوكها المشبوه ٬ ويجعلها تتدخل في أمور الرجال ٬ هو بمثابة إدانة من الكاتب لهذه الفئة (اﻷولياء) التي طالما عدّت ﺃخيار المجتمع ، وأكثر من ذلك يجعلها في مرتبة نايلة الساقطة جاعلاً دور البطولة لأبنها "المهدي" الحامل لفكر تكفيري سلفي[16]، كما أن وفاة الولي في وقت عصيب ؛ سيجعل الكاتب (عبر الراوي العليم) يتابع مسلسل إتّباع "نايلة" للهوى لأنها ستتزوج من عشيقها أعمر حلموش خفية ٬ وتقع فريسة لسلسلة من الإغتصابات في المدينة وتصبح مومساً هي وابنتها ليلى.

ولعلّ الكاتب إلتمس بحرية تناول تابو الجنس / جماليات الجسد في المجتمع المحافظ لتعرية الحقائق التي كانت تعيشها الأسر الجزائرية أثناء الثورة ٬ أو بعدها ٬ فهو بمثابة إدانة وفضح المسكوت عنه في فترات السابقة للإنفتاح الليبرالي ، ثم يجعل نهاية أسرة الإنحلال والزنا هذه على يد أحد أفرادها ، الإرهابي المهدي الذي يتسبب في مقتل أمه وشقيقته طبقا للشريعة ، ولعلّ وصف ممارسة "نايلة" للجنس في الغابة وخيانتها للشيخ امبارك ثم تبني "نايلة" هتك عرض المجتمع المحافظ بجسدها وجسد ابنتها الزانية ٬ هو بمثابة إدانة للنظام السلطوي ﺃنذاك ٬ وتحقيق لذات المثقف التواقة إلى التحرر من نسق السلطة المسيطر اﻹستبدادي ؛ السلطة التي تشتري ذمة الولي والفقيه معا لأجل الإبقاء على المصالح المشتركة بينهما :» ٳن السلطة المستبدة استطاعت ﺃن تسلبه دوره التاريخي عبر المنح والمنع..»[17] كما هو انفجار للمكبوتات لدى فئات الشعب الفقيرة المقهورة ٬ وعلى يد الثقافة الجمالية في مواجهة نقدية صريحة للتمظهر الديني والثقافة الأنثربولوجية : من جهة تعبد مستمر٬ ومن جهة ﺃخرى استعلاء وطبقية وتفسخ أخلاقي يتم تحت ﺃجنحة الظلام : « سحرت العبادة عقول الناس ، غاصت المساجد بالمصلين ٬ جاءوا من كل اﻷحياء و الدشور واﻷزقة مطأطئي الرؤوس ٬ قلوبهم مرتجفة يطلبون المغفرة .. لا تخدعكم المظاهر و سرعة اﻹنفعال ٬ التوبة مؤقتة »[18] حتى وإن بدت في ثوب تقريري ورؤية ذاتية واضحة وهي إنتقاد منطقي للسلفية ومناقشة السلوكات الدينية : « أضحت الشوارع حزينة .. في غياب النساء ما فائدة اﻹعتناء بالمظهر اﻷنيق »[19] ؛ كشفت جماليات السرد عن تقنية رؤية الراوي من الخلف و هو الغالب ، ولعل ذلك يشي مع محمد ساري ميلا ذاتيا واضحا لكشف عيوب نسقية٬ بينما تقول فاطمة زيراوي عن ذلك : « .. فإننا ننطلق من أن (الذاتي) لا يكتسي دوما صفة سلبية ، كما أن (الموضوعي) ليس دوما ذي صبغة إيجابية (..) فإن الذاتي لا ينحصر في الكتابة عن الغرام بل حتى في الكتابة عن الآخرين»[20]. كما أن نظرة المؤلف الذاتية هاته إزاء السلفيين تمتح هويتها من نظرة تقاليد المجتمع الجزائري الأصيلة إليها أيضا ، كما يتجلى في الحوار التالي بين المهدي و صديقه الأصولي سليمان، كانا يتجولان في الحديقة وإذا بهما يلاقيان طالبة فاجرة « ــ هذه أرض الإسلام ولا نسمح لكلاب ضالة بأن تدنسها بالفاحشة والرذيلة.
ردّت الفتاة بازدراء :
ــ أنتم الكلاب الضالة... تقضون وقتكم في حراسة سلوك الناس وتتدخلون فيما لا يعنيكم.
تقدّم سليمان نحو الفتاة ، رافعا يده في محاولة لصفعها. لكنه لم يفعل.
تحرّك الفتى للدفاع عن عشيقته، قائلا :
ــ احترم روحك يا سي... راك قدّام امْراة...
قهقه سليمان بازدراء وقال :
ــ هذه القحبة الفايْحَة امرأة! المرأة المحترمة تبقى في بيت أهلها ولا تمارس العهر في وضح النهار وأمام الملأ »[21]
2.1 ـــــ نقد ثقافة الكرامات 
إذا كان الفرد الأول من عائلة الفقيه قد كسر المحظور( التابو الأخلاقي ؛ تقول عنه زوجته نايلة التي خانته دون ندم وهو والي « لم يكن فحلا مثلما كان سي اعْمر، ذاك الجواد الأصيل، إن أتى امرأة، أنساها في كل الرجال») فإن الفرد الآخر و هو المهدي ابن الولي الشيخ امبارك من نايلة ٬ أصبح أمير لجماعة التكفيرية ٬ فتتبع من خلاله الكاتب تحول الخطاب الديني بالجزائر منذ الاستقلال ثم تبلوره في الثمانينيات ٬ ليمرّر من خلاله خطابا ثقافيا مفاده أن العصابات الإرهابية ابن غير شرعي للطرقية والزوايا المنتشرة بكثرة في ربوع الوطن : يقوم من خلاله بكسر اﻹعتقاد الراسخ أن الكرامة الصوفية حالة ثقافية متأصلة تخالف تصور الجهادية السلفية [22] للإسلام والعلاقة معع اﻵخر، أراد أنها يمكن ﺃن تقع في أخطاء فادحة كالتي وقع فيها الشيخ امبارك ، فشخصية المهديي حاولت متأسية بالخطاب السياسي الديني ﺃنذاك٬ أن تسخّر تكوينها الصوفي في الزاوية : زاوية سيدي المخفي الولي الصالح المشهور بمنطقة غليزان ، لركوب موجة الأحداث السياسية والوصول إلى مصاف الإرهابي المهاب مثل "ابن تومرت"٬ الذي نكّل واستباح حتى دالت له دولة الموحدين ، ويفعل ذلك تحت وهم أن مجتمعنا الحالي يشبه مجتمعات العصور الوسطى، يسهل قيادته إلى الدولة الإسلامية تحت حكم الشريعة السلفية ، لكنه يفاجئ بعبثية أعضاء جماعته وعدم قدرتهم حتى على اﻹنضباط الأخلاقي، وما بالك بتنفيذ مشروع اﻹهتداء بحياة "المهدي ابن تومرت"، فيستنجد بالمهندس المغترب سليمان مرواني للحصول على الكرامة اللازمة ٬ كي يتبوﺃ درجة دينية تؤهله لبدء مشروع تطهير المجتمع من البدع ، وإقامة شريعة قطع الأيدي و رجم الزانية في بلدة عين الكرمةة بالشرق الجزائري ؛ « فالتاريخ والتراث في نظر هؤلاء (السلفيون) صفحة ناصعة البياض يجب إستعادتهما٬ و هما الحقيقة المطلقة التي يجب الإشادة بها (..) هذه النظرة إضافة إلى خطئها فإنها مستحيلة التحقق أيضاﹰ. فالماضي ليس وضاءا بهذا القدر٬ وليس خيرا كله»[23]، فالمهدي يفشل تقنيًا في اكتشاف السر الذي تركه والده وهو ممر سري إلى مكة المنورة عبر ضريح سيدي المخفي فيُصاب بالجنون .

 وينجح محمد ساري في تمرير خطاب ثقافي غير مغال الهجونة الثقافية ، مقارنة بنصوص جزائرية مشابهة/عجائبية أو صوفية ، كونه يطرح التساؤل حول إنتهاز الفكر الخرافي الفرصة للتسلل بين ضروب الأقببية و الأضرحة المعزولة في المراحل التي تغفل فيه الأعين مكرساﹰ التمذهب المكرس للتخلف : « تذكر تلك الليلة الشتوية التي صادفه الرجل داخل الضريح وحدثه عن نفق يشق اﻷرض إلى غاية مكة المكرمة »[24] مساهما سلبياﹰ في الأزمة الأمنية التي شهدتها البلاد بعد 1992 (مع جمعيات الوعظ وٳقامات الطلبة[25]) ، كل ذلك عن طريق الخروج عن النسق الرسمي الذي يضم المثقفين والنسق الشعبي معًا لجيل الثمانينات ؛ كما يقول علي حرب : « بإدعائهم تمثيل العقل واحتكار الحقيقة ٬ كان ثمنه عزلة النخب وتخلفها عن المجتمع ٬ فضلا عن إنغلاق العقل و جمود الفكر»[26] والنسق الشعبي لهذا الجيل المنضوي تحت سلطة رجل السياسة وقداسة شيخ الزاوية : « فلم يعد المبدع الروائي كما كان شاعر النسق ، ذلك الحارس الفحل ، فقد إستطاع الخروج عن سلطة النسق، ليقدم الواقع الثقافي بكل ما فيه من تابو إجتماعي- سياسي من دون مخاتلة (..) »[27] كما يلقي الضوء على قداسة اﻷولياء ــــ في نقد ثقافة الكرامة و قداسة اﻹنسان ــــ كيف وهم ﺃشخاص لهم صفات إنسانية غير ﺃنهم "بإستمرارهم في الزمان! الديمومة (ﺃبو الزمان) والطهارة والتنوير٬ وكلها خصائص تمتح من القداسة والتقديس"[28] كما خلقوا نوع من الطبقية في المجتمعات اﻹسلامية خاصة على المستوى الشعبي للتصوف ﺃي الطُرقية ويظهر ذلك على الأقل في شغف نايلة بالزواج من الشيخ امبارك في بادىء الأمر ؛ « ﺃشخاص دعوا ﺃنفسهم اﻷشراف منذ السلطنة العثمانية ــ ﺃهل التكايا ( الزاويا ﺃو الخنكات بالتركية) ـــ استحوذوا على مكانة وقطاع اقتصاديي مرموقين »[29].
3.1 ـــ نقد إيديولوجية المتطرفين الإسلاميين
تتطرق رواية الغيث إلى ظاهرة "الإيديولوجية الإسلامية" التي برزت في الثمانينيات وما صاحبها من انهيار في المفاهيم والإيديولوجيات الوطنية والاشتراكية ، التي سادت في العشريتين الأولتين بعد الاستقلال ، وكيف اندمج بطل الرواية المهدي في الجماعات الإسلامية التي احتلت المساجد وكفّرت المجتمع ، وكيف ظهرت إيديولوجيات جديدة منتقدة للمجتمع بتنكرها لكل الإيجابيات الموجودة و المحققة ، حيث نكتشف في الحوار الذي جمع المهدي بأحد المجاهدين ـــ هو نفسه اعمر حلموش الذي اغتصب والدته ــ تنكر الاسلاميين السلفيين للتضحيات التي قدمها مجاهدو الثورة التحريرية زاعمين أنها لا تستوفي شروط الشهادة ، يقول المهدي الشخصية المعتدة بنفسها اعتدادا أصوليا أن قدماء المجاهدين حاربوا من أجل الأرض والتراب ولم يحاربوا من أجل الدين ؛ « إن المجاهدين الحقيقيين يوجدون في أفغانستان لمحاربة الروس الملاحدة. ومن يتوفى هناك شهيد حقيقي. أما أمواتكم فليسوا شهداء على الإطلاق. ومجاهدوكم أيضا ليسوا مجاهدين، إنهم محاربين ليس إلا. والدليل أن الدولة تمنحكم منحا شهرية جرّاء خدمة قدّمتموها. فأين الجهاد في سبيل الله؟» [30] فكأنما المهدي قد لعبت بعقله تحريضات دعاة المساجد وخطباء منابر الجمعة في ذلك الوقت منهم قدوته الشيخ عبد القادر، إمام مسجد النور بالبليدة ، إلى درجة عطلت قدرة التأمل لديه ؛ أولا في كونه يُنابز شيخا درس في جامع الزيتونة في مقام معلمه بأشد العبارات قبحا ، وهو السي عد الحق إمام مسجد سي عبد الرحمن في أمر الإفتاء والحلال والحرام ، وثانيا ينابز شيخا مجاهدا في مقام والده هو اعْمر حلموش بنفس العبارات. أو أنه يشكوا من اضطرابات نفسية نتيجة تربيته في بيت والده الشيخ امبارك تربية غير طبيعية. في هذا الحوار يُجلي محمد ساري النقاب عن جوهر أحداث العنف الدامية التي ضربت الجزائر ، جوهر مفاده لم يكن توقيف المسار الانتخابي إلا مطية تستر خلفها أصحابها ولوجا للعنف ، بل إنها الطبقية وممارسات الحزب الواحد المترتبة عن اللاعدالة واللامساواة الاجتماعيتين وصولاﹰ لسنوات الأزمة والتراجع الاقتصادي ، في الحقيقة هذا النسق الذيي طالب بمنح علاواة المجاهدين مرة واحدة لردم الفوارق الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد و هو جله / النسق من أبناء الحرْكة ومن الشعبيين الذين لم يحركوا ساكنا في الثورة وهو نسق اجتماعي مكبوت ملغى الحقوق في الجزائر؛ قد يكون المجاهد يملك أرضا مع أجرة شهرية وسكنا لائقين و أولاد موظفين في قطاعات حكومية ، بينما لم يجد هؤلاء المسكوت عنهم ما يسد رمقهم ولعل امبارك من بينهم وإن لم يذكر السارد صراحة فعله الحركي ـــ ليجعل زوجته نايلة تلجأ إلى جارهم المجاهد اعمر حلموش لإنقاذه من ذبح المجاهدين له ـــ ولعل في دلالة مقابلة عفته بعفة وشرف اعمر حلموش دلالة على أن المهدي ما هو إلا ابن حركي سابق ؛ أي أن محمد ساري وضعنا بإزاء نسقين متقابلين أحدهما مضمر والآخر مسيطر ساهما في تبلور أيديولوجية غريبة عن القيم الصرفة للجزائريين وهي التطرف الأعمى ، ولعل ما يومئ ويسند رأينا هو خطاب اعمر حلموش المفارق هو الآخر بحمله العصا ومجاولة ضرب المهدي « أمسك بها باليد اليمنى و وقف مرغٍ غضبا، وانقضّ على المهدي. ولكن هذا الأخير، بخفة قط يقظ، قفز بعيدا خلف الزيتونة. عمد الكهل إلى مطاردته ولكنه انتبه إلى قدميه الحافيتين. انحنى لينتعل حذاءه. وعندما استعد للركض كان المهدي قد اختفى..»[31]
وفي نقد اعمر حلموش لخطاب المهدي حول الجهاد في أفغانستان تنفجر دلالة عميقة تحيل إلى النسق ، لأنه مضمر من جهة ، ولأنه متمكن ومنغرس منذ القديم وكشفه يحتاج إلى جهد نقدي متواصل ومكثف فالراوي/ المؤلف بصدد الكشف عن بذور العنف في ثورة التحرير نفسها كما تكشف عن دلالات جانبية هي جهل السلفيين ببيان أول نوفمبر1954 أهم وثيقة إيديولوجية من ضمن وثائق الثورة الجزائرية... أنها مستمدة من روح الإسلام و قيمه ، فهي نابعة من أصالة و ثقافة المجتمع الجزائري المسلم.
وكأنما الكاتب بصدد إزالة التراب عن نسق كان مطمور : حقائق كانت مطموسة ردمتها طبقات السنين ، مضادة للوعي المُطمئن ، كما أدلى به شخصيا لأحدى الصحف : " ما هي جذور العنف؟ ويمكننا العودة إلى العنف على مستوى الاحتلال الفرنسي لنعيش بعده عشريتين هادئتين ، ثم أزمة اقتصادية بحكم تدهور أسعار البترول ثم فجأة ندخل في مظاهرات 5 أكتوبر، وإذا بالشباب يخرج للشارع ويدمر ويرفع شعارات مناهضة لثورة التحرير ولفترة من التاريخ.. ومن بعد ذلك تجربة ديمقراطية تدخلك مباشرة في عنف دموي منقطع النظير. لماذا؟ هذه هي فقط تساؤلات مررت بها وأنا أكتب "الورم" ورافقني حين كتبت "الغيث"[32] . لعل الربط المباشر لظاهرة نشوء التيار السلفي في الجزائر بالممارسات الشخصية البطولية التي تبوأت السلطة من مجاهدين سابقين ؛ ممارسات طبقية خلقت التيار الإسلامي، وكلا الطرفين هما في حيص بيص من أمرهما ، على اعتبار أن القادة السلطويين غير أكفاء لمعالجة مشاكل التسيير التي اعترضت سبيلهم ، والإسلاميين كذلك لم يقوموا بما قاموا به لولا جهلهم الحقيقي بجوهر الدين نستشف ذلك من خلال صراع اعمر حملوش المجاهد البطل ذو الوظائف العدة في قطاعات الدولة مع عريف سابق في جيش التحرير الوطني حول راقصة! « تمادى العسكري في تعنته ، فازداد فظاظة وأراد جرّ الراقصة بالقوة، وهو لا يتوقف عن إطلاق التهديدات والشتائم البذيئة . شعر اعمر حلموش بانتهاك عرضه ، هو الذكر الذي ينبغي له الدفاع عن أنثاه التي ساندته ووقفت إلى جانبه»[33]
2 ــ الــقصــة :
 تشكل قصة حياتنا كجزائريين كلها من تفاعل ما هو إمبريالي استعماري مازالت ثقافتنا ترزح تحت نيره ٬ متداخلة مع ما هو مقاوم لتلك الثقافة ومن صلب التراث. وقصة الغيث ـــ وليس المطر؛ فالدﱠلالة اللغوية للغيث هي السقي و اﻹرتواء وهي لفظة مستقاة من التراث العربي اﻹسلامي و المسيحي عكس المطر الذي له دلالة العاصفة والتدميرـــــ الذي دعا المهديّ ربه كي ينزله عن طريق صلاة اﻹستسقاء و إنتظاره طويلا دون جدوى ٬ ولعل الغيث هنا يرمز إلى إسلام السلفيين نفسه ٬ الحري به إخراج المسلمين من التخلف لكن دون جدوى ، تأتي في حقبة الإستعمار الثقافي الذي سقطت فيه شخصيات الرواية : نايلة وعبد القادر كروش السكير الذي يحب اللهو في شوارع مرسيليا ٬ وسي أعمر حلموش المجاهد الذي يهيم بنايلة ويستمع إلى الأغاني الراقصة ، بشكل عفوي قتل المعمّر الرومي بعد وقف اطلاق النار في مارس 1962 و غنم بيته ، فتأتي القصة مدمجة لثقافة اللهو الفرانكفونية الهجينة المتمخضة عن اﻹمبريالية الثقافية ، بالثقافة التراثية الشعبية مع التطور في حركة المجتمع الجزائري ، لكن السياق الروائي يجمعها بتآلف (في أسرة الشيخ امبارك). حتى أن: « التفاعل مع الماضي اﻹستعماري و التراثي في القصة يظهر كنسيج من الثقافة والعقائدية والسياسة وقد إنسرب إلى الملايين كي يمارس تأثيره عليهم»[34].
 تبنى قصة الغيث و تتراكم حيثيات شخوصها مع تصادم الماضي التراثي الديني و الماضي السياسي المترتب عن الإستقلال ٬ مع الواقع الجزائري الحالي٬ إلى ﺃن تخرج بنا إلى حلبة الصراع أو الحبكة و هي محاولات بناء المجتمع الإسلامي كما بناه "المهدي ابن تومرت". أما تعقد وضع الماضي التراثي يظهر في مظهرية التدين؛ ذلك التدين الطبقي ؛ الذي يميز بين تدين العوائل اﻷرستقراطية والفقيرة والذي شغل ﺃدبائنا المحدثين كجبران ٬ في قول نايلة عندما عُثر عليها تزني :« من ستر مؤمنا ستره الله في الدنيا والآخرة!»[35]، ﺃما تعقد الماضي السياسي فظهر في عرض طلبة اﻹقامة الجامعية الأقرب إلى مدينة عين البيضاء مسرحية محمد خذ حقيبتك*لكاتب ياسين.. ، لكن تدخل جهات نافذة في الإقامة يؤدي إلى منع العرض. في حكاية "نايلة" ما يشي عن خطاب مضمر بين ثنايا نص الغيث و مسكوت عنه ، مقابل المصرح به في ثقافتنا ٬ وفي حكاية "المهدي" رد فعل متطرف على إهمال السلطة لتراثها. وفي كلتا الحالتين تدخل الهوية الدينية في بناء منظومة ثقافية مرجعية.
3 ـــــ جمالية الســـرد 
1.3 ـــ شعرية الخطاب 
لما كان الخطاب هو طريقة المثلى لتقديم المادة السردية ، وهو " شكل التعبير اللغوي الذي يحقق اﻹختلاف بين كاتب وآخر"[36] ، أي « الخاصية اللغوية المصوِّرة والمصوَّرة على حد السواء ، التي تتوسل بعدد من الوسائل الأسلوبية المناسبة»[37] فإن الخطاب الروائي هو قبل كل شيء خطاب جمالي لغوي قبل ﺃن يكون خطاب عقدي ٳديولوجي ، فاللغة أداة الرواية ٬ وهي وعاء الفكر: لا إنفصام بين الخطاب الفكري والخطاب الجمالي ، « ﺃصبح مفهوم الشكل مفهوما متكاملاً من حيث المبنى والمعنى والتركيب والدلالة ٬ وهذه نقلة نوعية تضاف للشكليين عندما استطاعوا تجاوز التفرقة بينما كان يسمى الشكل والمضمون ٬ والنظر ٳليها نظرة ٳدماجية واحدة تنصهران في بوتقة الشكل المتكامل »[38]. على هذا الأساس لا مناص من يكون اعتماد محمد ساري عليها جارية على لسان الراوي العليم (المتفقه في اللغة) ، وهذا ما يظهر جليا في الصفحتين الأوليتين للرواية حيث دخل الراوي في الموضوع ببلاغة عالية وشاعرية فذة « ها هو يقرع كالسوط ، بل كالرعد المدوي. يختلط بالغبار وصفير الريح. يشق الهواء كالحسام البتار. يمكنكم التمدّد ، وغمض الجفون ، وسيحملكم صوتي بعيدا، إلى أبعد مما يرغبه خيالكم. وستسبحون في الفضاءات العجيبة ، وسط الكائنات الغريبة. ستتوغلون بداخل غابات وأدغال تخجل أشعة الشمس من الولوج إليها. سأمتحن أعصابهم عبر الوهاد والشعاب والجبال الشامخات. وإن أردتم ، حلّقت بكم عبر السماوات السبع ، وأنتم مسترخون على السجاد الطائر، أو معلّقون بمخالب طائر الرخّ العملاق»[39] والحق أن جوهر الخطاب هو التأثير قصد الاستمالة العاطفية إلى الرأي أو الحجة المرادة بيد أن هناك ميزة لغوية جعلت من الرواية الجديدة مثار جدل عكس الرواية التقليدية ـــ حتى لدى كتابها الشباب من المشرق العربي ـــ وهي الأسلبة السردية[40] أي جعل اللفظ/الخطاب يجري على أكثر من لغة مباشرة ، وفي الفقرة السابقة ينتقل الراوي من سرد ال (هو) وفجأة دون سابق إنذار يصبح الراوي هو المخاطِب (أنا) للمخاطَب (أنتم) ثم ينتقل بفجائية أخرى إلى مخاطبتهم بضمير (هم) ناهيك من أنها لا تعبر مضمونيا عن مستوى قائلها الثقافي، تنتمي شخصية كل من نايلة و المهندس الأصولي سليمان مرواني والمهدي إلى مستوى ثقافي متفاوت ٬ على الرغم من ذلك تقيد الكاتب بمستوى لغوي واحد عند الشخصيات الثلاث ٬ ممّا يوحى أنها تعبّر بتلك اللغة عن فكر الكاتب ٬ كقول الراوي عن الشعبيين الذين سقطوا في البطالة بعد اﻹستقلال :«.. ٳن هذا البلد كان دوما جنة المحاربين والدراويش لا غير٬ ﺃما الفنانون و الشعراء فكانو دوما من المغضوب عليهم ولن يتغير الوضع ..»[41] ، فلاٴجل تمثيل المرجعية الثقافية٬ لايتوانى الراوي السقوط في السرد المباشر و من هنا تأتي الأهمية الخاصة للرواية الجديدة في التعبير عن الذات : « قدرتها الفائقة في تمثيل المرجعيات الثقافية والنفسية و اﻹجتماعية والتاريخية ، لا قدرة للأنواع اﻷخرى المنحصرة عليها ، فكفت ٳلى درجة بعيدة عن اﻹسهام في تمثيل التصورات الكبرى عن الذات و الا᷃خر»[42]. لكن من شروط اللفظ ليس أن يكون له اشتقاق أو له اصطلاح ، بل في أن يكون متداولاﹰ ، فالألفاظ التي جاء بها الكاتب في غالبيتها لها استعمالاتها السياسية والإعلامية كهذه الالفاظ المستقاة تواليا : الجِنّة ـ الكنود ـ أعْيارهم ـ أمْعزهم ـ الحلازن ـ قرطاس متغضّن ـ الخط الدامغ ــ خصيانا ــ أتانة ــ لحّاس قدورــ مطبب ــ الآجام ــ آرقة ــ وغمي قبره[43] برغم شعريتها وانسيابها الوجداني فهي ليس لها وجود في العربية و لا تعني التحديث في شيء بل تعني عدم القدرة على التطويع.
2.3 ــ خدمة عناصر السرد للتفاصيل الدقيقة أو لبنية الخطاب[44]
لعلّ المتتبعون للحركة الروائية في الجزائر كثيرا ما يلحظون إنسياق روائيوا ما يعرف ﺑ"الرواية الجزائرية الجديدة" ـــ بل لهثهم أحياناـــ وراء شعرية اللغة لدرجة يضيع من أيديهم معها المضمون كليا أو جزئيا كرواية "الأسود يليق بك" لأحلام مستغانمي، وحتى يضيع آليا من بين أيديهم أحيانا كذلك التفاصيل الفنية الدقيقة في العمل السردي ، أي ما يؤديه التجنيس والتناص وتعدد الأصوات السردية..الخ من خدمة لأفكار أجزاء النص المختلفة و ما يربطها بفكرة النص الكلية أو الموضوع اجمالا ــــ ارتباط جزئيات الخطاب السردي وانسجامها ــــ أو يحدث معهم العكس ؛ يجرُون وراء المضمون فيهملُون اللغة إما تمردا على قواعدها وتراكيبها النحوية الصحيحة كرواية "أصابع لوليتا" لواسيني الأعرج مثلا ، أو فرارا متعمدا من منطق اللغة كليا جانحين نحو جماليات لغة الخطاب الصوفي أو الإعلامي وهلم جر، لتجنب معتركاتها هم أصلا في غنىﹰ عنها ، و لا يختلف في ذلك الروائيون الشباب عن الروائيون المخضرمين كما سنرى.
تخلَل حكي الأحداث عرضا مطولا لماضي الشخصيات من قبل السارد ، مثل ماضي الشيخ امبارك ، و المجاهد اعمر حلموش ، بالإضافة إلى ماضي شخصيات تاريخية كالمهدي بن تومرت ، و ابراهيم العظـم ، وشخصيات دينية كالخليفة عثمان بن عفان وعمر بن أبي طالب رضي الله عنهما. وقد أطال السارد في ذكر هذه الأحداث التي تمثلت وظيفتها في أخذ العبرة و الإقتداء بالأولياء ، وأهمية الرجوع إلى التراث والتاريخ لتحقيق المساواة ، ونبذ الخلاف المؤدي إلى الإقتتال و العنف. تكشف أحداث رواية الغيث عن تمرد عائلة الشيخ امبارك (الولي) بعد وفاته متمثلة في شخصية ابن الشيخ مبارك "المهدي" الذي تحول إلى إرهابي ؛ وهو البطل الذي يغيب عن اﻷحداث من حين لاۤخر٬ لتأخذ مكانه شخصية اعمر حلموش و والدته نايلة (كشخصية ثانوية) مع ابنتها " ليلى" المتحولتين إلى عاهرتين بعد وفاة الشيخ امبارك ، تفكك البطل في الرواية الجديدة مرده التحولات العميقة التي عرفها المجتمع : « لم تعد النزعة الوثوقية dogmatism هاجساً بل غدا الشك والنسبية و القلق من مرتكزات الرؤية الجديدة »[45] وتُعرض اﻷحداث متسلسلة من فترة اﻹستعمار حتى نهاية الثمانينات ضمن تاريخ هو تاريخ الجزائر اﻹجتماعي والسياسي المتصارع مع ذاته برغم تغيّر السلطة عام 1979 ، تولّد الفقر والبؤس والآفات اﻹجتماعية ضمن أنساق : نسقق إسلامي معتدل ، أشاد به الكاتب مثّله شخصية الامام السي عبد الحق مؤمن بالردع الأخلاقي ، نسق ريعي نفعي مثله اعمر حلموش ، ونسق صوفي مثله الشيخ امبارك ، وكردة فعل طبيعية للردع تتجه نايلة شيئا فشيئا إلى ممارسة حريتها ذريعتها البؤس. بدايةﹰ كان بدخول الغابة رفقة عشيقها أعمر حمروش ، كتعبير عن رفض الحرب التي أودت بزوجها الأول ، ثم تدخل حياة العهر بعد اﻹستقلال كمواجهة حتمية للفقر و الحرمان الذي تعرضت له ٬ حيث تعيش حالة الهامش مع ابنتها ليلى التي أصبح التلاميذ يضربونها ويدعونها بنت الحرام ، وتسقط أخيرا منزوية في بيتها على أيدي البطل إبنها الذي يختاره الراوي/الكاتب إلى قدره المحتوم هو الآخر"الجنون"، لأنه أراد تطبيق الشريعة السلفية في مجتمع القرن العشرين، نلمس غلبة طريقة السرد الذاتي مع اﻹسترسال في الحوار و الأسلوب التقريري دون قصد ؛ لم نجد خلط المفردة العامية بالفصحى إلاﱠ في مواضع محددة كمفردة "مهاجرين"[46] بدل "حراقة" وتفضيل المفردة التي تحافظ على حياد الراوي بين النسقين الثقافيينن المتحضر و المحافظ ؛ بدل قوله : رب العالمين يفضل "سيد العالمين"٬ كما يقول " لا يلويي بتأوهات الأرض الجدباء"[47] بدل "لا يكترث بتأوهات اﻷرض الجدباء".
عمد محمد ساري كثيرا إلى الحوار المشهدي سواء لكبح الحركة السردية بالمشهد la scène بغية تكسير تسلسل زمن السرد و التشويش على القارئ لجعله يحاول اﻹمساك برﺃس الخيط كل مرة ليتعلق بالفكرة رئيسية جديدة تبتغيها اﻷحداث. لكن يُعطي الراوي أحكاما على ما تقدمه الشخصية كثيرا وبطريقة تقريرية على مدار المتخيل السردي : « و قد أبدى المهدي كرهاً شديداً لتعليقاته على حياة "ﺇبن تومرت" المتصوف الجليل الذي أعجب به »[48]٬ و في مثل قوله : « وحسب ابنه الرشيد ٬ قضى الأيام الأخيرة من حياته يجوب حوافي الضريح..وحسب اﻹبن دائماﹰ إن المجاهد في هذيانه الأخير٬ قد نطق مرارا باسمه وباسم الولي الصالح سيدي المخفي..ربما زاره ملاك في هذيانه وكشف له السر»[49]. 
الإصرار على إدانة "المهدي" مسبقا عندما تقول أمه "نايلة" لزوجها الأول الشيخ امبارك ، ﺃن المهدي ليس من صُلبك توجيها للأحداث لتبني حبكة منطلية على ما يفهم أنه خطاب نقدي. وذلك لإدانة الفكر التكفيري وجعله بدون أصول وقواعد صحيحة ، بيد ﺃن الراوي/ الكاتب يبتعد عن الإقناع و التأثير الفنيين نسبيا ٬ بالتدخل لتوجيه البطل ثم تعليقه عليه وشرح موقفه اﻹيديولوجي من اﻷحداث و الشخصيات ٬ و يوظف الكاتب الرموز التراثية الشعبية (الجماهيرية) التي ترسخت في المخيال الجمعي كخوارق "اﻷولياء" والخوف من طقوسية اﻷمكنة كقوله : «علي ﺃن ﺃبتعد عن هذه البقاع التي لعنتني »[50] لنقد سياسة البلاد بعد اﻹستقلال التي خلقت طبقة الأولياء ، عندما يجعل عائلة الولي امبارك تخرّج إمرﺃتين زانيتين وإرهابي وهذه سمة من سمات التفكيك الما بعد حداثي :« الأعمال الجديدة تمحوا الفواصل والحدود، فلا تميز بين الثقافة العليا والثقافة الجماهيرية (الشعبية)»[51]٬ لعل ذلك راجع ٳلى تحول العرفان الصوفي عن مساره التعليمي التأديبي إلى مسار تمذهبي مع فلان ﺃو علان ثم طلب حماية الدولة ، و هو ما أبداه الشيخ امبارك مع المجاهد اعمر حلموش: « لم يعد لتجليات الصوفية ﺃكثر من كرامات اﻷولياء٬ و سلوكهم سبيل الدروشة والمسكنة والزهد ودفاعهم عن رهبانية اﻹسلام كوسيلة للحماية والهروب من البطش»[52]
2.3 ــ السارد في الحوار (نمط الرؤية من الخلف/ الراوي العليم)
من خلال الحوارات الداخلية العديدة التي جرت بين الشخصيات نجد في كل مرة تدخل السارد ، ذلك السارد العالم بكل شيء معطيا كل شخصية أهميتها بالإفصاح عن خوالجها ، تم لتوابع ادراكات الراوي/الكاتب بما ستضيفه للخطاب العام للرواية. ومن أمثلة ذلك الحوار الذي دار بين الشيخ امبارك وزوجته نايلة عندما جلبت الماء من حوش الرومي:
ـــ ومن رخص لك الخروج؟
ـــ لا يوجد في البيت ماء و...
ـــ والدلو الذي جلبته بالأمس؟
ـــ غسلت به الثياب.
ــ لا أقبل أي تبرير. من اليوم ، لا أريد أن تضعي قدما خارج البيت دون أن ترافقيني[53]
ومن هذه المشاهد الحوارية ما دار بين السي عبد الحق والمهدي الذي يقوم بنتصيب نفسه إماما على مسجد عبد الرحمن عنوة ، ويقيل السي عبد الحق الذي تناقش معه حول المسألة:
« ــ يا السي عبد الحق ، إن أيامك قد انتهت في هذا المسجد. لقد أممناه اليوم. حان وقت تقاعدك أو... أطلب من الولي أن يبني لك مسجدا جديدا.
ــ إن المسجد ملك لوزارة الشؤون الدينية. أنا الإمام الرسمي هنا. لا تملك الحق ولا القوة لعزلي.
ــ إن المسجد ملك لله وللمصلين وليس لوزارة الشيوخ التي تتحدث عنها ثم إنك تتقاضى أجرة لتؤم المصلين، وهذا لا يجوز في الإسلام.
ــ لا يجوز ! من أين خرجت بهذه الفتوى؟
ــ قالها علماء أجلاء لا تسمع عنهم أنت.
ــ شوف أسيدي. لا تعرف سور إقامة الصلاة وتأتي لتعلمني ما يجوز وما لا يجوز،
أنا حافظ الستين وعمري لا يتجاوز العاشرة. ولا تنسى بأنني درست في جامع الزيتونة قبل أن تخرج من بطن أمك...
ــ لا تجادل فيما لا تعرفه يا السي عبد الحق. أنت موظف ولا علاقة لك بالدين. أصبحت شيخا لا تقوى حتى على الوقوف ، وذاكرتك مخربة. خذ تقاعدك وأترك الشباب يسير هذا المسجد.
ــ سأشتكي إلى الوزارة وستطردكم الشرطة من هنا مثلما طردتكم من سوق الفلاح.
ــ هكذا يا السي عبد الحق ، تهددنا الآن وتقف مع الطغاة ... رشيد ، سليمان... خذوه وارموه خارج المسجد... لا أريد أن أره هنا مرة أخرى. هذا المسجد مسجدي، اليوم وغدا وأبدا. ولا يخرجني منه أحدا»[54].
وتتواصل نفس التقنية ، وهذا ما نلحظه في الحوار الذي دار بين الجيلالى ونايلة حينما عرف أنها حامل: ـــ ألم تقولي بأنك كنت متزوجة ولم تخلغي ذرية؟
ــ نعم، إنها الحقيقة ، قلت كاذبة وأنا أحاول إخفاء ارتباكي.
ــ وكيف حدث وأنت لم تحملي؟ قلعت ثلاث سنوات؟
ــ لا أعرف السبب. كان زوجي شيخا كبير ولم يكن ينام معي إلا نادر.
ــ إنها شوكة كبيرة. يستعصي علينا نزعها.
ــ أنت الرجل ولحل بين يديك.
اتركيني أفكر؟ لا مشكلة إلا لها حلا[55].
 ونخلُص من هذه الحورات إلى أن حيادية الراوي بين الثقافة العالمة مع المهدي وصديقه المهندس الذي أراد تطبيق شريعة : الرجم ، الفلقة ، الهجر، قطع اليد .. في إتّباعه لفكر زعيم الخوارج "المهدي/ابن تومرت"٬ وبين الثقافة الغير عالمة مع نايلة و اعمر حلموش( ٳتباع الهوى) قد ٳهتزت وفشل الكاتب عن التعبير بواقعية عن أصالة البطل المهدي ، لأن المجتمع الجزائري أصلاً كانن مهزوزا اقتصاديا فتنازعته الصراعات السياسية ؛ فلم توجد نظرة واحدة للتراث وهوية البلد الثقافية ، حتى النزعة الصوفية بقيت طيعة للسلطة إلى أن اختلط الحابل بالنابل بعد أحداث أكتوبر 1988 ٬ ويوظف الروائي محمد ساري النمط السردي الذاتي (ما تخبر به الشخصيات عن نفسها) و لمسته الفنية تظهر كذلك في عرض الشخصية لنفسها من الداخل عن طريق المنولوج المباشر و الغير المباشر٬ فنايلة تزور الأضرحة و الأولياء وتبكي عليها لكنها لا تتوانى في ضبط أهوائها : تزور بيت ﺃعمر حلموش لمكافأته وليس معها ﺃحد[56]؛ وقد استفاد كتاب « تيار الوعي من هذه التقنية فيي تحقيق عنصر اﻹزدواجية بين الحياة الداخلية والحياة الخارجية في آن »[57]٬ حسب همفري روبرت ، فهو لم يتدخل لتوجيه الشخصيات إلا نادراﹰ بل تركها تعرض مشاكلها وذواتها كما يظهر في هذا الحوار:
 " ـــ قال بأنه يكره البدلة العسكرية٬ ويريد يهاجر إلى ﺃروبا.
ـــ و من قال لك ﺃن الباخرة ستأخذك معها ٬ قال شاب غليظ اﻷنف.."[58]٬ لعلﱠ تمرد الشخصية الأخلاقي مهما كان مستواها الثقافي مطلوب في البنية الجمالية للخطاب السردي ٬ و هو شكل من ﺃشكال التجريب في الرواية الجزائرية الجديدة ٬ و« تحولات الرواية العربية اليوم (..) هي أمام إختيارين اثنين ، إما أن تكون حجابا يزيف العواطف و الحقائق ، فتغرق في الذاتية والبكائية التي سادت فترة طويلة من الزمن ، وإما أن تكون مشهدًا للتصادم و التجريب والحداثة ، عن طريق خلخلة البديهي الجامد وتدمير المعتقدات التكريسية»[59].
أما التعبير بواقعية من عدمه يظهر في مدى انسجام بنية الخطاب أي مايفرزه مضمون الشكل.
 

 الهوامش

[1]- شهلا العجيلي : الخصوصية الثقافية في الرواية العربية ، الدار اللبنانية المصرية ، القاهرة 2011 ، ص25. 
[2]- أحمد أبو زيد : أخلاقيات المستقبل العلمانية الرشيدة ٬ مجلة العربي ، وزارة اﻹعلام الكويت ٬ عدد548 ٬ يوليو 2004 ، ص17.
[3] - التلازم الجدلي يين الروحي/الاٴخلاقي والغريزي المادي مستمد من الثنائيات الجدلية الدال - مدلول في اللسانيات الحديثة و فكر- لغة، لايمكن إلغاء طرف دون إلغاء نقيضه. ينظر حمادي الصمود : الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة، دار الكتابب الجديد، بيروت 1988، ص55.
كذلك يقول نتشة بجدلية العلاقة بين أخلاق الكنيسة والغريزة كلاهما يتطور إلى نقيضه وتدخل العقل في تنظيم العلاقة بينهما، جاعلا أخلاق الكنيسة خاصية اﻹنسان الضعيف والغريزة من إرادة القوة في اﻹنسان. يسري إبراهيم : فلسفة الاٴخلاق لفريديريك نتشة ، منشورات الاختلاف، الجزائر 2005، ص366.
[4]- جميل حمداوي : نظريات النقد الاٴدبي لمرحلة ما بعد الحداثة٬ ص285 ، الرابط : http://k-tb.com/book/download/296028
[5]- المرجع نفسه ، ص285-286.
[6]- بشير بويجرة : أزمة الهوية اٴم عبث الراهن في رأس المحنة ٬ مقاربة حول تعالق راهنية الهوية٬ ملتقى رواية الراهن وراهنية الرواية بجامعة سطيف 2 ٬ 1/2/3 ماي 2006. د ص.
[7]- السلطة الاٴبوية (البطريركية order patriarchal ) : هي رعاية أو وصايا دينية على الفرد تقف ضد فكره الحر والمستقل. 
[8]-عبد الله الغذامي : النقد الثقافي قراءة في الاٴنساق الثقافية ٬ م ث ع ، بيروت 2000 ، ص67. 
[9]- المرجع نفسه ٬ ص67.
[10]- محمد ساري روائي وأكاديمي جزائري من مواليد 1958 بشرشال يعتبر حاليا ثاني أهم قامة روائية بعد واسيني الأعرج إنتاجا ومتابعة ، أهم أعماله : البطاقة السحرية (1997) الورم (2002) والغيث (2007) وقلاع متا᷃كلة (2011) الملخص : يأتي المهدي إلى الحياة في ظروف قاسية ليترعرع في بيت ديني لكنه غير شريف ، يترأس جماعة إسلامية مسلحة في عين البيضاء، يجلب ناقة ويجعلها تمشي في فناء "سوق الفلاح" بغية بناء مسجد تيمّنا بالرسول الكريم في المدينة المنوّرة ، في انتظار الغيث يبدأ صراع بينه وبين هؤلاء الذين استولوا على المستودع والسلطة. يقوم بمحاولة شق طريق سحري من ضريح سيدي المخفي إلى مكة بعد حرقه لعائلته وعندما يدركه الفشل يصاب بالجنون مكتشفا أن الغيث لن يأتي أبدا ، الرواية تستمد عجائبيتها من الخطاب الصوفي.
[11]- عمر عيلان : في مناهج تحليل الخطاب السردي، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 2008 ، ص 29.
[12] - عبد الواسع الحميري : ما الخطاب وكيف نحلله؟ ، مؤسسة مجد ، بيروت 2009 ، ص28.
[13] - عبد الواسع الحميري : الخطاب والنص ( المفهوم العلاقة السلطة) ، مجد للدراسات ، بيروت 2008 ، ص99.
[14] - عياض بن نامي السلمي : تجديد الخطاب الديني مفهومه وضوابطه، جامعة الإمام مهدي بن سعود الاسلامية، ص4.
[15] - النسق المسيطر هنا هو النظام السلطوي حليف السلطة الدينية المتمثلة في الزوايا ، والنسق التابع هي النخبة المثقفة ثقافة غربية (الثقافة العالمة) لو تغيرت الأدوار وأصبح النسق التابع هو المسيطر وتلغى رتبة السيطرة والتابعية باﻹشتراك ، أي اٴن النسق الغائب يمكنه الحضور في أي وقت ويقدم مشروعه الثقافي، فتتحقق ديمقراطية الثقافة. أما إذا أصبح النسق التابع مسيطرا ملغيا النسق الغائب فتغيب ديمقراطية الثقافة.
[16]- التيار السلفي التكفيري : هو طرف الصراع الرئيسي مع العلمانيين والتحديثيين والقوميين يختلف عن السلفي الإصلاحي في قضيتين جوهريتين؛ 1- اﻹجتهاد 2-النقل/الوحي والعقل/الرأي. و السلفية هم الوهابية وأتباع ابن تيمية والإخوان المسلمين. الأخيرين كفروا عديد المفكرين كنصر حامد أبو زيد وحسن حنفي وأبو النقمي واتهموهم بالردة و الكفر والزندقة أوتعريض الهوية الدينية للخطر٬ من ثمة تصفيتهم وكم قتلوا منهم في التسعينات بمصر والجزائر . عبد السلام يوبي : المسكوت عنه في نقد نصر حامد أبوزيد ﻵليات الخطاب الديني ، رسالة ماجستير، جامعة تيزي وزو، ص 133.
[17]- هويدا صالح : الصورة الروائية للمثقف ٬ منشور بتاريخ 2/11/ 2013 ٬ د ص،
الموقع http://www.balagh.co/pages/tex.php?tid=5931
[18]- محمد ساري: الغيث ٬ ص13.
[19]- المصدر نفسه ، ص205.
[20] - فاطمة زيراوي وا᷃خرون : صورة المثقف في القصة القصيرة الجزائرية 1975- 1983 ٬ دبوان المطبوعات الجامعية، دت ، ص 81.
[21]- محمد ساري : الغيث ، ص200.
[22] - ﺃحمد بعلبكي وآخرون : الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر٬ مركز دراسات الوحدة العربية٬ ط1 ٬ بيروت 2013٬ ٬ ص88 . 
[23]- محمد ساري : الغيث ، ص231.
[24]- المصدر نفسه ، ص206.[25]
[25]- علي حرب : نقد المثقف اٴو أوهام النخبة ، مر كز ثقافي العربي ، الدار البيضاء 2004 ، ص16.
[26]- شهلا العجيلي : الخصوصية الثقافية في الرواية العربية ٬ ص189.
[27]-عبد الرحيم المؤذن : الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء رواية الكشف واﻹكتشاف ، يوم 2/ 10 /2013 ، موقع www.alkuds.co.uk
[28]- سعيد عيادي : التصوف في الجزائر، حصة أهل الفكر، اﻹذاعة الثقافية ، بثت في 28/11/2015 ، الساعةh 20 .
 [29]- محمد ساري : الغيث ، ص 57.
 [30]- المصدر نفسه ، ص 59.
 [31]- محمد عبيدو : صحيفة الجزائر نيوز ، عدد يوم 21/12/2013.
[32]- محمد ساري : الغيث ، ص19.
[33]- إدوارد سعيد : الثقافة واﻹمبريالية ٬ ترجمة كمال أبو ديب ٬ دار الآداب ، بيروت 1997 ، ص13.
[34]- محمد ساري : الغيث، ص105.
*- المصدر نفسه ٬ ص206. - مسرحية "محمد خذ حقيبتك" لكاتب ياسين (صاحب رواية نجمة 1956 ٬ ولد بقسنطينة سنة 1929 وتوفي بغرونوبل عام 1989)،اعتبرها المتشددون اﻹسلاميون ٳساءة للاسلام : يقصد بles fusille qui ne décolle pas صوامع المساجد التي لا تنطلق وتعوي بها الذئاب ، بينما يصر هو أنه يصور معاناة المغتربين الجزائريين ليس ٳلا. 
[35]- سعيد يقطين : تحليل الخطاب الروائي٬المركز الثقافي الغربي٬ الدار البيضاء 1992٬ ٬ ص382.
[36]- زياد العوف : الاٴثر اﻹيديولوجي في النص الروائي٬ مؤسسة النوري٬ دمشق 1993٬ ، ص168.
[37]- عبد الرحمن مبروك : آليات المنهج الشكلي في نقد الرواية العربية المعاصرة ٬ دار الوفاء٬ ط1 ،
الإسكندرية 2002 ، ص17.
[38]- محمد ساري : الغيث ، ص2.
[39] - الأسلبة الروائية : تقوم على تقليد الأساليب أو الجمع بين لغة مباشرة (أ) من خلال لغة ضمنية (ب) في ملفوظ واحد.
[40]- محمد ساري : الغيث ٬ ص15.
[41]- عبدالله إبراهيم : السردية العربية الحديثة الاٴبنية السردية والدلالية٬الجزء2 ٬المؤسسة العربية للدراسة والنشر٬ ط1 ٬ بيروت 2013 ، ص5. 
[42] - محمد ساري : الغيث ، ص2-3-44-51.
[43] - هذا النص " الغيث" من أكثر النصوص التي قرأتها احتفاءا بالسرد التقريري، وكأن الكاتب لشدة احتراسه من تفاصيل رأى أنها جوهرية لخطابه سقط في تقريرية فجة ، لعله يكون لدراسة وتكوينه ضمن سياق هجين اللغة في منطقة شناوة ثم في السربون دور في ذلك.
[44]- .Lucien Goldman . pour une sosiologie de roman. paris. p245  
[45]- محمد ساري : الغيث ، ص12.
[46]- المصدر نفسه ، ص 144.
 -[47]المصدر نفسه٬ ص52.
[48]- المصدر نفسه، ص232.
[49]- المصدر نفسه ٬ ص70.
[50]- فريديريك جيمسون : التحول الثقافي 1983-1998 ٬ ترجمة محمد الجنيدي، اٴكادمية الفنون ، ط1 ، القاهرة 2000 ، ص21. 
[51] - ٳحسان طالب : في اﻹشراق الصوفي فلسفة وحدة الوجود ٬ منشور بتاريخ 19/2/ 2014 الموقع
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=401544#null
[52] - محمد ساري : الغيث ، ص87.
[53]- المصدر نفسه : ص97.
[54]- المصدر نفسه ، ص104.
[55]- المصدر نفسه ٬ ص96.
[56]- همفري روبرت : تيار الوعي في الرواية الحديثة ، ص73. 
[57]- محمد ساري : الغيث ، ص12.
[58] - تيارات السرد في الرواية العربية المعاصرة ، مجلة العربي، وزارة الاعلام الكويت ، عدد 611 ، أكتوبر 2009 ، ص122. 


زياد بوزيان

ناقد أدبي، ومترجم جزائري

من نفس المؤلف