السابع من نوفمبر..

يوم فاصل بين عهدين فى تاريخ مصر المعاصر

، بقلم عمرو صابح

فى مثل هذا اليوم منذ 45 سنة بدأ إسدال الستار على نظام جمال عبد الناصر وإعلان وفاة الجمهورية الأولى فى مصر، وتم تدشين الجهورية الثانية.

زى النهارده سنة 1973، الرئيس أنور السادات استقبل وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر فى قصر الطاهرة للمرة الأولى مباشرة بعد العديد من الرسائل بينهما قبل الحرب وأثناءها وبعدها، وفى هذا الاجتماع المنفرد بين الرجلين فوجئ كيسنجر كما كتب بنفسه فى مذكراته بالسادات وأطروحاته، فالسادات لم يطلب منه أن تعمل الولايات المتحدة على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضى المحتلة فى حرب 1967 فى إطار تسوية شاملة للصراع العربى الإسرائيلى وتفاوض على حقوق الشعب الفلسطينى، بل كل ما طلبه هو انسحاب إسرائيلى من ثلثى سيناء حتى خط العريش – رأس محمد.

بهذا خالف السادات الموقف العربى الثابت منذ حرب 1967،

وحتى هذا المطلب رغم سرور كيسنجر به ، رفضه كيسنجر قبل الرجوع للإسرائيليين.

والسادات يصارح كيسنجر أن حصار الجيش الثالث ليس جوهر المسألة وخطوط 22 أكتوبر 1973، لا تصلح للنقاش بين صانعى سياسة مثله هو وكيسنجر، أن السادات راغب بشدة فى عودة العلاقات الدبلوماسية بين مصر و الولايات المتحدة ،وهى العلاقات التى تم قطعها بين مصر والولايات المتحدة عقب حرب 1967، وإثر الدور الأمريكى الواضح فى الحرب تخطيطا وتنفيذا، وإثر هذا القرار المصرى قطعت معظم الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية بالولايات المتحدة وتم خروج 62 ألف أمريكى من الوطن العربى فى مشهد مهين لهيبة وكرامة الولايات المتحدة الأمريكية، وهاج الرئيس الأمريكى جونسون معتبرا ما حدث صفعة لمكانة الولايات المتحدة وتحريض شرير من الرئيس عبد الناصر.

طوال الفترة من 1967 وحتى 1973 حاولت الولايات المتحدة العمل على عودة العلاقات الدبلوماسية المصرية الأمريكية دون جدوى لإصرار مصر على أن تلزم الولايات المتحدة إسرائيل بالانسحاب من الأراضى العربية قبل تلك الخطوة.

والأن يقوم السادات وبعد حرب ضارية اهتزت فيها ثقة إسرائيل وتم كسر جيشها بتقديم هذا العرض المجانى، أغتبط كيسنجر لذلك وفى ذهنه ما هو أبعد وأهم، فعودة العلاقات الدبلوماسية المصرية الأمريكية تفتح الباب لعودة علاقات أمريكا بكل دول العالم العربى.

يبلغ السادات كيسنجر أنه قرر أن يرفع مستوى التمثيل الدبلوماسى فورا من قائم بالأعمال إلى سفير بالنسبة لمصر والولايات المتحدة ، وكل ذلك بدون مقابل.

ولم يكتف السادات بذلك بل يبلغ كيسنجر أنه ينوى تصفية ميراث سياسات الرئيس عبد الناصر وتوجهاته القومية، و سيعمل على طرد السوفيت من الشرق الأوسط، ويقول لكيسنجر لقد كانت حماقة وطيش من عبد الناصر محاولاته الدائمة لابتزاز الأمريكان وتحقيق أهداف مصر من خلال محاربة السياسة الأمريكية فى العالم العربى وعلى امتداد العالم، وإن مصر خاضت ما يكفيها من حروب وتتطلع إلى السلام.

يسجل كيسنجر فى مذكراته عن السادات (أنه يمثل لى أفضل فرصة لكى نقلب المشاعر و الاتجاهات العربية والمواقف العربية تجاه إسرائيل، وهى أفضل فرصة تتاح لدولة إسرائيل منذ قيامها، يقول كيسنجر أنه هو الذى أوحى للسادات أن المشكلة بين مصر وإسرائيل هى مشكلة نفسية نتجت عن عدم ثقة إسرائيل بنوايا مصر وخوفها على أمنها، وأن يجب على مصر أن تعطى إسرائيل الإحساس بالأمان، وكالعادة يوافقه السادات ويصارحه أن المشكلة الأساسية نجمت من رفض عبد الناصر الاعتراف بالهزيمة عام 1967 وإصراره على الحل العسكرى للصراع مما كلف مصر الكثير، ويتفق الطرفان فى نهاية الاجتماع على مشروع (النقاط الست) الذى يعترف كيسنجر فى مذكراته أنه من وضع رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير ونص على التالى:

1 - توافق مصر و اسرائيل على الاحترام الدقيق لوقف إطلاق النار الذى أمر به مجلس الأمن.

2- توافق مصر و إسرائيل على البدء فورا فى تسوية مسألة العودة إلى مواقع 22 أكتوبر فى إطار الاتفاق على فض الاشتباك والفصل بين القوات تحت رعاية الأمم المتحدة.

3- تتلقى مدينة السويس يوميا إمدادات من الطعام و الأدوية، وجميع الجرحى والمدنيين فى مدينة السويس يتم ترحيلهم.

4- يجب ألا تكون هناك عقبات أمام وصول الإمدادات غير العسكرية إلى الضفة الشرقية للقناة (سيناء ).

5- تستبدل النقاط المراقبة الإسرائيلية على طريق السويس – القاهرة بنقاط مراقبة من الأمم المتحدة، وفى نهاية طريق السويس يمكن لضباط إسرائيليين الاشتراك مع الأمم المتحدة فى الإشراف على الإمدادات غير العسكرية التى تصل إلى شاطئ القناة.

6- بمجرد تولى الأمم المتحدة نقاط المراقبة على طريق السويس – القاهرة، يتم تبادل جميع الأسرى والجرحى.

عندما سمعت جولدا مائير بنبأ الاتفاق قالت:

( إن هذا الاتفاق هو انجاز خيالى، وشئ لا يصدق، يفوق كل ما توقعته اسرائيل).

بالطبع قالت ذلك لكيسنجر وليس للعالم.

بموافقة السادات على هذا الاتفاق يكون قد قدم تنازلات جوهرية غير مفهومة للجانب الإسرائيلى.

لقد أعترف رسميا بحصار الجيش الثالث المصرى وهو أمر كانت تروج له اسرائيل فى العالم كدليل على انتصارها فى نهاية الحرب.

وتنازل دون مبرر عن شرط عودة اسرائيل إلى خطوط 22 أكتوبر 1973رغم أن قرارات مجلس الأمن الدولى ، وضمانات القوتين العظميين تضمن له ذلك.

كما أنه وافق على إطلاق سراح الأسرى والجرحى الإسرائيليين، كان من ضمنهم 36 طيار اسرائيلى أسقط الدفاع الجوى المصرى طائراتهم خلال حربى الاستنزاف و 1973، و أخذوا أسرى أحياء وبهذا خسر ورقة تفاوضية هامة للضغط على الإسرائيليين.

الأدهى من ذلك أن السادات وافق على طلب كيسنجر بأن تخفف مصر الحصار البحرى على مضيق باب المندب ولكنه طلب من كيسنجر إبقاء الأمر سرا حتى لا يضر بموقفه أمام العرب.

نفذ الرئيس السادات كل تعهداته لكيسنجر.

وبذلك انتهى عصر وبدأ عصر أخر هو نقيضه.

المصادر:

- سنوات القلاقل - الجزء الثانى: مذكرات هانى كيسنجر.

- وعليكم السلام: محمود عوض.

- أكتوبر 1973 .. السلاح والسياسة : محمد حسنين هيكل.


عمرو صابح

كاتب مصري

من نفس المؤلف