المرأة الفضية

، بقلم زهير الخراز

1_ قالت المرأة ووجهها يطفح بالحنين: " لم يكن بابا "محند" يدخر جهدا، لمنع شبح الغربة واليأس لينغص علي حياتي.. وهو يداعبني كان يسر في إذني قائلا: «لا تقنطي صغيرتي.. "إن بعد العسر يسرا " غدا، ستعودين إلى أهلك وذويك، وسيتسابق عليك العرسان..»

2_ كن في حضورها ينادينها فقط بـ "للا فاطمة"، أما في غيابها ومن باب النميمة الحميدة فقد كن يذكرنها بـ "للا فاطمة المصرية"، وحدها خالته كانت تذكرها بـ "فاطمة الريفية"، هو بدوره أصيب بعدوى الانفصام هذه، لكن بشكل معكوس، بحيث أصبح كلما صادفها في الشارع ناداها بـ "للا فاطمة المصرية"، أما في البيت فكان يبادر أفراد أسرته قائلا :" اليوم التقيت بـ "للا فاطمة"، ناسيا أو متناسيا الشطر الثاني من البيت، أقصد من الكنية..وبما أن "الفواطم" من معارفه وجيرانه كن كغثاء السيل فقد كانت أخواته تنهرنه بتأفف قائلات:"أي فاطمة من الفواطم تقصد؟ فاطمة العنصارية، أم فاطمة الجبلية؟..فاطمة الجبارية..أم فاطمة البقالية؟..فاطمة ..."فكان يحشو أذنيه بتلابيب رداءه ويصيح:"لا..بل للا فاطمة المصرية..الأميرة، المصر.. ية " وحدها أمه كانت تذكرها بـ "للا فاطمة دسي الهاشمي" نسبة إلى زوجها الراحل.. أما حينما يصبحان وجها لوجه فكانت أمه تنادي أعز صديقاتها بـ "للا فاطمة"...فقط..

3_"...وهكذا يابني ترعرعت في حضن أسرة بديلة، أسرة عريقة، شريفة، محبة، وفي كنف رجل حنون ووديع مثل الحمامة، صلب مهيب مثل الجبل..يحظى باحترام الكل حتى من قبل ألذ أعدائه..يقضي ليله قائما، ذاكرا، مطالعا، ونهاره صائما، متأملا، حدثنا مرارا و بتأس وحزن كبيرين، عن خيباته..عن الخيانة وخذلان الرفاق.. عن زمن البطولة والمروءة المهدورتين، عن وحشية العدو، وأيضا عن الضربات الموجعة التي وجهها للمحتل الاسباني..ورغم رزانته ووقاره إلا أنه لا ينفك عن مداعبة المحيطين به من حين لآخر، فيسترسل في الضحك حتى يحمر وجهه وتنتفخ أوداجه وهو يروي لنا بحماس لا يخلو من تهكم تفاصيل انهزام الجنرال "سلفستري"..والحصار الذي ضربه المجاهدون_رغم قلة عددهم_ على جيشه العرمرم، مما أرغمهم على شرب بولهم من الجهد وشدة العطش..

"بابا"محند" كان نعم الأب..بل كان بديلا للأب الذي حرمت منه منذ ذاك اليوم المشهود... قالت المرأة التي تمتلك بسمة طفل رضيع...

4_ هي امرأة تنتمي للزمن الفضي الخالص..تخطو خطواتها الأولى نحو المنحدرات العجاف..باسمة العينين، دمثة الأخلاق، تقية، تشع بهاء مثل فضة نقية..لا تنقصها الرشاقة رغم بلوغها من العمر عتيا..يؤثث الوشم الأزرق المخضر الزاهي، الأجزاء الظاهرة من جسدها العفيف ،المتواري دوما وراء جلبابها الأسود الفضفاض..المتوج بقب "التعريشة".
تشدك إليها بعنف في أول لقاء لك بها..فلكنتها المحببة والتي هي خليط من الدارجة المغربية والمصرية وكذا الأمازيغية وبعضا من مفردات الفرنسية تمنحك إحساسا غريبا وكأنك تحتسي مشروبا منعشا.في إحدى المرات، تجرأ.. سألها: هل أنت فعلا مصرية، للا فاطمة؟
نهرته أخواته..عاتبته أمه.. استظرفته المرأة..ضمته إليها.. قالت: "خليو ولدي عليكم..من حقه أن يسأل"..

- "اعذرينا "للا فاطمة".. صبي أحمق، لا يعي ما يقول.."قالت إحدى أخواته .."

- "لا شأن لكم بولدي..راجل وعايز يعرف.."

- "امشي تلعب في الزنقة اولدي..سير الله يرضي عليك.." همست له أمه برقة..
أومأت المرأة برأسها بعفويتها المعهودة وهي ترتج من شدة الضحك..ولم تنطق بكلمة..
- "إذا أنت أمازيغية مصرية؟؟؟" صاح فرحا، وكأنما عثر أخيرا على مفتاح لغز عصي على الفهم..

- "هذا يكفي..." صرخت إحدى أخواته وهي تجره من أذنيه وتشيعه إلى الشارع.

- "لا عليك حبيبي..حيجي يوم وححكي لك الحدوثة من أولها لاخرها.." وصلته كلماتها جلية رغم الصدمة العنيفة التي تعرضت لها أذناه..

5_... تقول المرأة وهي تلهج بالاستغفار :إنه تصرف الأقدار يابني..فما من أحد خطر على باله أن طفلة بسيطة، نكرة ولا تربطها أية وشائج أسرية بعائلة الشريف "الخطابي"،لا من قريب ولا من بعيد، ستتشرف يوما ما بمرافقة أسد المقاومة إلى منفاه القسري..شيء لا يخطر على قلب بشر..ولا تطاله حتى أعتى غرائب الأحلام...

كانت لحوحة جدا جارتنا يومها، وبشكل غريب أصرت على أن أرافقها إلى منزل الشيخ عبد الكريم، لزيارة إحدى صديقاتها، كانت على عجلة من أمرها..وكأني بها تلبي نداء القدر..حدث كل ذلك في لمح البصر..فالمرأة لم تمهلني ولو لحظة لأستشير أمي في الأمر..وعساكر "الفرنجة" بدورهم رفضوا أن يخلوا سبيلنا نحن الاثنتان، رغم توسلات الأسرة الشريفة الملحة..وهكذا وجدتني أسيرة صدفة عجيبة، أشارك أسرة كريمة رحلتها البطولية نحو المجهول... يا سبحان الله؟؟

6_ كان يكفيه فخرا أن يخبر رفاقه متبجحا بتواجد امرأة مصرية في بيتهم، في مناسبة وفي غيرها، إذ لم يكن يدخر جهدا لإقناع أصدقائه بأهمية هذه المرأة القادمة من أرض الكنانة..فقد أسر لهم ذات مرة أن المرأة إنما هي الأخت الصغرى لفريد وأسمهان وذلك اعتمادا على الشبه الكبير الذي يجمع أسمهان بصورة قديمة بالأسود والأبيض تعود لـ"للا فاطمة" حينما كانت في ريعان شبابها ..لكنه عاد في مناسبة أخرى وأسر لهم قائلا: بل هي أميرة من عائلة الملك فاروق، قصدت المغرب هاربة من بطش العسكر بعد أن عزل هذا الأخير عن عرشه..
اليوم فقط وبشكل غير مسبوق تخلى عن ثرثرته المعهودة بشأن المرأة، مما أثار استغراب وفضول رفاقه..فراحوا يستفزونه..قال كبيرهم : منذ لحظات رأيت الأميرة تطرق بابكم..

- هل كانت برفقة أحدهم ؟ (قال أوسطهم..).

- نعم..كانت برفقة فريد وفاروق..(قال كبيرهم متهكما).

ضحكوا جميعا..داعبوه..ناوشوه..لكنه ظل مكتئبا ولم يحرك ساكنا..ولما ضجروا منه، قرروا الانصراف..وقبل أن يخطو خطوات قليلة، كان قد تمكن من ارتجال "خرافة" جديدة، فلحق بهم قائلا: إنها من أمازيغ مصر..

- من ؟؟؟
- للا فاطمة المصرية..
- وهل يوجد أمازيغ بمصر؟؟؟
- نعم..هذا ما اكتشفته مؤخرا..

7_ تلك الصورة..الصورة المتدثرة في إطارها العاجي الصقيل..تلك المتسلقة دوما السارية الرخامية التي تتوسط صالة الضيوف..تلك الصبية الحسناء، الهيفاء،الميساء، والفضية اللون.. يختلق شتى الأعذار كي يكحل عينيه بمرآها..هذه المرة تفتق ذهنه عن حيلة شيطانية..وهي إهداء صاحبة الصورة القليل من فاكهة "المسكي"، معللا ذلك بمدى عشق أميرته لهذا النوع من الإجاص..اقتنعت أمه أخيرا.. فملأ الصحن بحبات مختارة وقصد بيتها...

رحبت به المرأة بحرارة..قالت متعمدة مخاطبته باللهجة المصرية التي يعشقها: حماتك بتحبك..جيتي فوقتك..طبخت اليوم "غديوي" حتاكل صوابعك وراه..

وبدون إذن مسبق وكما يفعل عادة، اجتاز الممر..مخترقا صحن الدار.. مندفعا نحو الصورة، دون أن ينبس بأية كلمة، مكتفيا بابتسامة عريضة تشي بموافقة مبدئية على مشاركة هذه الأسرة الصغيرة وجبة غذائها البسيط...

8.قالت المرأة وهي تقف قابي قوسين بين الصبي والصورة: "ما قدره الله كان، يابني..فقد أبت مشيئته سبحانه وتعالى إلا أن ترتد أيدي "الفرنجة" ومن والاهم نحو نحورهم، فبعد إحدى وعشرين سنة من الغربة في منفى العار بجزيرة "لارينيون"، تبحر بنا سفينتهم سرا من جديد إلى المجهول..لم نكن نعرف وجهتنا بالتحديد، رغم ما راج من أخبار عن نية "الفرنجة" ترحيلنا إلى فرنسا"..تذرف عينها اليسرى دمعة يتيمة..تتأمل صورتها للحظات، ثم تضيف قائلة: لقد رست بنا الباخرة ببور سعيد بعد أن عبرت بنا قناة السويس، للتزود بالوقود والمؤن.. طوال الرحلة لم يفتر الشيخ عن ترديد دعاء السفر، كان يختمه من حين لآخر بدعاء آخر لم أتبين معناه..لكن وجهه كان يطفح بالبشر..أذكر أنه هتف يومها في أذني قائلا:"أبشري بنيتي، لقد فرجت.."

ووقع شيء لم يكن في الحسبان..شيء يستحيل أن يتحقق حتى في الأحلام.."قالت المرأة مقهقهة وعيناها مغرورقتان بالدموع"..فما هو إلا وقت وجيز حتى وجدنا أنفسنا نطأ أرضا صلبة لا تميد..إنها أرض الكنانة الطيبة..أرض أشقائنا العرب والمسلمين..لم نعلم حينها الكيفية التي تم بها إقناع الفرنجة، كل ما علمناه بعد ذلك هو أن "الفرنجة" عضوا أناملهم من الغيض..يعني بالمصري:"انضحك عليهم"..

"كانت أحلى السنوات يابني، تلك التي قضيناها بمصر الطيبة"...قالت المرأة متنهدة..

9. لم يسر الصبي إلى رفاقه بما يجيش في نفسه هذه المرة، وإن كان الأمر يتعلق بالمرأة المصرية، سيدة الكنانة، تلك المرأة التي لا ينفك أن يشاطرهم تفاصيل أخبارها أولا بأول، إلا أنه هذه المرة اثر أن يظن عليهم بمشاعره أو بالأحرى مشاريعه، فكل ما لاحظوه في صديقهم بعد الانقلاب الكبير، هو هذا الصمت الذي أطبق عليه فجأة من السماء، وهذا البشر الذي يغلف وجهه..وأيضا تلك الغيبوبة التي ما فتئت تسترقه منهم من حين لآخر..

- "هذه علامات لا تظهر إلا على عاشق ولهان.." قال أسمرهم..
-"إنها علامات لا تبدو إلا على من ابتلي بالبلاهة"..قال أوسطهم..
-"ألا تلاحظون معي أن حالته هاته لها علاقة بالأميرة المصرية؟؟؟..قال أقصرهم..
- ماذا !!! أتقصد أنه وقع في حب المرأة العجوز؟؟؟ قال أثخنهم..‍‍

حدثت هذه المتغيرات فجأة بعد أن وعدته المرأة وهم مجتمعون حول مائدة الطعام ذات يوم، على إمداده بمزيد من التفاصيل الدقيقة والمعلومات المهمة والخطيرة التي تخص رحلتها التاريخية والميمونة مع شيخ المقاومة.."إن قررت يوما أن تصبح صاحب قلم، لا يشق له غبار، فهذه الأسرار حتفيدك جدا..بعرف إنك غاوي كتابة..لكن هل أنت فعلا أهل لها ؟؟؟..
قال بفرح عارم: نعم..أنا قدها وقدود...

- لكن بشرط!!!
- ما هو ؟؟؟ قال وقد لفته الحيرة..
- شرطي ده صغير زيك..يعني لازم لك شهادة ثانوية عامة، تنجح وتكون من الأوائل..قلت إيه؟

أومأ الصبي برأسه موافقا دون أن ينطق بكلمة، ثم شرع يأكل بشراهة غير مسبوقة، فقد انفتحت شهيته عن آخرها بعد أن بشرته المرأة بهذا الخبر، بحيث أتى على صحنه وامتدت يده تطلب المزيد، أما المرأة فكانت لا تنفك تشجعه ضاحكة: برافو حبيبي..يا رب تستغل الحماس ده في دراستك..شد حيلك "عقبال الثانوية العامة"...

ولم يفق كاتبنا الصغير من سكرته طويلة الأمد تلك، حتى جاءه الخبر المرقط بالأبيض والأسود ذات صباح اكتسحته غيمة من الغبار، حين بشرته أخته البكر بالنجاح المشرف الذي حققه في امتحانات الباكلوريا، ونعته أخته الوسطى متأسية وفاة المرأة "الفضية "... المفاجئ..وغير المتوقع..

من نفس المؤلف