تحليل قصِيدة أخي لميخائيل نُعيمة

، بقلم ضو سليم

تمهيد:

تُعدُّ الحرب من أكثر الظواهر الاجْتماعيَّة لفتا للأنظار لِهذا شغلت الإنسان قديما وحديثًا إلى درجة أنَّ التاريخ يُضبط من خلال الحروب مِمَّا يدفعُ إلى الاعتقادِ بأنَّ الحياة تقوم على الصِّراع وهي تُكرِّسُ ظاهرة العُنف من خلال أسبابها و آثارها و لئن تنوّعت أسبابها: عقائديَّة، سياسيَّة، اقْتصاديَّة، ذاتيَّة فإنّ أثارها واحدة: على مستوى الفرد [الإعاقة، الموت، الإبادة، اليتم، تشرد الأسر، الإصابة بعقدة الخوف و الهلع ] أو على مستوى المجتمع [ تدمير البنى التحتية و المُنجزات الحضاريَّة..] والقصيدة التي نتناولها بالتحليل تتنزّلُ في ذات السياق وهي نصٌّ شعري نُظم على تفعيلة مفاعيلنٌ [v---] للأديب و الشاعر اللبناني ميخائيل نُعيمة (1889-1988) مُقتطف من ديوانه همس الجُفُون يُصوِّرُ خلالها الشَّاعرُ آثار الحرب المُدمِّرةِ على الفرد و المُجتمع ماديًّا و نفْسِيًّا. يُمكن تقسيمُها إلى وحدتيْن حسب معيار المضمون
المقطع (1) [ من السطر 1 == السطر 15 ] المقابلة بين الضحية و الجلَّاد
المقطع (2) [ بقيَّة القصيدة ] موقف الشاعر: إدانة الذات و التشاؤم

المقطع (1)

بنى الشَّاعرُ نصَّهُ من خمسةِ مقاطع و جعل كُلَّ مقطعٍ يتكوَّنُ من خمسة أسطر شعريَّة مُتفاوتة الطول فالقصيدة إذن تنتمي إلى الشِّعر الحُرِّ الذي يكسرُ مع القواعد الكلاسيكيَّة القديمة التي تنُصُّ على الالتزام ببنية عموديَّة في نظم الشِّعر يتوزع خلالها الكلام بين أصدار و أعجاز متساوية التفعيلات موحَّدة القافية و الرويِّ. لكنَّ الشَّاعر و لئن تحرَّر من البحر و البيْت و استعاض عنهما بالسطر فإنَّهُ لمْ يقطع صلتهُ بالسُّنن الشِّعريَّة القديمة فالتزم بالتفعيلة (الوحدة الإيقاعيَّة الدنيا في العروض ) إلَّا أنهُ لم يلتزم بعدد التفعيلات و لا بوحدة القافية، الأمر الذي ساهم في تشكيل ملامح الإيقاع الخارجي للقصيدة و أبرز غنائيتها.

ورد المقطع الأوَّلُ خطابا شعريًّا غير مباشر طرفاه:

+ الباثُّ: الشاعر (ميخائيل نُعيمة )

+ المُتقبَّل: الإنسان عامَّةً في كُلَّ زمان و مكان (أطلق عليه الشاعر لفظة أخي)

لقد اِعتبر الشاعر المُتقبِّل أخًا له في الإنسانيَّة فالشعر عندهُ رسالة اجتماعيَّة تهتمُّ بموضوعات الحياة ومصير الإنسان في كُلِّ مكانٍ وزمان. و قد تكرَّرت هذه اللازمة الشعريَّة [ عادة قولية تَلزم الشاعر فيأتيها مرارا و تكرارا ] خمس مرات في مُفتتح كلِّ مقطع شعري وهو ما أكسب القصيدة نغميَّة مُميَّزة. وقد كثَّف الشَّاعر من توظيف التراكيب الشَّرطيَّة التلازميَّة للمُقابلة بين حالي الجلَّاد (المُستعمِر) و الضحيَّة (المُستعمَرُ)

جملة الشَّرط

+ إنْ ضجَّ غربيٌّ بأعماله..
+ إن عاد بعد الحرب جُنديٌّ لأوطانهِ.
+ إنْ عاد يحرثُ أرضهُ الفلاح أو يزرعْ

جُملة الجواب

+ فلا تهزج لمن سادوا و لا تشمت بمن دانا
+ فلا تطلب إذا ما عُدت للأوطان
+ فقد جفَّت سواقينا...

هذه التراكيب الشرطيَّة التلازميَّة تكشف بشاعة الحرب و قتامتها فالمُستعمر الغازي لن يخسر شيئًا وسيستأنفُ بعد الحرب حياته العاديَّة أمَّا الضحيَّة المُستعمر فسيظلُّ يكابد الويلات بعد ما خسره خلال الحرب من خسائر بشريَّة و ماديَّة و قد دعَّم هذه المُقابلة ما توسَّلهُ الشَّاعر من أعمال لُغويَّة إنشائيَّة.

الأساليب الإنشائيَّة

الأمر: اركع، اتبعني، هات، لنبكي

دلالاتها

أمر ممزوج بالنُّصح و الإرشاد يتوجَّهُ عبرهُ الشاعر إلى العرب و ضحايا الحروب بإجمالٍ يصور خلاله ما تتركه الحرب من مخلفات يدعوهم من خلالها للاستسلام لهذا الواقع المرير

الأساليب الإنشائيَّة

النهي: لا تهزج، لا تشمت، لا تطلُبْ

دلالاتها

نِقمة الشاعرِ على الغربِ و وحشيتهم تجاه العرب الذين أصابهم الضُّعف و الهوان

إنّ الحُروب تخلِّفُ خسائر بشريَّة و ماديَّة فادحة يدفع ثمنها المُنهزم عكس المُستعمر المُعتدي الذي لن يكلِّفهُ الأمر شيئًا.

المقطع (2)

يُشير الشَّاعر أنَّ الإسان هو المسؤول الوحيد عن اندلاع الحروب التي بإمكانه تلافيها و تلافي ما تُسبِّبهُ من خسائر فادحة للإنسانِ موظِّفًا في ذلك أسلوب الشَّرط المُمتنع (لوْ لم نشأهُ نحن ما تمَّ / و لو أردنا نحن ما عمَّا)

يوظِّفُ الشاعر الاستفهام الإنكاري و النفي ليُبيَّن فضاعة الحرب و مخلَّفاتها:

1. الماديَّة: فقدان الأهل و الوطن و الخِلان.

2. النفسيَّة: لا تخلِّفُ إلَّا الخزي و العار و الهوان.

لقد صرَّح الشَّاعر بتفضيله حياة الموت على أن يحيا حياة الذلِّ و الهوان (هات الرفش و اتبعني لنحفر خندقا آخر) في نزعة تشاؤميَّة عميقة

التَّأليف: القصيدة رسالة إنسانيَّة عالميَّة لنبذ العُنف و الحرب و إحلال السِّلم ركَّز عبرها الشَّاعر على ما تُخلِّفهُ من آثار مدمرة لدى الفرد و المُجتمع.


ضو سليم

قاص تونسي

من نفس المؤلف