البردوني شاعر الثورة

، بقلم سلوى أبو مدين

هناك العديد من المبدعين الذين فقدوا نعمة البصر ، وهذا لم يقف حائلا لديهم فأبدعوا وتركوا وراءهم بصمات لا زال يذكرها لهم التاريخ ومن هؤلاء الدكتور طه حسين ، والشاعر عبد الله البرد وني أحد هؤلاء الذي اعتمد على نفاذ بصيرته وحواسه المرهفة في إلقاء الشعر .. !
ولعل الكثيرون برغم أنهم يملكون حاسة النظر إلا أنهم حرموا نعمة الإحساس بالجمال والتمتع به ، وإذا تناولنا الإبداع عند شاعرنا البرد وني سوف نقف أمام لوحة سريالية رائعة يلونها بإحساسه المتوهج وكأنه يمسك بريشة فنان بارع ويظهر أصباغه على لوحته المرسومة . !
إذاً الخيال عند شاعرنا خصيب رغم فقده نعمة النظر غير أنه يصور قصائده الرائعة التي تحمل ألوانه السماعية ، كما يعتمد في تصوير الصور اللفظية ويصورها من خيالها الواسع الخصيب . !
*مكابدة البرد وني بقلمه :
إذا لم تكن الحقيقة تامة حين يكتبها الشاعر شعراً ، فإن النثر حقيقة حين يكون الوعي مصدرها ، وها هو بعض ما كتبه مقدمة لديوانه المجموع وقد كتبها في مرحلة نضج شخصي ، وفني يخلص فيها الباحث على حقيقتين:
أولا : ـ أن الشاعر البردوني ظل يكابد نفسياً من كف البصر .

ثانيهماً : ـ إن الشاعر يعاني من سوء التكيف الاجتماعي ، وهما الباعثان الأقوى في توجيه شعره وقوته . !

*يقول البرد وني عن نفسه :
أغمض العمى بين الرابعة ، والسادسة من العمر بعد أن كابد الجدري سنتين ، وقد كان حادث العمى مأتما صاخباً في لبيوت الأسرة لأن ريفه يعتد بالرجل السليم من العاهات ، فرجاله رجال نزاع ، وخصام .. كابد مكاره العيش ومتاعب الدرس، وبدأ يقرض الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره وأكثر هذا الشعر شكوى الزمن وتأوه من ضيق الحال ، وفي هذا الشعر نزعات هجائية .. فقد كان يعتز بقراءة الهجاء ونظمه ، وهذا بدافع الحرمان الذي رافقه شوطاً طويلاً ، فبكى منه وأبكى . ! !
وكان يظهر في إنتاجه طابع التشاؤم والمرارة .

يقول البرد وني في قصيدة " أنا "

ما بين ألوان العناء وبين حشرجة العنى
ما بين معترك الجراح وبين أشداق الفنا
بين مزدحم الشرور أعيش وحدي ها هنا
ما لم أدر ما السلوى ؟ ولم أطعم خيالات الهنا
الحب والحرمان زادي والغذاء المقتني
وهنا تبنتني الحياة وما الحياة وما هنا
أنا من أنا ؟ الأشواق والحرمان والشكوى أنا
أنا فكرة ولهى معانيها التضني والضنى
أنا زفرة فيها بكاء الفقر آثام الغنى

*لقد استحوذت العاهة على نفسه أيما استحواذ ، فلم يستطع إخفاء شعوره الحاد بهذا الفقدان وفي شعره كثير من البكاء والشكوى منه وبوح مباشر وآخر غير مباشر عبر إسقاطات من خلال ضمير الغائب .
متى عميت فكاد يعميها البكا وحنانها الباكي يشاركني العمى
وفي مقلتيه دموع وفي حشاه نحيب بلا أدمع
ثقيل الخطى بمشي الهوينى بجوعه وأحزانه مشى الضرير المقيد

*هكذا كان حاله أما قصيدة " سائل " ففيها توجه واضح بسبب الحرمان البصري أسقط فيها التوجع على لسان شيخ مستطيع بغيره سائلاً الناس حاجته مشيهاً خطاه الثقيلة بخطى الضرير المقيد يقول :

ثقيل الخطى يمشي الهوينى بجوعه وأحزانه مشي الضرير المقيد
ويمضي ولا يدري إلى أين ينتهي ولم يدر قبل السير من أين يبتدي
ويزجي إلى الأسماع صوتاً مجرحاً كئيباً كأحلام الغريب المشرد
يمد اليد الصفرا إلى كل عابر ولم يجن إلا اليأس من مدة اليد

*لقد بلغ البرد وني ذروة تشاؤمه في قصائد أخرى انطوت على شعور حاد بالحرمان البصري وانشغال بموضوع العين وملازمتها من سهاد ومرض ودمع وتكلم على سبيل قصيدة " مع الحياة " " وكلنا في انتظار " " وميلاد فجر " " وهكذا أمضي " " ورحلة التيه " .
*وجميع هذه القصائد دلت على الشعور التي استحوذت على الشاعر وما يغلفها من مرارة وخوف وقلق دائم الذي يلازمه منذ فقد حاسة البصر فكان الشك ميلاداً لم يبرح ذاتها عوضها بوسائل لا تقوى على التعويض .. وكان هذا الميلاد أقوى أدواته الشعرية .

*لقد حاول البرد وني تعويض العين تارة بالسمع بوصفها الوسيلة الثانية بعد العين وهي محاولات كثيرة ومكثفة منها :
يا رفيقي هات أذنيك وخذ أشهى رنيني

وكذلك التعويض بالتذوق وهو يعتبر من وسائل الاتصال بالواقع ، فهي تزيد من تنوع الحياة ومسراتها عندما يعطيها الشاعر أبعادا أخرى فيقول :
يا رفيقي هات أذنيك وخذ أشهى رنيني
من شفاه الفجر أسقيك وخمر الياسمين
من معين الفن أرويك ولم ينضب معيني
يفعم الكون من معانيه شهداً ورحيقاً حلواً ويطغى غليله

*ومن الحقائق المعروفة أن النقص الذي يلحق بالإنسان يدفعه للبحث عن وسيلة تخفف الشعور فيلجأ العقل للسيطرة التي تخفف من هذا الإحساس أو الشعور وتأخذ الرغبة صورا متعددة عبر أنماط من السلوك ، فالصور البصرية تدخل متشابكة في صمم النسيج الكلي لأسلوبنا في التفكير .
*ونستطيع أن نقول بأن الشاعر الكفيف ، تميز بذاكرة عقلية موضوعها المعاني واستطاع أن يوجد لذاته صلة عميقة بينه وبين الواقع الذي يعيش فيه فيقول :
أصوغ قوامك من كل حسن وأكسوك ضوءاً ولوناً وعرف
*ويسرح بخياله الخصيب ومشاعره الفياضة التي تجتاحه حيناً وحين

فينشد قائلاً :

في هجعة الليل المخيف الشاتي والجو يحلم بالصباح الآتي
والريح كالمحموم تهذي والدجى في الأفق أشباح من الإنصات
فيذلك الليل المخيف مضى فتى قلق الثياب مروع الخطوات

له عشرة دواوين شعرية، وست دراسات. . صدرت دراسته الأولى عام 1972 "رحلة في الشعر قديمة وحديثه" .

دواوينه :

أما دواوينه فهي على التوالي:
من أرض بلقيس 1961 -
في طريق الفجر 1967 -
مدينة الغد 1970
لعيني أم بلقيس 1973
السفر إلى الأيام الخضر 1974
وجوه دخانية في مرايا الليل 1977 -
زمان بلا نوعية 1979
ترجمة رملية لأعراس الغبار 1983
كائنات الشوق الاخر 1986 -
رواء المصابيح 1989

وفاته :

في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الاثنين 30 أغسطس 1999وفي توجهه إلى الأردن للعلاج توفى البردوني وترك نتاج من شعره .

يقول في قصيدة فلسفة فن :ـ

لا تلمني إن بكى قلبي وغناك بكايا
لا تسلني ما طواني عنك في أقصى الزوايا
ها أنا وحدي وألقا ك هنا بين الحنايا
ها هنا ألاقيك طباعاً وسجايا
يا رفيقي هات أذنيك وخذ أشهى رنيني
قيل عن قصائده غلب عليها طابع الرومانسية القومية ، و الميل إلى السخرية والرثاء وأسلوبه يميل إلى الحداثة عكس الشعراء القبليين في اليمن .
كتب عبد الرحمن مراد الاغتراب في شعر البردوني " في زمن ما وفي لحظات كثيرة كنت أقف أمام البردوني بقدر من الإجلال والإكبار وكثيراً ما كانت اللحظات تثير الأسئلة في ذهني من تلك الأسئلة السؤال التالي:
كيف عاش البردوني ظروفه الاستثنائية وواقعه الاستثنائي ؟
هل عاش تيهاً في عتمة ذاته أم اغتراباً يتشظى في شعوره نتيجة وعيه به ؟ أم انقطاعا عن الأخر , أم معرفة ؟
لقد عاش البردوني في زمن كان الاغتراب سمته البارزة ذلك لأنه عكس أزمات سياسية واجتماعية وأخلاقية وفكرية ومن زاوية أخرى شعر الإنسان بقدراته وإنجازاته الهائلة في تحقيق قدراً من الوجود مما سبب قلقاً وخوفا من القادم المجهول الذي سيحمله الفجر الجديد مثل هذا القلق والخوف نلاحظه في ديوانه مدينة الغدة في نص ذكريات شيخين حيث يقول :
دخلت صنعاء باباً ثانياً ليتها تدري إلى أين افتتح
ولك أن تقرأ ديوان ( من أرض بلقيس ) حتى تجد الاغتراب موضوعا بارزاً وملحوظا فيه " .
إذاً كما قيل بأن " البردوني كان يسعى إلى الخلاص من غربته عن طريق المعرفة التي كان يسبر غورها في ذاته جلاءً لكل ما هو إنساني فيها " .

أردتم أن تناموا مرتوين كما شئنا نبيت غطاشى نرضع النارا

كتب محمود مصلح الصقور قائلاً : " كان البردوني ينسى نفسه وهمومه لحمل هموم الناس، ونأى بنفسه عن الجهات والجمهوريات والاحزاب السياسية ودخل الساحة السياسية اليمنية مستقلا، سجن بسبب شعره وطرد من وظيفة مدير إذاعة صنعاء‚ وجاهر بآرائه رغم معرفته بالمتاعب والشقاء الذي سيتعرض له، الا انه لمم يكن يخشى السلطة والعسس ما ستأتي به كلماته واشعاره من متاعب وشقاء.
عاش ضريراً مع الفلاحين ، فقد حنان أمه منذ الصغر، في شعره مسحة من الحزن والكآبة حين أخفق في الحب ، والا ان فقدان لبصره جعله يؤثر الصور المسموعة أو الصوتية على الصور المنظورة أو المرئية.
ولد ونشأ في بيئة فقيرة كادحة مفعمة بالحرمان، اصبغت على شعره طابع عاطفي وحنون على الفقراء المحرومين والمعدمين فهو واحد منهم وهو من احس بشقائهم ، ولذلك نجده يلمح في ديوانه على التناقض الطبقي استنزاف جهد الكادحين في المجتمع اليمني، وفي هذا المجال كتب البردوني قصيدة «حين يشقى الناس» ومنها هذين البيتين:
حين يشقى الناس أشقى معهم
وأنا أشقى كما يشقون وحدي !
وأنا أخلو بنفسي والورى
كلّهم عندي و مالي أيّ عندي


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف