وسائدُ الوجعِ

، بقلم سلوى أبو مدين

انسكبَ الخوفُ دفعةً واحدةً علَى وجهِي، وأنَا أجاهدُ جسدِي المثقلَ، ويديَّ المرتعشتين، والشهقةُ تعلُو صدري.
ألقيتُ بجسدِي على مقعدٍ خالٍ، والصمتُ اختارَ المكانَ.
إلاَّ من آهاتٍ تصدرُ بحرقةٍ من بعضِ المرضَى المتعبينَ!
وجهٌ لا أذكرُهُ يطلُّ من خلفِ النتوءاتِ بابتسامةٍ تحاولُ التخفيفَ عنّي.. شخصتُ ببصرِي كادَتِ الحروفُ أنْ تخرجَ وتراجعتْ في اللحظةِ الأخيرةِ!
الهدوءُ يعصفُ بالحجرةِ إلاَّ من صوتِ تمزيقِ البلاستيكِ الذِي غلّفَ إبرَ المحاليلِ.
عاودتْ تلقِي بنظراتِ اللامبالاةِ إلى ساعةِ معصمهَا، وتلقي تنهيدةً طويلةً أطبقتْ علَى صدرهَا!
خطواتٌ بطيئةٌ.. عادتْ علَى غيرِ العادةِ.. بيدهَا حاملٌ علّقت عليهِ أنبوبًا طويلاً.
صوتٌ في داخلِي مزّقَ الصمتَ.
لا.. أحدَ هنا.
سوَى آهاتِي المتعبةِ
قناعٌ ملوّن سقطَ أمامي.. مسافةٌ طويلةٌ أقطعهَا.. سحابةٌ سوداءُ تغطِي وجهِي.. أسافرُ خلفَ شطآنِ الخوفِ!
انتظارٌ مُملٌّ.. ضاقَ بي المكانُ!
في لحظاتٍ تغيّرت معالمُ الأشياءِ، وأغرقُ في رحلةِ الألمِ الممضِّ
لا أحملُ فوقَ سريرِي الأبيض سوَى لونِ وجهِي الذِي اختبأ خلفَ صدَى الخوفِ..
تعابيرُ مشطورةٌ تظهرُ.. احتسِي مرارةَ الوجعِ..
أتركُ لجرحي العنانَ..
وخزٌ يقطعُ وريدي.. إبرةُ (السيروم ) يسرِي فيهِ ماءٌ لونُهُ أسودُ
أسودُ من الليلِ.. تكادُ الآهةُ تشقُّ صدرِي!
ابتلعهَا..
ما بينَ الخوفِ والفرحِ.. أبقَى وحيدةً على قارعةِ الوجعِ
احترقُ.. الإعلانُ عن النسيانِ باتَ محالاً
لم يعدْ هناكَ ما يُحتفى بِهِ سوَى
لحظاتٍ مخنوقةٍ تحتضرُ
سكنَتِ الليلةُ في قاعِ نفسِي
بحجمِ الوخزِ.. الذِي حفرَ أنيابَهُ في ساعدِي
أمّا قواريرُ المحاليلِ فقدْ استلقتْ مثلَ جسدِي فوقَ رفٍّ
مع وجوهٍ كانتْ هنَا.. ونسيهَا المكانُ!
كلُّ الألوانِ مُسحتْ إلاّ لونَ الألمِ يقبعُ فيَّ..
لم أعدْ أرَى سوَى وجهه الرماديّ..

من بقايَا الظمأ.. يبحثُ عنّي
أرثي نفسِي.. من خلفِ فصولِ الألمِ
ارتشفُ آخرَ مشهدٍ للسوادِ
وأبحرُ في مدنِ العطشِ الثكلَى
ليلِي تأخّرَ.. وأوردتِي تنتظرُ الإفراجَ
أحملُ حقيبةَ المفرداتِ.. وأغدُو بينَ شوارعَ ترتدِي الظلامَ
ولا أرَى سوى وجهٍ واحدٍ يعصفُ بي..
وجهُ الرمادِ يطلّ من خلفِ الكهوفِ..
ليعلنَ آخرَ فصولِ الوجعِ.


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف