نَعيُ عنتَرة..

، بقلم حسين مهنا

في خَلوةٍ معَ النَّفسِ ذاتَ مساءٍ، وبعدَ أَن أَرجعَتْهُ الذِّكرياتُ الى الوراءِ عُقودًا تراكمَتْ فوقَ بعْضِها فجعَلَتْ منهُ جَدًّا لِأَحفادٍ وحفيداتٍ في مُختَلَفِ الأَعمارِ، نَدَّتْ آهةٌ من بينِ شفتيهِ العَجْفاوينِ تعجُّبًا من سُرعةِ الزَّمنِ لا تَوجُّعًا ! إذ كيفَ يتوجَّعُ مَنْ كانَ مثلَهُ وهو المُعتزُّ بأُسرتِهِ من بناتٍ ومنْ بنينَ وأَحفادٍ وحفيداتٍ يرى في أَعمارِهِم امتِدادًا لعُمرِهِ؛ وهذا بحَدِّ ذاتِهِ يجعلُهُ مُقبِلًا على الحياةِ غَيرَ مُدبِرٍ.. يجعَلُهُ سعيدًا لا يتحسّرُ على شبابٍ خطَّتْهُ الأَيّامُ سطورًا جميلَةً في دفاتِرِها، ولا حتّى ينشغِلُ بالتَّفكيرِ بالموتِ وهو في خريفِ العُمرِ كما يفعلُ الكثيرونَ من أَترابِهِ!

حينَ وصلَ الصِّغارُ، كعادتِهم، في أَيّامِ العُطلةِ الأُسبوعِيَّةِ، هَشَّ الجَدُّ أَبو أَحمد وبشَّ لِرُؤْيةِ الصِّغارِ، فَمَنْ مِثلُهُم قادِرٌ على إدخالِ الفَرَحِ الى قلبِهِ الّذي باتَ يعمَلُ بِمُنشِّطاتٍ طِبِّيَّةٍ تُعيدُ تنظيمَ دقّاتِهِ،والقُدرةَ على ضَخِّ الدَّمِ ليصلَ الى كلِّ جارحةٍ من جوارحِ جسمهِ الضّاوي... وتَأْخذُهُ الذِّكرياتُ الى زَمَنٍ غابِرٍ كانَ فيهِ حَفيدًا، وكيفَ كانَ يهرَعُ لِيَرتمي على صَدرِ جَدَّهِ بمَحبَّةٍ غامِرَةٍ، وكيفَ كانَ يرى دموعَ الفَرَحِ تَتَرقْرقُ في عينيهِ الذابِلَتينِ، ويسمَعُ وشوشَةَ الشُّكرِ لِرَبٍّ معبودٍ وهبَهُ ما وهبَهُ من زينَةِ الحياةِ الدُّنيا... ثُمَّ لا يَلبَثُ أَنْ يُلِحَّ عليهِ كي يحكي لهُ حِكايَةً... ويتساءَلُ الجَدُّ أَبو أَحمد في سِرِّهِ: أَينَ الأَحفادُ اليومَ من أَحفادِ تلكَ الأَيّامِ؟! يدخلونَ.. يُقبِّلونَ يَدَ الجَدِّ كفريضةٍ يُؤَدّونها أَكثرَ منها اشتياقًا! ويجلِسونَ، لا يَتقافزونَ ولا يتهارشونَ،ولا حتّى يتكلَّمونَ بل كُلُّهُم صامتونَ وغارِقونَ في شاشاتِ( آي فوناتِهم) الصَّغيرةِ.

وتَأْخُذُهُ الذِّكرياتُ مَرَّةً أُخرى الى أَيّامٍ مَضَتْ حيثُ كانَ الجَدُّ مركِزَ الدّائِرةِ في السَّهَراتِ، خاصَّةً في ليالي الشِّتاءِ، فكانوا يتحلَّقون حولَ الموقِدِ يلبَسونَ الدِّفْءَ رِداءً فوقَ أَردِيتِهم ويُصغونَ الى الجَدِّ وهو يقصُّ عليهِم حِكايةَ عنتر وعبلة،والشّاطرحسن والسِّت بدور، والزّير سالم، وأَبي زيد الهلالي سلامة، بطريقةٍ تمثيليَّةٍ تشدُّ حواسَّهم وتُحرِّكُ خيالاتِهم؛ فمنهم مَنْ يتخيّلُ عنترةَ صالح السَّعدي بطلَ القريةِ وشايلَ شَيْلَتِها، وصارعَ ثور أبي خَلَفٍ الشَّرسَ في السّاحَةِ العامَةِ؛ ومنهم مَنْ يتخيَّلُهُ شبيهَ الخْضرِ في الصّورةِ المعلَّقةِ في كلِّ بيتٍ، يمتطي حصانَهُ الجامحَ ورُمحُهُ في يُمناهُ، إلّا أَنَّهُ عَبدٌ أَسود..ومنهم مَنْ تخيَّلَ عبلةَ مثلَ (قُمريَّة) أَجملِ صَبايا القريةِ والّتي ظَلَّ يُضربُ فيها المَثَلُ حتّى بَعْدَ أَنْ شاخَتْ وماتَتْ..... حلاوةُ الذِّكرى هذهِ دفعتْهُ الى خاطرٍ خطرَ لهُ فَجأَةً، فقالَ: اسمَعُوا يا أَعزّائي.. ماذا لو تركتُم ما بأَياديكُم وأَصغيتْم لِأحكي لكم حكايةَ عنترة، هذا الفارسِ العربيِّ، وما حدثَ لهُ معَ ابنةِ عمَّهِ عبلة.. وكيفَ كانَ يُغيرُ على الأَبطالِ فيُجَندِلُ الواحدَ تِلوَ الآخرِ! وراحَ يقصُّ عليهم القصَّةَ متقمِّصًا شخصيّةَ جدِّه بحركاتِهِ وبأُسلوبِهِ التَّمثيليِّ، مُؤَكِّدًا على شجاعةِ عنترةَ وإقدامِهِ.. فقاطعهُ أَحدُ الأَحفادِ باسِمًا:

- وهل عنترةُ هذا يا جَدّي يبْطحُ (سوبر مان)؟

ووَسْطَ موجةِ الضّحكِ قالَتْ إحدى الحفيداتِ:

- عبلةُ هذهِ يا جَدّي لا يُمكنُ أَنْ تكونَ أَجملَ من(مارلين مونرو)!

وأُسْقِطَ في يدِ الجدِّ.. ولكنَّهُ قرَّرَ أَنْ لا يستسلِمَ فقالَ: ما رَأْيُكم لو تَرَكْنا عنترة معَ ابنةِ عمّهِ، وحكيتُ لكم حكايةَ أَبي زيد الهِلالي سلامة؟ وكانَ في القريَةِ رجلٌ يبيعُ سَمَكًا يدعى سلامة، فقالَ حفيدٌ آخَرُ من بابِ التَّندُّرِ:

- وهل لسلامة السَّمّاكِ حكايَةٌ يا جَدّي!؟

ومن خَلَلِ ضَحكِ الأَحفادِ المُتواصِلِ، قالَ الجدُ ضاحَكًا هو الآخَرُ:

- حَسَنًا، ما رأْيُكم بأَنْ أَقُصَّ عليكم قِصَّةَ الزّير سالم؟ وعلَتِ الأَصواتُ لِتُنهي مُحاولاتِ الجَدِّ في إقناعِهِم بالإصغاءِ الى قصصِهِ:

- لا تُتعبْ نَفسَكَ يا جَدّي، لا سالم ولا سلامة ولا عنترة.... دَعْهم يرقدونَ بينَ طيّاتِ الكتُبِ! ...ورفعَ أَحدُهم (آي فون) عالِيًا قائِلًا:

- هذا يا جَدّي يضَعُ العالَمَ بِما فيهِ بينَ أَيدينا ويقُصُّ عَلينا قصصًا لا أَوَّلَ لها ولا آخِر..

ويصمتُ الجدُّ غيرَ عاتِبٍ ولا غاضبٍ.. مُتَرَحِّمًا على جبران خليل جبران إذ قالَ: أَبناؤُكم ليسوا لكُم ..أَبناؤُكم أَبناءُ الحياةِ.. والحياةُ لا تعيشُ في منازِلِ الأَمسِ...ولكنَّهُ عادَ وترحَّمَ على أَوَّلِ مَنْ قالَ:مَنْ ليسَ لهُ ماضٍ ليسَ لهُ مستَقبَلٌ بل يعيشُ حاضِرَهُ مُعلَّقًا لا في السَّماءِ ولا على الأَرضِ! صمَتَ حزينًا كئيبًا لاعلى تُراثٍ عربيٍّ أَلبَأَهُم لِبَأَ العِزَّةِ والكَرامَةِ فقطْ، بل على تلكَ الرَّوابطِ الإنسانيّةِ السَّاميةِ الآخذةِ بالانقراضِ بينَ الأَخِ وأَخيهِ في الأُسرةِ الواحِدةِ!..بَلهَ العلاقةَ بينَ الإنسانِ وأَخيهِ الإنسانِ.....

(البقيعة /الجليل 7/11/2018 )


حسين مهنا

شاعر فلسطيني

من نفس المؤلف