العمود الفراهيدي والجاهلي وأشياءُّ أخرى(١)

، بقلم هاتف بشبوش

سأرمي بالنظم النبيل (قصيدة القافية) الى كلاب النثر...فيكتور هيجو

مهما حاول الشاعر أن ينتج شعرا غزيرا ونوعياً سيسجل له التأريخ والناس قصيدتين أو ثلاث وفي أكثر ألاحوال أربعة قصائد تتغنى بها الأنام وتظل عبر التأريخ بسراجها المعنوي واللحني الجميل وأما ما تبقى من شعره في كل دواوينه مهما عظم عددها يبقى شعرا وإبداعا عاليا ينم عن التعب وسهر الليالي لكنه يبقى شعرا على ورق. وكما قال محمود درويش:

أجملُ الأشعارِ مايحفظهُ عن ظهر قلبٍ كل قاريء
فإذا لم يشرب الناسُ أناشيدك شرب
فقل: أنا وحدي خاطيء

فهناك الكثير من الأمثلة التي تؤيد ما نقوله على سبيل المثال حفظنا للمتنبي (أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي) للجواهري (نامي جياع الشعب نامي)، مظفر النواب (أولاد القحبة هل تسكتوا مغتصبة)...سعدي يوسف (على الأسوار ولدنا وتحت الأسوار نموت)..أبو القاسم الشابي (اذا الشعب يوما أراد الحياة) المتنبي أيضا (عيد وبأي حال عدت يا عيدُ) وهكذا ساري المفعول لبقية الشعراء العظام.. حيث بقي شعرهم الغزير أدراج الرفوف وفي الورق الصقيل للقراءة والإستمتاع مهما حاول التلاعب في الألفاظ وفي جنس القصيدة وشكلها النثري أو الخليلي، فقبل أيام ومن على شاشة الميادين حطّ الشاعر الكوني أدونيس من شأن القصيدة العمودية وقال: انها واهنة ومتشابهة وبدوية وشكلية، وانه مذ أكثر من خمسين عام عمل للحداثة وقصيدة النثر والقضاء على كل مايتعلق بالأوزان التي تفسد الشعر وتجعله جامدا مقيدا بلا حرية، وهنا يشمل في حديثه حتى قصيدة التفعيلة. ثم يضيف من انّ الشعر حينما يتحرر يكون متلئلئاّ ووهاجاً أكثر. ولذلك عمل أدونيس مع عازف العود الشهير نصير شمة عملا موسيقيا شعريا مذهلا، فكان يقرأ قصائد نثر فيها إيقاع داخلي جميل مع أنغام نصير ولم يقرأ قصائد مقفاة، إشارة منه الى ركل المقفى خارجا عن حلبة الشعر الحديث. أضف الى ذلك أدونيس كان صديقا حميما لبدوي الجبل وكلاهما يكتبان في بداية المشوار قصيدة العمود قبل أكثر من ستين عام، لكن أدونيس انشق عنه وقال له من انّ العمودية انتهت ولم تأت بالجديد وكان جدالا كبيرا بينهما لكنهم بقوا أصدقاء حتى ممات بدوي الجبل. والآن ننظر الى ماوصل اليه أدونيس.حيث أصبح مفكرا وعظيما في قصيدة النثر، ورشح لجائزة نوبل، أما بدوي الجبل بقي يراوح في مكانه حتى مقتله هو وابنه وشقيقه.

سعدي يوسف قبل أيام كتب سونيتة جميلة عن دجلة فقال له أحدهم: هل عدت الى العمود فأجابه سعدي: ياولدي هذه سونيته فلاعودة للعمود. ومن ثم الناقد والشاعر والعالم الكيميائي العراقي عدنان الظاهر ترك العمودية أيضا قبل أكثر من خمسين عام أي مذ ان خرجت الصرخة المدوية للنثر في فرنسا ومن ثم اعتراض نازك الملائكة عليها وموافقتها على التخلص من العمودية لكن عدم قناعتها من خلو الشعرمن القافية ولذلك كانت مع الخلاص من القصيدة العمودية لكنها كانت مع الإبقاء على التفعيلة والحرة دون النثر. نازك الملائكة التي إتخذت هذا الإسم حبا بالشهيدة السورية في زمن الإحتلال الفرنسي كتبت قصيدة الكوليرا أيام تفشي الوباء، كتبتها بالعمود لكنها وجدتها ضعيفة مما اضطرت أن تكتبها بالتفعيلة فجاءت في غاية الروعة ومنها ظهرت قصيدة التفعيلة في عام 1947، لكنها بقيت معترضة على قصيدة النثر التي جاءت بها مع الترجمة سوزان برنارد في عام 1957 في فرنسا، ثم تبناها أدونيس وانسي الحاج، شوقي ابو شعرة، محمد الماغوط، ومن شروطها التوهج، المجانية، الإيجاز، مضغوطة، قطعة واحدة.

أضف الى ذلك من أنّ القصيدة العمودية من أسهل الفنون ألادبية للتسلّق الأزرق لمجرد أن تأتي بكلمات مقفاة ذات روي واحد فتستطيع من خلالها أن تخلق قصيدة جميلة في شكلها لكنها فارغة في مضمونها ومعناها كما العاهرة التي تتزين فتظهر براقة في مظهرها لكنها من الداخل بعيدة كل البعد عن الكمال والجمال والمعنى عدا بعض الشعراء الكبار المشهود لهم في هذه القصيدة. ولذلك أقول لكل من لايستطيع التخلّص من القصيدة الفراهيدية ليكتب العموديةالجاهلية فهي بلاوزنٍ ولابحرٍ قانوني أورسمي، بل إيقاعُ داخلي مجرّد وأجمل بكثير من الفراهيدية لأنها الأصل وكلّ أصيلٍ حتما يكون أجمل من الفوتوكوبي..فقط الإتيان بكلماتٍ ذات رويٍ واحد وينتهي الأمر.

كما اني أرى أغلب كتاب العمودية يكتبونها بالجاهلية الغير موزونة مدعيا فراهيديتها لأنه ما من أحد يدقق مايكتبونه أو لجهل الآخرين في هذا الباب. ومهما يكن من أمر ستبقى القصيدة العمودية للإستشهاد والاستمتاع بجمالاتها الماضية فحسب، لأنها القصيدة المتحفية كما يقول بعضهم، مثلما أرى في الدنمارك وجميع الدول الأوربية حيث جعلوا القصائد المقفاة القديمة للغناء الفلكلوري والجناز الذي يحضره الطاعنون في السن فقط. ولذلك حتى هذه اللحظة لم تجد شاعرا فرنسيا يكتب النظم، عدا الشعر الغنائي الجميل لأنه لايخضع لقيود.

هذا يعني على نطاق عربي انّ كل من يكتب على طريقة إمرؤ القيس وعنترة وكل شعراء المعلقات ومن هم قبل القصيدة الفراهيدية العمودية، يكون قد إختصر الكثير من عقبات الوزن التي لاطائل منها ولسوف تظهر أجمل مظهرا ومعنىً من العمودية الفراهيدية التي لاتحمل غيرالقعقعة والجلجلة الفارغة وأكثر الضجيج يأتي من العربات الفارغة. أضف الى ذلك من انّ العرب معقدون ودائما ضد الجمال، فالقصيدة الجاهلية كانت بلا وزن وبلا بحر، مجرد إيقاع داخلي، وجاء الفراهيدي فجعل الأمر أكثر تعقيدا مثلما تسأل شخصا أين أذنك، فيمسك بيده اليمنى أذنه اليسرى ومن خلف رأسه ويقول هذه. أضف الى ذلك الجاهلية يظهر فيها الشاعر أقل كذبا من الفراهيدية. الشعراء عموما كذابون من بابِ أعذبِ الشعرِ أكذبهُ، ولكني أجدهم في العمود أكثر كذبا من النثر، ولذلك نرى الشاعر العمودي حين ينثر ضعيفاً هزيلاً في اللغة والتعبير والمعنى. كما وانني اليوم إبتعدتُ عن قراءة القصيدة العمودية الاّ لبعض الأصدقاء الذين لهم باع في هذا المجال وقد كتبتُ عنهم الكثير، كما وأنني بحوزتي أربعة وعشرين جزء من ديوان أبي الفرج الأصفهاني أغلبها تتغنى بالشعر الجاهلي المتحفي الجميل وهذا يكفيني وأفضل بكثير من الكذب الذي أقرؤه اليوم لمئات الشعراء مدعي الفراهيدية.

علاوة على ذلك لو تتبعنا تأريخ الشعر الغير موزون إبتداءً من العرب الأقحاح وأياد ومضرالى العصرالجاهلي والمعلقات وامرؤ القيس وعنترة الى العصرالأسلامي وحسان بن ثابت الى الخلفاء الراشدين الى الدولة الأموية التي حكمت خمسمائة عام الى الدولة العباسية حيث إزدهار الأدب أنذاك وفحول الشعر من الأصمعي الى الخليل ابن احمد الفراهيدي وإختراعه للبحور والأوزان فقدم اطروحته بخصوص الأوزان الخمسة عشر الى هارون الرشيد ثم جاء من بعده تلميذه الأخفش الأوسط فأخترع السادس عشر وهو البحر المتدارك، كل هذا الوقت لا اعرف كم من السنين كان الشعرُ يكتب بلاوزن ولابحور. أما عالميا فنقل لنا الشاعر الأعمى هوميروس كاتب الإلياذة والأوديسة الأغريقيتين من انّ الوصفة الطبيىة كانت تكتب على شكل شعر سجعي لكي يسهل حفظها.

هناك مثالا آخرا من لسان الفراهيدي نفسه نستكشف من انّ الجاهلية كانت هي الأجمل والأرقى والأكثر سلاسة وبساطة لخلّوها من الأوزان. ففي يوم حصلت مسابقة شعرية وحكمها الخليل ابن احمد الفراهيدي نفسه وأمام هارون الرشيد. فازت في المسابقة إثنتان من النساء أحدهما زبيدة زوجة هارون والثانية جارية وزوجة هارون أيضا بالسر والتي طلقها لاحقا. المرأتان جاءتا بنفس البيت الشعري لا أتذكره بالضبط، لكن على سبيل المثال احداهما قالت (رمتني بسهمٍ...فاقتلع العينَ والحاجبَ)...لكن الأخرى قالت (رمتني بسهمٍ... فاقتلع العين والحاجبا)، كلاهما صحيح في اللغة والمعنى لكن للضرورة الوزنية والبحور أضيف لها الألف، قال الفراهيدي الصحيح مما قالته زبيدة لأنها قالت البيت بالوزن الفراهيدي وضمن العروض والبحور، أما الجارية الآخرى قالت الشعر بالعمود الجاهلي، فأعطى الفوز الى زبيدة لأنها قالته ضمن قوانين العروض الفراهيدية وهذا اعتراف من الفراهيدي من أن العمودية الجاهلية بلا وزن ولابحر رسمي أو منهجي مما جعلها أكثر بريقاً وسلاسة ووقعا على اللسان.

يتبـــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــــــزء الثانـــــــي


هاتف بشبوش

شاعر عراقي

من نفس المؤلف