قدم سكّرية

، بقلم جورج سلوم

قلت لها رداً على مكالمية هاتفية:

- عيادتي للمرضى فقط بناءً على موعدٍ مُسبَق.. وإن كانتِ الحالةُ إسعافيّة فعليكِ بأحد الزملاء وما أكثرهم (والحمد لله )!..لذلك اعذريني من فضلك.. ولا داعٍ للإلحاح

قالت:

- ولكنّ أمي مريضة قديمة عندك.. وهي مصرّة عليك وإن كانت لجأت لغيرك في السنوات الماضية، فالسبب هو الظروف الأمنية المنصرمة وتنقلاتنا حيالها
ودخلنا في استجوابٍ حول حالتها.. والتطوّرات التي طرأت عليها والعلاجات التي خضعت لها.. مع السخرية طبعاً من أسماء الزملاء المعالجين على اختلاف إختصاصاتهم.. وكنت أحرّضها لإنزال أقسى الأوصاف على زملائي بطريقة لبقة.. بأن أقول لها بأن هذه الأوصاف لا تجوز والزملاء كلهم ممتازون ولكنهم لم يُوفّقوا لسوء الحظ.. ولكن ذلك كان يجعلها تكيل لهم وعليهم.. وتزيد

ولم يزدني ذلك إلا غروراً.. وتلك طريقة رخيصة يلجأ إليها الكثير من الأطباء لتلميع أنفسهم.. فاتّضاع الآخرين يزيدنا رفعةً..

وما أسهل علاج مريض تخبّطت حالته وتفاقمت بين الكثير من الأطباء.. بكل بساطة ستكون عندها بطلاً لو شفيته (والشافي هو الله طبعاً)..وتكون معصوماً ومحميّاً لو لم تنجح.. على طريقة (عمِلنا ما يُمكن عمله )..فكفاك فخراً أنك أصلحت ذات البين الذي اقترفوه
لذا كنت أطيل اتصالاتي معها مستمتعاً بنبرتها الهجومية السريعة.. ونقدها اللاذع.. وكلماتها التي لا تخلو من الدّعاء لي بأن يأخذ الله بيدي.. ويفتح بصيرتي.. ويسدّد مشورتي.. ويؤيّدني بنصره.. ويزيدني إعجازاً ومعجزات!

وعندما جاؤوا بالمريضة العجوز محمولةً بسيارة الإسعاف.. كانت كما توقّعْت.. مُدنفة هدّها العمر وتكاليفه.. وقصور القلب ووذماته.. والسكريّ ومضاعفاته في العيون والكِلى وأصابعِ القدمين التي قضمَها التموّت والاسوداد والتقرّح

رائحة المريضة توحي بإنتانٍ مُستفحل في القدم السكرية.. والكشف على تلك الجروح وتنضيرها يتطلّبُ حجْبَ عيونها بستارة كي لا ترى وإن كانت لن تحسَّ بالألم ولا ترتكسَ للإيلام
قالت:

- أنت أولُ طبيبٍ يكشف على الجرح مراعياً أحاسيس المريضة فلا ترى المقصّات التي تنهش لحمها

ابتسمْت وقلت في نفسي:

- ولماذا الحجب والستر عن عيون مريضةٍ نصفِ عمياء.. وكأنني كنت أحجب الجروح عن ابنتها التي احتضنت رأس أمها لتواسيها وتخفف عنها المصاب الجلل..

وسمعتها تقول بصوتٍ مسموع من خلف الستار الحاجب:
- المهم ألا نصلَ إلى بتر الطرف يا حكيم

بعدها جلسَتْ (والخوف بعينيها )..متهالكة قبالتي.. وتابعت:

- هذه كل الأدوية التي تناولتها طيلة الأشهر السابقة.. سنرميها كلها ونستبدلها بما تشور علينا به.. أنت الآن طبيبنا الأوحد

واقتربَت مني وهمسَتْ:

- إن كان هنالك قراراتٌ جراحية كبيرة سنتكلّم بها لاحقاً بيني وبينك.. فالوضع النفسي لوالدتي صار في الحضيض.. والخوف يرفع قيم السكري كما تعلم

قلت:

- نعم.. بيني وبينكِ أقول بأن الأمل بات ضعيفاً.. لأنّ القدم فقدت بعض أصابعها بالبتورات المتكررة.. والإنتان ما زال عميقاً وممتداً..لذا لو نجحنا بإيقافه سنحصل على طرفٍ عاجزٍ فاقدٍ لوظيفته.. والقانونُ الطبيّ يقول بأن الطرفَ الصناعيّ خيرٌ من طرفٍ غير وظيفي.. فما رأيك ؟
- الرأي رأيك.. ونحن الآن بين يديك

قلت محاضراً وكأنني اعتليتُ منبراً وجمهوري فقط مريضةٌ مسجّاة وابنتها الوحيدة التي أسقِط في يدها:

- سنحاول بإصلاح ما يمكن إصلاحه.. أنتِ إنسانةٌ مؤمنة والله على كل شيء قدير.. سنحاول بالعلاجات المحافظة كضبطِ السّكر وبعض الصّادات الحديثة والضمادات المتكررة.. هناك تطوراتٌ في الطب قد لا يواكبها الزملاء سنعوّل عليها، وندلي بدلونا ونبذل قصارى جهدنا، تغطينا دعواتك لله بأن يهدينا.. وهذا يتطلب منا مراقبة لصيقة في المشفى وإشرافاً طبياً وتمريضياً شبه يومي.. والصبرمفتاح الفرج

قالت مستسلمة:

- نحن طوع أمرك.. ولكن التكاليف الكبيرة في المشفى لا قدرة لنا عليها.. ألا يمكن تطبيق تلك العلاجات في المنزل؟.. ولن تكون إلا راضياً.. المهم ألا تقطعوا ساقها فقطع رقبتي أهون عليّ.. وإن أخذ الله أمانته وتوفاها كاملة غير منقوصة فلا اعتراض على مشيئته
- نعم.. ولكن وقتي لا يسمح بزيارة البيوت وخاصة إن تطلّب الأمر تكراراً ومداومة وملازمة
- بالله عليك.. اقبل رجائي وتابعها في المنزل.. ولن تكون إلا راضياً

قالت ذلك بتوسّل قريب من التسوّل.. وأمسكت بيدي وقالت:

- بيتنا ليس بعيداً.. نحن وإياك على موعد تحدده على هواك وفي وقت فراغك.. وأمي ستسعد بزياراتك المتكررة.. أليس كذلك يا أمي ؟

وقالت الأم:

- اعتبرني أمك وافعل بي ما شئت.. المهم أن أكون في بيتي وعلى فراشي.. ولن أخرج بعد الآن من فراشي إلا إلى قبري.. تعبت من التنقل بين عيادات الأطباء والتسمّع لآرائهم المتناقضة.. وكل زيارة يقطعون جزءاً من قدمي.. لقد توزّعت أصابعي في أكياس قماماتهم.. إنهم لا يدفنون اللحم البشري المبتور بل يرمونه مختلطاً بأعقاب سجائرهم المحروقة

وهكذا تكررت زياراتي إلى تلك المريضة في بيتها.. وكنت أجد ذلك عبئاً ثقيلاً في البداية.. ووقتاً ضائعاً لا طائل منه فلا مردوداً مالياً يُحسب حسابه.. ولا شفاء ملحوظاً أتفاخر به..

لكني شيئاً فشيئاً صرت أكثر من زياراتي.. وفي أوقات قد لا تكون مناسبة أو متوقعة.. ولم أجد في ذلك حرجاً فقد كنت دائماً مُرحَّباً بي.. وأحياناً كنت أجد الأم نائمة فلا نوقظها.. فقط أشرب قهوتي مع ابنتها كضيفٍ يمرُّ بهما مرور الكرام

بيتهما الصغير كان مريحاً لي كمحطة أو استراحة مفتوحة بأي وقت.. وقهوته صارت محببة بل ومطلوبة كشيء ينقصني لو غاب عني طويلاً.. وحديثي معهما صار متشعباً وبعيداً عن الطب وأدويته وكلماته المكررة والمملة.. وكثيراً ما كنت أدخل وأخرج بدون أن أرى الجرح حتى.. ونترك الضماد للزيارة القادمة وهي قريبة.. قد تكون غداً.. وقد تكون بنفس اليوم!

لا عتب من الاثنتين.. فكلتاهما موافقتان على ذلك..

أحياناً كانت الأم تصطنع النوم اصطناعاً.. فتغمض عيونها التي لاترى إلا الظلال.. وتترك آذانها مصغية لأحاديثي متناثرة الاستطرادات مع ابنتها.. وكنت أعرف ذلك وأرى ابتسامتها الراضية.. وكانت تستفيق عندما أهمُّ بالخروج معتذرة ومطالبة بكشف الجرح وتغيير ضماداته في المرة القادمة.. جميعنا بتنا على قناعة بأن العلاج المحافظ لن يجدي.. وجميعنا رافض لبتر الأطراف وينتظر القدر ليدلي بدلوه.. حتى استخاراتها التي بيّتتها فرضت ذلك.. فقد قال لها الملاك الذي ظهر في الحلم ألا تغادر فراشها إلا إلى مثواها الأخير

كانت قدمها (سكرية ) فعلاً بمعناها المجازي.. فقد أضافت حلاوة إلى مرارة أوقاتي العصيبة.. وكانت خطواتي تقودني إلى ذلك البيت من حيث لا أدري لأرتاح.. وأتكلم بين آذانٍ مصغية دائماً.. وأهذي وأضحك على طرائف ترويانها ليحلو الكلام.. وكنت أسمح للمريضة السكرية أن تتناول الحلوى التي تصنعها ابنتها كل مرة احتفاءً بزيارتي.. لا بل كنت أنفث دخان سيجارتي بجانبها بلا حرج..

لم تعد تلك الأم تنتظرني كطبيبٍ معالج.. وأنا كنت أنسى أن أحضر حقيبتي الطبية أحياناً.. والقدم السكرية الملفوفة بالضمادات كالمومياء كنا ننساها أحياناً تحت اللحاف الثقيل وأغطية الفراش المتراكمة كهرم لاداعي لكشف ألغازه.. حتى يحين موعد انبعاث الروح!

عندما ماتت.. ماعاد هنالك سبب لزيارة ذلك البيت.. ولكني ما زلت أردد أنّ قدمَها كانت سُكّرية فعلاً إذ أضافت بعض الحلاوة لأيامي تلك.


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف