الدائرة المتحولة

، بقلم أحمد بوستة

عندما نمعن النظر في شكل الدائرة ، نجزم أن بدايتها غير محددة، وأن لكل دائرة بداية، وربما نهاية. يتوقف ذلك عمن يرسم الدائرة.
لكن، هل فعلا لكل دائرة بداية هي نفسها البداية من جديد؟ دعني أقول إن حديثي لا ينحصر البتة في البعد الهندسي الثنائي أو الثلاثي، ودعني أشير الى أنني أتحدث خارج المكان والزمان.

وعليه، فإنني أستبعد نظرية تطابق نقطتي البداية والنهاية في الدائرة، كما أنني لا أقول بالتكرار، بل إن مع كل نفَس جديد، ولادة جديدة . 
ولعل ناموس الحياة ينسجم مع هذا الرأي، فتجد الإنسيابية في الزمن حاضرة بالقوة وبالفعل، متقدمة من نقطة (أ) الى نقطة (ب)، ومن نقطة (ب) إلى نقطة (ج)، وهكذا دواليك حتى تعلن قيامة الأفراد والجماعات.
وتبدأ الحياة الحقيقية، حياة فيها من التجدد ما لا رأت عين ولا سمعت أُذن، إنها خارج الزمان والمكان، وبعبارة، إنها المطلق.

انتفت الدائرة إذن، وهو ما يزعزع لدينا بعض الثوابت التي تعلمناها في المدارس، لا وجود لدائرة نهايتها هي البداية، رغم أن هذا هو التجلي الظاهر للعيان، لكن العمق يقول (والشمس تجري لمستقر لها) [1]. هي إذن متحركة وغير ثابتة، تلاحقها الكواكب في مسار ذو شكل لولبي، لا تنصهر فيه نقطتا البداية والنهاية.
في كل ثانية، دقيقة، في كل ساعة، نعيش الجِدَّة والتجدد، واهم من يظن أننا نكرر أنفسنا، ولو ظهر للعيان أننا بصدد التكرار. 
تتجدد خلايانا كل ثانية، بالتالي، ما فات قد فات، ولا يمكن استدراكه هو بذاته، في لحظته وزمانه وكنهه أبدا، أبدا، يشير العامة لذلك بقولهم :(خروج الوقت).

نحن إذن كائنات متحولة غير ثابتة، من هنا يبقى الطموح والهدف هو البحث عن الثبات، ولهذا فنحن نسعى إلى تملك الثبات [2]، ونخاف التحول، مع هذا الأخير تتفلت منا الضمانات، فنبقى في مهب الرياح، ونحتاج حينها إلى القوة المطلقة من أجل صنع وإقرار الثبات.
إن الإنسيابية في الزمن قدر حتمي، كما أن حركية الكون بكل مكوناته في فردانيتها أو تعددها، أمر حتمي كذلك، وإن هذه الحركية وحيدة الإتجاه، إننا كمن يتم احتواؤه فيمشي بدون عودة أو التفات إلى الخلف. 
نجد في القران الكريم نبذا للخلف، ففي سورة هود [3] نجد أن الإلتفات إلى الخلف مؤد للدمار، ونجد في الاثر أن الإدبار عند الزحف كبيرة من الكبائر، وأن المنع يطال الحديث من وراء الجدران.

إن التقدم نحو الأمام أمر حتمي، يكمن الفرق في مدى وعي الشخص أو عدمه بخصوص تقدمه، إن هذه الحركة مأمورة ومكتوب لها أن تبقى أزلية يقينية، سواء أكانت حركة إيجابية مركبة، أم حركة ثابتة سلبية.
إذن الانسان لا يتحرك نحو مصير المحتوم، لقد تحركت به الارض ، وتحركت به ذاته، هناك حركة داخلية انسيابية لاإرادية ، هي الحركة التي يعرفها بدنه ، فهو في جميع الأحوال رهن الفعل ، إما فاعل أو مفعول به ، وهو ماض لامحالة في دائرة تتكرر كما يبدو له، ولكنه في الحقيقة ، هو خارج الدائرة الهندسية ، إذ إن دائرته، دائرة متحولة.
 
حوار الداخل ، احمد بوستة .
ابن جرير في 14/09/2018

حواشي

[1سورة يس، من اية 38

[2يدعو المسلوب بالثبات في دعائهم :(اللهم يمقلب القلوب، ثبت قلبي على الايمان)

[3آية 81

من نفس المؤلف