نظرية الأدب سامي قرّة

سأتحدث في هذا االلقاء عن نظرية الأدب وهو عنوان يشمل النظريات الأدبية المختلفة التي يمكن استخدامها في تحليل النصوص الأدبية بمختلف أنواعها. لكن اولا أعتقد أنه ينبغي إثارة ثلاث نقاط لا بد من ذكرها كمقدمة لهذا العرض. ترتبط النقطة الأولى باختياري لهذا الموضوع. لقد لاحظت أن كافة الدراسات والمشاركات التي يسهم بها الأخوة والأخوات في الندوات الأدبية والثقافية تركز في غالبيتها على القيمة الأدبية والقيمة الإنسانية للنصوص الأدبية، فنرى أن الحديث يكثر عن معنى النص والأسلوب اللغوي والعناصر الروائية من الشخصيات والمكان والزمان والدروس المستفادة أحيانًا، أي أن الدراسات تقدمّ شرحًا أو تفسيرًا أو تحليلا يعكس المكوّنات التي يتألف منها النص الأدبي. وعلى الرغم من أهمية هذا النهج من الدراسة الأدبية (وهو النهج الذي تعلمناه جميعًا في المدرسة أو في الجامعة)،لا بد من الإشارة هنا إلى أن نظرية الأدب تهتم أيضًا بهذا النهج، إلا أنه ليس النهج الوحيد الذي يمكننا استخدامه من أجل تحليل النصوص الأدبية واستخراج المعاني المختلفة من باطنها للتمتع أكثر بما يحمله النص من أفكار ومعان. فنظرية الأدب تفتح أفاقًا أوسع للتعامل مع النصوص الأدبية بأساليب تعنى بكافة أوجه النص الأدبي وأبعاده.

أمّا النقطة الثانية التي أرغب في إثارتها هو أن هذا العرض يقدّم خلفية فلسفية عامة عن النظريات الأدبية السائدة لا سيما تلك النظريات التي نشأت في القرن العشرين، والحديث عن كل نظرية قد يستغرق ساعات، لذلك فالهدف من هذا العرض هو التعريف بالنظريات وتقديمها لكم على أمل إثارة فضولكم واهتمامكم بها. فقد كُتب الكثير عن هذه النظريات ويمكن للمهتمين زيادة معرفتهم بها كما يشاؤون، ومن طرفي فإنني أدعو كل مهتم بدراسة الأدب للإطلاع على مختلف النظريات الأدبية لأنها تشكل بئرًا واسعًا من المعرفة وتفتح أمامنا مجالات واسعة للنظر إلى العمل الأدبي من منظورات متعددة، كما أنها تربط العمل الأدبي بتخصصات أخرى مثل الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ وعلم اللغة وعلم الاقتصاد وغيرها. ومع أنه يمكننا القول أن العمل الأدبي مستقل بذاته لكن عند التعامل معه نجده في واقع الأمر يرتبط إلى حد كبير بتخصصات أخرى، ومن هنا نشأت عبارة أن الأدب يجمع بين حقول دراسات أو تخصصات متعددة.

وأخيرًا يجدر الإشارة إلى أن مساهمة الفكر العربي في نشوء النظريات الأدبية الحديثة وتطورها يكاد لا يُذكر، فقد نشأت جميع النظريات في الغرب عن طريق مفكرين من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا وأمريكا وغيرها، حتى أن المفكرين والنقاد العرب الذين كتبوا في الأدب قد تأثروا كثيرًا بمفكرين غربيين، على سبيل المثال لا الحصر تأثر إدوار سعيد بأفكار المفكر والمؤرخ الإيطالي فيكو والمفكر الفرنسي ميشيل فوكو، كما كان المفكر العراقي حسام العلوسي متأثرًا بأفكار ماركس. لذا في حديثي سوف أذكر بعض الأسماء التي قد تبدو غير مألوفة بعض الشيء لأنها ليست من أصل عربي.

إذن سوف أبدأ بمشاركتكم بعض الملاحظات حول عنوان هذا اللقاء (نظرية الأدب) لأنه يحمل في الواقع كلمات ثقيلة لا بد من فهم فحواها قبل الخوض في الحديث عنها. تعني كلمة نظرية "النظر في الشيء" اي هي النظرة التأملية في الشيء بهدف الوصول إلى معرفة طبيعته، والنظرية بطبيعة الحال تؤدي إلى التطبيق لأن العلاقة بين النظرية التطبيق علاقة جدلية اي أننا نضع النظرية من أجل تطبيقها ونطبق النظرية من أجل التأكيد على جدواها. وعن طريق التطبيق يمكننا أن نقرر ما إذا كانت النظرية صحيحة أو خاطئة، وإذا كانت صحيحة تصبح بمثابة قاعدة أو قانونا وإذا كانت خاطئة علينا إعادة النظر فيها. وعملية تطبيق النظرية تسمى المنهجية. والنظرية هي عبارة عن فرضية يتم وضعها من أجل الوصول إلى فهم اكبر لطبيعة الأشياء. وقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين لا سيما في الستينات والسبعينات ظهور النظريات الأدبية الحديثة التي أحدثت زلزالا في الطريقة التي ندرس فيها الأدب ونتأمل فيه ووسعّت من آفاقنا المعرفية في أبحاثنا الأدبية. إذن فالنظرية موجودة أصلا من أجل التطبيق، ويتطلب تطبيق النظرية على نص معين قراءة ذلك النص، والقراءة عملية ليست سهلة ولا حدود لها لأننا عند القراءة فإننا دائمًا نطرح الأسئلة عمّا نقرأ. من؟ وماذا؟ وأين؟ ولماذا؟ وكيف؟ ونحاول إيجاد الأجابات على هذه الأسئلة. والنظرية تعلمنا أن نسأل مثل هذه الأسئلة وايضًا تعلمنا إيجاد الإجابة عليها من النص أو من خارج النص، وهي بذلك تشبه الفلسفة التي تحاول اكتشاف جوهر الأشياء والمعاني الكلية لها. لكن هنالك اختلاف أساسي بين الفلسفة والنظرية، ففي حين تعكس الفلسفة قوة التعقل، تعكس نظرية الأدب قوة التخيل وبالتالي تثير شكوكًا في داخلنا حول أساس فكرنا فنتساءل ما إذا كان لتفكيرنا حول الأدب أو رؤيتنا له قائمة على أساس عقلاني منطقي يحاول الوصول إلى جوهر الشيء وحقيقته أم هو مجرد تأملات ذاتية تُسقط ما في داخلنا على ما نقرأ.

الكلمة الثانية التي تظهر في عنوان هذا اللقاء هي كلمة أدب. تحاول نظرية الأدب أن تضع تعريفًا للأدب، ودائمًا نسأل أنفسنا ما هو الأدب؟ ومع ذلك نجد صعوبة كبيرة في تعريف الأدب، وعلى مرّ التاريخ حملت كلمة أدب على الأقل في اللغة العربية معان مختلفة منها التعليم والتأديب والحكمة والنصيحة ومن ثم بدأ استخدامها للإشارة إلى الكتابة النثرية والشعر والمسرحية. أما في الإنجليزية (literature from L. literra meaning letter) فتعني الكتابات الشعرية والنثرية التي تتمتع بخيال خصب وتؤثر على القارئ. وفي الواقع ليس من ثمة تعريف محدد للأدب (ليس كما في العلوم مثلا) ويمكن تعريفه استنادًا إلى المضمون، أو إلى مدى تداوله بين الناس، أو إلى أسلوب الكتابة والصياغة، وغير ذلك. لكن إذا ما قارنا بين التعابير والألفاظ المستخدمة في الأدب والتعابير والألفاظ المستخدمة في مجالات أخرى مثل العلوم والتاريخ والطب ومجالات أخرى نجد أن الأدب يعبر عمّا هو غير قائم أو غير موجود أو غير حقيقي بينما المجالات الأخرى تعبر عن حقائق وواقع. إذن فالتعريف الأنسب والشائع للأدب هو العمل الخيالي. (وبحي رامان سلدن Raman Selden حتى بالنسبة لبعض المفكرين أمثال تيري إيغلتون Terry Eagleton فهذا التعريف غير دقيق لأنه في وقت ما في القرن 17 كانت تعتبر مقالات فرنسيس بيكون أدبا وبعض كتب التاريخ مثل لفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة لتوماس هوبز أدبُا). ويمكن أن يكون لكل قارئ تعريف محدد لما يقرأه وبحسب الفكر البراجماتي الجديد فقد يكون أي نص نقرأه أدبًا أو أي نص يتفق عليه المجتمع اللغوي الذي ينتمي إليه الفرد على أنه أدبًا. وقد يكون هذا أمرًا مقلقا لأننا نحب أن نعرف طبيعة الأشياء التي نتعامل معها.

كما تطرح نظرية الأدب أسئلة مثيرة وهامة مثل ماذا أو من يُسبب الأدب أي كيف ينشأ الأدب أو من يُنشئ الأدب؟ وما الأثر الذي يُحدثه الأدب؟ وهذان السؤالان يثيران أسئلة أخرى ذات علاقة مثل من هو المؤلف؟ وإذا كان هناك من أو ما يُسبب الأدب، فلا بد أن يكون هناك من أو ما يؤدي إلى وجود الأدب. وفي السياق نفسه إذا كان يوجد للأدب أثرًا فلا بد له أن يؤثر على أحد ما (القارئ) وهذا يؤدي إلى سؤال آخر من هو القارئ؟ فنظرية الأدب تحاول أن تجد الإجابات لمثل هذه الأسئلة. وتعلمنا نظرية الأدب أن الأدب ينشأ من اللغة وأن هناك من يستخدم اللغة (الأديب أو الكاتب) ليخلق أدبًا. وتعلمنا النظرية أيضًا أن الظروف الاجتماعية والاقتصاية والتاريخية هي جميعها قوى تؤدي إلى حدوث الأدب، ولذلك يمكننا دراسة أو نقد الأدب عن طريق دراسة التاريخ أو الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو عن طريق دراسة اللغة أو نفسية المؤلف، إلخ.

إضافة إلى ذلك، تطرح نظرية الأدب عدة أسئلة هامة أخرى مثل: كيف نقرأ؟ أي كيف نصل إلى نتيجة مفادها أننا نفسر أو نفهم النص الأدبي بطريقة صحيحة. وكيف نتعامل مع النص؟ هذه أسئلة عادة يطرحها علم التفسير hermeneutics الذي يُعنى بالتواصل. فنظرية الأدب تقدّم لنا منظورًا آخر لما نقرأه .

كيف ترتبط نظرية الأدب بالنقد الأدبي؟ النقد أقدم من نظرية الأدب بكثير، للنقد تاريخ طويل يمتد من افلاطون قبل حوالي ألفين وخمسمائة عام حتى وقتنا الحاضر، أما نظرية الأدب فقد ظهرت خلال النصف الثاني من القرن العشرين خاصة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وقد تأثرت بالفلسفة كثيرًا. والنقد الأدبي يُعنى بتقييم وتفسير العمل الأدبي ويعطي أهمية للعناصر الجمالية فيه ويصدر حكمًا عليه، وفي حين النقد يركز أكثر على الخصائص المتأصلة في العمل الأدبي، تحاول نظرية الأدب اكتشاف علاقة النص بعوامل خارجية مثل علاقة النص بالكاتب والقارئ واللغة والمجتمع والتاريخ، والنظرية تغني النقد وتعطيه بعدًا فلسفيًا. ولكن أهم ما يميز النقد عن نظرية الأدب هو أن النظرية تثير شكوكًا حول مادة العمل الأدبي وأيضًا حول أساس عملها وتطبيقها. أي أنها تثير الشكوك في عملية التفسير أو التحليل الأدبي أو بمعنى آخر في طريقة فهمنا وإدراكنا للعمل الأدبي. لماذا هذا الشك في عملية التفسير الأدبي والفهم؟ وهنا سوف نرى أثر الفلسفة على دراستنا للأدب وإدراكنا له.

نشات ظاهرة الشك هذه (ليس في الأدب فقط بل في كل مظاهر الحياة الإنسانية) في عملية الإدراك بعد تحول المجتمعات من مجتمعات زراعية إلى مجتمعات صناعية عندما أصبح العقل والفكر هو القوة الدافعة خلف السلوك البشري وعند بدء عصر التنوير ونشوء الدولة وبدء الاختراعات الجديدة، أي عندما بدأت عصرنة الحياة. ومما يميّز الحياة المعاصرة التطورات السريعة والكثيرة التي تحدث من يوم إلى آخر، تطورات قد يصعب على الإنسان إدراكها والتكيف معها، ونتيجة ذلك لم يعد هنالك شيئًا مؤكدًا وثابتًا في الحياة حتى أصبح يسود حالة من عدم اليقين. وتنعكس هذه الظاهرة في الكثير من المؤلفات التي ظهرت في عصر النهضة وما بعدها حتى يومنا الحاضر. فلنأخذ بعض الأمثلة. فإذا أخذنا شكسبير مثلا نراه يتعامل مع شخصيات تكاد تتسم بالجنون أو هكذا نعتقد أو هكذا يريدننا أن نعتقد. فنرى هاملت يسلك سلوك المضطرب عقليًا ويرى شبحًا يسيطر على حياته وسلوكه، ونسأل هذا الشبح حقيقي أن أنه من نسيج خيال هاملت؟ وأيضًا نسال أنفسنا هل كل ما نراه حقيقيًا أم نحن أيضًا مثل هاملت نتخيل الأشياء من حولنا. أمّا دون كيشوت فهو شخصية مصابة بالارتياب والبرانويا لكنه مقتنع تمامًا أنه إنسان حكيم عقلاني. أليس جميعنا مثل دون كيشوت نؤمن بأننا حكماء وعقلانيون، أم أننا فقط نعتقد ذلك وكل ما نراه أمامنا مخادع وغير حقيقي؟ وهذا أمر مزعج لأنه يجعلنا نشك في أنفسنا وفي قدراتنا العقلية. أمّا ديكارت في كتابه تأملات Meditations فيبدأ بطرح عدة أسئلة حول طريقة إدراكنا للأشياء ويحاول أن يبني علاقة بين ما نعرف والطريقة التي نعرف بها ما نعرفه. ومقولته الشهيرة "أنا أفكر إذًا أن موجود" تحل هذه المشكلة إذ عن الطريق التفكير لا نعطي وجودًا لأنفسنا فقط بل نعطي أيضًا وجودًا للأِشياء التي نفكر عنها. ومن أقوال ديكارت الشهيرة ما يلي: "على المرء أن يكون عاقلا كي يفكر بوضوح، لكن يمكن للمرء أن يفكر بعمق ويكون مجنونًا".

وكي ندرك الأشياء بشكلها وطبيعتها الحقيقيتن لا بد من وجود مسافة معينة بين العقل والشي الذي يفكر به العقل وهذه المسافة شيء جيد لأنها تساعدنا على النظر إلى الأشياء بموضوعية (أي الموضوعية العلمية التي نشأت في عصر التنوير). لكن العبارة التي يصرح بها المفكر كانت Kant "لا يمكننا إدراك الأشياء بذاتها" تنسف هذا الفكر. وبعده جاء هيغل Hegel بمفهوم الاغتراب الذي يبعدنا أكثر وأكثر عن الأشياء التي ننظر إليها ونحاول إدراكها. كل هذه الأمور أدت إلى تعزيز ظاهرة الشك.

لكن الأمر لم ينتهي عند هذا لأن ماركس Marx يقول لنا أن ما يتحكم بعملية الإدراك ليس العقل بل عوامل خارجة عن العقل ذاته الذي يرتبط بالشخص مباشرة مثل العوامل الاقتصادية والحالة الاجتماعية والتاريخ، بكلمات أخرى الأيديولوجية. أمّا نيتشة Nietzche فيُرجع عملية الإدراك إلى المخزون اللغوي الذي لدينا ويقول المخزون اللغوي لدينا هو يحدد ما نؤمن به ونفكر به وما نستوعبه، وأن اللغة هي ما تملي علينا ما نؤمن ونفكر به.
والآن نتحدث مباشرة عن أهم النظريات في التحليل الأدبي. تقدّم الورقة أمامكم شكلّا لعملية التواصل كما وضعها رومان جاكوبسون Jakobson اللغوي الروسي الأمريكي (المصدر: (Raman Selden: A Reader’s Guide to Contemporary Theory . في كل عملية تواصل يوجد مرسلا الذي ينقل رسالة إلى مرسل إليه أو متلقي. وأثناء كتابة الرسالة يستخدم المرسل لغة مألوفة له وللمرسل إليه. واللغة عادة لها دلالات معينة نجدها ضمن السياق التي أستخدمت فيه ويشكل هذا السياق المرجعية التي ينبغي على المرسل إليه الرجوع إليها كي يفهم فحوى الرسالة. ويتم نقل الرسالة عبر وسيلة معيّنة هي اللغة.

السياق (المرجعية

المُرسل ---------------------------------- الرسالة ------------------------------------- المرسل

إليه (المتلقي)

الوسيلة (قناة التواصل)

اللغة (الرموز)

ولذلك يمكن إعادة رسم الشكل كما يلي.

السياق

الكاتب --------------------------------- النص ---------------------------------------- القارئ

اللغة (الرموز)

المرسل هو الكاتب أو المؤلف الذي يكتب نصًا يتلقاه القارئ. وإذا اعتمدنا وجهة نظر المرسل فإننا نسلط الضوء على الكاتب الذي تكون وظيفته تعبيرية حيث يعبر الكاتب عن أفكاره وانفعالاته أثناء الكتابة. وإذا اهتممنا بالسياق فإننا نركز أكثر على مرجعية اللغة وبعدها التاريخي أثناء عملية إنتاج العمل الأدبي. وإذا كان اهتمامنا بالقارئ نركز أكثر على الطريقة التي يتلقى فيها القارئ الرسالة ويعيد إنتاج النص ضمن سياق يختلف على السياق الذي تمّ فيه إنتاج النص أصلا. واهتمامنا بالنص يرتكز غالبًا على الأسلوب والتعابير اللغوية والصياغة اللغوية، والتركيز على اللغة يعني اكتشاف دلالات الكلمات ضمن السياق التي تظهر فيه.
والنظريات الأدبية بمختلف أنواعها تركز على جانب من هذه الجوانب فنرى أن الرومانطيقية والمذهب الإنساني يركزان على شخصية الكاتب وحياته وأفكاره وانفعالاته. أما نظرية التلقي فتركز على تجربة القارئ أثناء القراءة واستهلاكه لما يقرأ. أما النظرية الشكلية تركز على طبيعة الكتابة وكيفية استخدام اللغة. والنظرية الماركسية تشدد على السياق التاريخي والاقتصادي والاجتماعي. والنظرية التركيبية تركز على اللغة كرموز أو شيفرات لا بد من تحليل دلالاتها للحصول على المعنى.

الرومانطيقية الماركسي

المذهب الإنساني ˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂ الشكلية ˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂˂

نظرية التلقي (استجابة القارئ)

البنيوية (التركيبية)

ومن النظريات الأخرى التي لا ترد في الشكل ما يلي: التفكيكية؛ التاريخية الجديدة؛ التحليل النفسي؛ نظرية احرار الجنس؛ نظرية ما بعد الاستعمار/الكولونيالية؛ النظرية النسوية.
والآن سأقدم لمحة عن نظرية التلقي.

نظرية التلقي

شن القرن العشرين هجومًا على ما يمكن تسميته بالمعرفة الموضوعية في العلوم التي سادت في القرن التاسع عشر. فظهر آينشتاين بنظرية النسبية، وبالنسبة لبعض المفكرين ما يحدد حقيقة الشيء هو إطاره المرجعي أو السياق الذي يظهر فيه، وبالنسبة لمدرسة الجشطالت في علم النفس يُدرك عقل الإنسان الأشياء في مجموعها وليس على أنها أجزاء غير مترابطة بل على أنها أجزاء وعناصر مترابطة ومنظمة. وتختلف الأشياء باختلاف الناظر الذي يلعب دورًا هام في إعطاء المعاني لها.

وكذلك الأمر فيما يتعلق بالنص الأدبي فنفسره بطرق مختلفة لأننا ننظر إليه من وجهات نظر مختلفة وطريقة قراءتنا له تختلف من قارئ إلى آخر. فالقارئ هو الجهة التي تعطي معنى للكلمات ودون نشاط القارئ هذا تبقى الكلمات دون معنى.

دعونا نقرأ هذه القصيدة المترجمة ونحاول تحليلها من وجهة نظر المتلقي: (W. Wordsworth, A Slumber Did My Spirit Seal)

رقدة أطبقت على الروح
فاختفى منها كل خوف آدمي؛
وبدت مثل من لا يتأثر
بلمسات السنين الدنيوية.

قد خلت الأن من كل حول أو حركة،
لا تسمع، لا ترى؛
قد لفها دوران الأرض كل يوم
مع الصخور والحجارة والأشجار.

بعد قراءة القصيدة يمكن استنتاج ما يلي: (1) أنها لا تموت و(2) أنها ميتة. وبوصفنا قراء نتسائل ما هي العلاقة بين الاستنتاجين المتناقضين. وعندما نقرأ نحاول إيجاد العلاقة عن طريق تفسير كل سطر على حدا. ويمكن أن نسأل أنفسنا أسئلة كثيرة كي نحصل على الإجابة، فمثلا يمكننا طرح الأسئلة التالية: ما هو موقف المتحدث من "هي" في السطر 3 (الضمير المتصل في "منها")؟ هل هو أمر جيد أن لا يكون للإنسان مخاوف بشرية أم أن هذا امر غير واقعي وغير محبذ؟ هل هي فعلا لا تموت كما توحي لنا أول سطرين من القصيدة؟ من هي؟ هل الجزء الثاني من القصيدة يقترح أنها لا تملك وجودًا روحيًا بعد الموت بل فقط وجودًا ماديًا مع الطبيعة؟ هذا ما يقترحه السطرين الأخيرين على عكس ما يقترحه الجزء الأول. من وجهة نظر نظرية المتلقي الإجابة على هذه الأسئلة لا يمكن اشتقاقها من داخل النص لأن النص لا يعطي أجابات على هذه الأسئلة، ولذلك على القارئ أن يتصرف بالنص كي يستنتج معناه. يقول ولفغانغ إيزر Wolfgang Iser أن النص غالبًا يحتوي على فجوات أو فراغات التي يمكن للقارئ فقط ملؤها. لاحظوا أنه يوجد فراغ أو فجوة (تناقض) بين الفقرة الأولى والثانية من القصيدة وعملية القراءة والتفسير تفرض علينا ملء ذلك الفراغ أو إيجاد علاقة منطقية بينهما. والسؤال الآن هل يمتلك القارئ استراتيجات القراءة بغية ملئ هذه الفراغات أو الفجوات؟
من هو القارئ؟ Gerald Prince في كتابه علم السرديات Narratology يقول أننا نقضي وقتا كبيرا نتحدث عن أنواع الرواة لكننا لا نعطي اهتمامًا أو وقتًا للحديث عن أنواع القراء الذين يُروى لهم. يقسم Prince القراء إلى عدة أنواع منها القارئ الحقيقي والقارئ الضمني والقارئ الافتراضي والقارئ المثالي. القارئ الحقيقي هو أي قارئ يقرأ النص مثلنا نحن جميعًا قراء حقيقيون. لكن القارئ الضمني هو القارئ الذي يخصه الراوي ضمن النص. فمثلا إذا قرأنا رسالة تبدأ بما يلي: "حضرة السيد سعيد" فنعرف عندها أن القارئ المقصود او الضمني هو سعيد بينما لو وقعت الرسالة في يد اسماعيل وقرأها يكون إسماعيل القارئ الحقيقي. تأملوا في هذه الجملة التي تظهر في بداية إحدى الروايات الأجنبية: "كان الكاهن دنيويًا يحب متاع الدنيا – ومن منا لا يحب متاع الدنيا؟" فالقارئ الحقيقي هنا هو نحن كما تشير إلى ذلك كلمة "منا"، ويستمر الراوي ويقول: "مارس الكاهن أمورًا لا أستطيع ذكرها" وهنا يُظهر الراوي معرفته لمدى حساسية القارئ الذي هو نحن. وفي بعض الأحيان يكون القارئ الضمني هام جدًأ. ففي قصة ألف ليلة وليلة تعتمد حياة شهرزاد على إبقاء شهريار مهتمًا فيما تروي له.
القارئ الافتراضي هو القارئ الذي يقصده الكاتب عندما يكتب والقارئ المثالي هو القارئ الذي له بصيرة عالية يفهم كل ما يريد أن يقوله الكاتب.

كان هذا مجرد لمحة عامة عن أهم نظريات الأدب، وأرجو أنها أثارت اهتمامكم كي تطلعوا وتقرأوا أكثر عنها. مع الشكر لإصغائكم.