تكريم الدكتور «ياسين الايوبي»

، بقلم ضحى عبد الرؤوف المل

اقيم في الرابطة الثقافية طرابلس ندوة نقدية وتكريم للدكتور «ياسين الايوبي» بدعوة من الرابطة الثقافية وجمعية الوفاق الثقافية ومنتدى طرابلس الشعري بحضورالنائب السابق وجيه البعريني، رئيس الرابطة الثقافية الاستاذ رامز فري، السيدة عيناء ملص البعريني، ممثل جمعية الوفاق الثقافية الفنان خالد الحجة، والشاعر عبدالكريم شنينة، والدكتور نبيل قطان، والدكتور جورج سعادة، والدكتور غزوة نابلسي، والدكتور سعدي ضناوي، والشاعر مروان الخطيب، وحشد من الادباء والشعراء والمهتمين من المجتمع المدني.

بعد النشيد الوطني اللبناني تحدثت الكاتبة والصحافية ضحى عبد الرؤوف المل عن قصائد الثمانين للشاعر الايوبي فقالت:" أسبغَ الدّكتورُ ياسينُ الأيوبيُّ على هيكلِ القصيدةِ نظامًا شعريًّا تجديديًّا في توزيعِ المفرداتِ تبعًا لمؤثّراتٍ حسّيّةٍ استخرجَها ضمنَ تحليلٍ حسّيٍّ نتجَتْ عنهُ تأثيراتٌ تضمّنَتْ من علاماتِ التّرقيمِ ما يشبهُ الدّعاماتِ الفنيّةِ، لتقويةِ هيكلِ القصيدةِ، مستبقا تأمّلاتِهِ في تعبيراتٍ مكانيّةٍ ذاتِ خصوصيّةٍ، هيَ تطوّرٌ في تحليلِ الصّورِ، وأنماطِ التّشابهِ، والأوجهِ المختلفةِ الناتجةِ عن علاقةِ الأوجاعِ بالتّرسيمِ الموسيقيّ، كعنصرٍ حقيقيٍّ في التّكوينِ الشّعريّ، ومساراتِ الكلماتِ وانعكاساتِها على موسيقيّةِ القصيدةِ، والتزامِها بالمعاييرِ الشعريّةِ، وجوانبِ كتابتِها الفنيّةِ دونَ تجاوزِ المقاييسِ التي أظهرَتْ تنظيمًا داخليًّا مستوحى من قوانينِ القصيدةِ الحرةِ، والتزاماتِها الموروثةِ من تقاليدَ مبنيّةٍ على عددِ المقاطعِ والمعاني، أو المفرداتِ المستقرّةِ فيها، بتناظرٍ يؤدّي إلى توهينِ أو إخفاء النّظمِ، وإظهارِ النّغماتِ متّجهًا بها نحوَ لعبةِ القوافي، وترسيمِ حدودِ الوحداتِ الصّوتيّةِ التي تشهدُ على براعتِهِ في إحكامِ سيطرتِهِ على القصيدةِ من البدايةِ إلى النهايةِ، لأنّها مبنيّةٌ على تسلسلٍ نظميٍّ، وظيفتُهُ فكُّ أوجاعِ النّفسِ في عامٍ ارتحلَ تحتَ ستارِ ما يُسمّى القصيدةُ الحرّةُ المفعّلةُ ووحداتُها النّحويّةُ والدّلاليّةُ، وإيقاعاتُها المتريةُ واللغويّةُ: سالتْ محابرُ، والغربةُ الدّاويةُ، وما إلى ذلك."

ثم تحدثت دكتورة وفاء شعراني عن ديوانه إيلينا والعشق الشفقي فقالت "يقدم دكتور ياسين انجازاً مهما من حيث اقامة المصالحة بين الغيبي والإنساني عبر تداخل الدلالات واستعارة اللغة المقدسة للزمني، أقول عن ديوانه آ فاق مغامرةٍ عشقيةٍ ملحميّة جريئة في أقصى حدود فورانها، يرويها دكتور ياسين في مقدمة الديوان، عشق يهدم المسار الخطي الأفقي للزمن يقدّم مفاتيح القصائد وهي قطعٌ من الذهب أو الفضة، يذيبُ بعضَها في بعض خطوطاً عريضة بألوانٍ متداخلة، ويفجّر الدهشة على إيقاع وجع، حتى ليغدوَ الوجعُ في الديوان أصلاً وأفقاً.

حقّ دكتور ياسين على اللغة والشعر والأدب كبير، عالمٌ بالشعر العربي، عالمٌ ببيت العرب ذو العُمُد الذي أثَّر في الشخصية العربية منذ تكوينها القومي الأول، في هذا الديوان يخضِع اللغة العربية نَحواً وصرفاً وذوقاً إلى لغة الجرح والقلق، وكذلك الفرح، إنها لغة الجمال، يحيلها إلى همسٍ وتوسُّل، من قلب علم القراءات يقدم نصا ينصهر بين الواقع والخيال والحلم، حيث يضاءل دور اللوجوس Logos، فلم يدر في خُلد دكتور ياسين أن هذه المرأة ستكون مفجّرةً لسيلٍ من قصائد العشق، الإنسان ليس عقلا فقط بل هو أيضا حبٌّ وحلم، يتقدم Eros ليتغير وعيه بالحياة والعالم، يثير أحاسيس تنقل القصائد الى فضاء دلالي، تصير فلسفة ةتنقل المقدس الكامن الراسخ في الأعماق الى مجال العشق وطرح اسئلة تأملية أسرارية صوفية .

اما الدكتور عماد غنوم فقال :" عاش شاعرنا في هذا الديوان قصة حب لاهبة، تشبه الشفق الذي يتجلى به النهار بأبهى صوره جمالاً لكنه يمر بسرعة خاطفة، إذ لا يستمر الشفق سوى دقائق معدودة عند الغروب، ليحل بعده الغسق المقدور على حد تعبير الدكتور ياسين الأيوبي في الديوان، والغسق يأتي بعد حمرة الشفق جالبًا معه ظلمة الليل. وهكذا كانت قصة الحب التي جمعت الشاعر بإيلينا، قصيرة خاطفة، لكنها كانت جميلة مفعمة بالأحاسيس المتدفقة، لا بل المتفجرة حبًا عشقًا وهيامًا. في ديوان "إيلينا والعشق الشفقي" معادلة ساحرة للألوان، فحضور الحبيبة جمال وبهجة نفس وفيض لازورد يُغرق الروح والمكان وغيابها ظلمة وعتمة ودياجير تسبح فيها نفس الشاعر المحزون على فراق الحبيبة. والشاعر نفسه في مقدمة الديوان شبه الكتابة عن ديوانه باللوحة التشكيلية. لذلك نقول إن سيمياء الألوان تسيطر على قصائد الديوان وتلفها المشاعر الفياضة بالبهجة والحبور، أو تغيب الحبيبة آخذة معها الألوان، فيحل الظلام جالبًا الحزن والألم. يقول في قصيدة "عما قريب"، التي تحكي قصة وعد باللقاء:عما قريب سوف ألقاها...وأغفو فوق زنديها"

كما قالت الاستاذة والناقدة دورين نصر"إنّ أوّل ما يلفتنا في مجموعة د. ياسين الأيوبي الهيئة الطباعيّة للنصوص الشعريّة. إذ أصبحت الكتابة وسيلة اتّصال تخرج باللغة إلى قناة جديدة تُشرك العين، في عمليّة تلقّي الدلالات. لقد حاولَت الكتابة نقل اللغة من مظهرها الزمنيّ المنطوق إلى بعد مكانيّ مرئيّ. وباتت الكلمة كما حدّدها د. حاتم الصكر: "هيئة وكيانًا بعد أن كانت صوتًا". ما أشرك العين في لعبة دلاليّة أخرى، لم تكن واردة في عصر الخطاب الشفهيّ.
ود. ياسين استفاد من الخطوط والمساحات الهندسيّة القائمة على التلاعب بالتقاطع والتوازن وسواها ليرسم قصائده.والواقع، إنّ كسر العمود التقليديّ للشعر العربيّ، في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، سمح بانبثاق شعريّة عربيّة بصريّة كانت تخنقها في المهد قسوةُ النظام العروضي العربي. فبتنا نعتمد على تنويعات طباعيّة مختلفة للتعبير عن حاجات متباينة في القصيدة الواحدة. فالمتكلّم اعتمد في تثبيت قصائده على عدّة طباعيّة وزّعها في مقاطع، وقسّم سطورها وَفق أدوات تنقيط تفيد الفصل بين الجمل أحيانًا، أو الانتقال بين أسطر عديدة. وليست قصيدة "تداعيات غَسَقيّة" إلاّ نموذجًا لإبداع الشّاعر، إذ قسّم نصّه إلى سبعة أجزاء، وكلّ جزء بدوره موزّع على سبعة مقاطع متباينة في الحجم. والوقفة في النصّ لازمة لاعتبارات نحويّة ولاعتبارات طباعيّة تحقّق النقلات"

وعن ديوان قصائد الثماني قالت الدكتورة وفاء الايوبي "من أنت د ياسين لتغزل الحلا حروفًا ألقة وترصدَ في أقبيةِ الروح إشعاعاتِها النورانية؟! أأنت بتهوفن لتصدَح بموسيقاك سمفونيةً من شجن، نشنِّفُ لها الآذانَ؟! " من تكونين ليسَّامى شموخٌ/ جارحٌ فوق المحيَّا؟/ فأنا منه انبهارْ! جلنارْ!جلنارْ!".كيف أصف هذا التشاكلَ بين المعنى واللفظ، فقد واكبَ الشموخَ والتسامي ورودُ الألفِ تسعَ مرات في سطر واحد؟ بل كيف أترك المشاكلة بين المعاني ما بين الاستفهام التعجبي والانبهار؟ وأيةَ مبالغةٍ حمل هذا النعتُ (جارحٌ) للشموخ الذي يشرئب فوق المحيَّا؟!وما هذا الجمال الذي جعل الشاعر يعيش حالةً من فقدانِ الحسِّ، مترنمًا بالاسم، ممجدًا الاحتراق في الحب(نار) وعظمة الحبيبة(جلَّ). -لن أمسك المبضعَ وأدخلَ غرفةَ التشريحِ، لن أتصيَّدَ مواضعَ الجمالِ وأبدأَ بالتقطيعِ والتصنيفِ، فالجمالُ فنٌّ والفنُّ لا يخضعُ لمقاييس .تصفحتُ الديوانَ، فإذا أنا في حضرةِ شعريةٍ آسرةٍ تمتلكُ عليك جَنانَك فتعيش غيبوبةً لذيذةً مصفاةً من أدرانِ الحياة ، ولا تدري ما تقرأ. أهي حروفٌ لأبجديةٍ فتيةٍ تمارسُ التمردَ فتعزفُ على أوتار القلوب زفراتٍ دفينةً ؟؟ "

اما الدكتورةهلا الحلبي قالت "هل نحن مجموعة أيّامٍ إن مضى يومٌ مضى جزءٌ منّا؟ وما على الشاعر إلا أن يتبرّم من خضوعه القسريّ لتوالي الليل والنهار وسلطة الدهر عليه؟ فيلجأ إلى الكلمة ليصف لحظة وقوعه في دائرة تنتهي عند نقطة السكون المبهمة الزائغة؟ بعدما حشر في المربّْع الأخير من خارطة الزمن؟ ضمن هذا الخطّ انسابت مع دكتورنا العزيز ثلاثَ عشرةَ قصيدة كوّنت" قصائد الثمانين"، كاشفةً عن خطّه الشعريّ في تصوير مرارة الإنسان وقد أصابته ما يصيب الشاعر عادةً، وهو في هوّة اغترابه.ومع إيماننا بأنّ مهمّة الناقد هي في أن يستكشف القدرة الإقناعيّة للعمل الأدبيّ وفق المفهوم الأرسطيّ في كتاب أرسطو فن الشعر، كان لا بد من التوقف عند نقطتين أساسيّتين شكّلتا لولب هذه الغربة في هذه المجموعة الشعريّة: الأنا والآخر. أوّلًا الأنا: هي لبّ الشعر الأيّوبي، ازدحمت الأنا في قصائده في جمل فعليّة تصف حاله المتشظّية يقول في قصيدة دموع الذات"

ثم تحدث المحامي شوقي ساسين قائلا :" للدخول إلى عالم "قصائد الثمانين" الديوان الذي ننتدي له الآن. ذلك أنه يقع في الخط البياني نفسه لمسيرة الشاعر الشخصية والشعرية التي استمرت زهاء نصف قرن. وأبادر سريعا، إلى القول إنه يصعب جدا، عند قراءة ياسين الأيوبي، إقامة حد فاصل بين الشخصي فيه والشعري. ففصائده صور طبق الأصل عن حياته، وحياته عالم من الأحلام المتوترة والمتواترة تماما كمثل قصائده. من هنا يأتي الديوان بمثابة سيرة شعرية جديدة، لتجربة وجدانية تبلسته أو تلبسها بعدما بلغ واحدهما من الاخرعتيا.
يقول:

عبرتُ ولم أذرفْدموعاً هواملا
ولكنني فجرتُ نفسي جداولاً

هذا التماهي الكامل بين الشاعر وشعره يقودنا إلى حقيقتين أثنتين: أولاهما أن الصدق عنده بوصلة قصائده في إبحارها صوب مرافىء الأوراق، لأنه لا يكتب إلا ما يحس به، حتى لأحسب واثقا أن الدكتور ياسين لم يتعاط الشعر موضوعاتياً (إذا صحّت الكلمة) بل وجوديا. بمعنى أن ليس عنده موضوع جاهز ينظم فيه، بل تجارب عاشها فرحاً او حزنا أو بين بين، فإذا امتلأت بها نفسه دهاقا، أفرغها في قوارير السطور. والحقيقة الثانية أن من الصعب العبث بالقصيدة التي يكتب، ولو من بابة السعي إلى التحسين كما نفعل في المنتدى لأنها في حقيقتها انعكاس ذاته متنزلة كما هي منذ قطرة حبرها الأولى حتى مسكها الختام، فليس من حق أي كان أن يخضعها لعمليات تجميل، كشد البشرة أو شفط الدهون أو نفخ الشفاه، وفي كل حال، ياسين الأيوبي لا يحتاج شعره إلى مثل هذه العمليات، هو الذي لم يزاول سوى الكلمة مهنة حتى أربى نتاجه المنشور على عد سنيه، وما زال صدق العاطفة يقود خطا قلمه ، وما برحت رهافة الحس مجذافه الأوحد إلى الآفاق والأعماق."

ومن ثم شكر الدكتور ياسين الأيوبي رئيس الرابطة الثقافة والحضور جميعا متمنيا دوام الإزدهار للرابطة الثقافية التي ننتمي اليها جميعا، ومن ثم قدم له رئيس الرابطة الثقافية الاستاذ رامز فري درعا تكريمية قبل توقيعه للديوانين "ايلينا والعشق الشفقي" و"قصائد الثمانين".


ضحى عبد الرؤوف المل

شاعرة وأديبة لبنانية

من نفس المؤلف