الأحد ١٦ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٨
بقلم جورج سلوم

رثاء أبي.. وما زال حياً

وكان الإسكندر الأكبر وجيوشه الجرارة يحتفلون بالنصر قبيل المعركة لذا ما عرفوا الهزيمة وأيامهم كلها أعياد انتصار.. أما أنا فأرثي أبي وما زال حيّاً لذا فقد كان ميتاً منذ زمن.. وفي سنواته الأخيرة كان يقيم جنازته كل يوم كمشهدٍ تمثيلي نتدرّب عليه.. ووصيته كتبها آلاف المرات

وكأنّ النصرَ إحساسٌ ضمنيٌّ بالفوز المؤزّر الآتي حتماً.. وكأنّ الهزيمة قناعةٌ بأنْ لا نصرَ يُرتجى فيستسلم المرء لهزيمةٍ مؤكّدة

إنه اكتئابُ الموت، وقد يكون عادياً لكلِّ امرئٍ يستشعر فكرة الموت فيطردها.. ولكنه يصبح مرَضياً لو تعايشْت معها فتموت.. وبل وتشبع موتاً حتى قبل أن تموت!

هكذا كنت وأبي - ولسنوات خلت – مترقّبين لموتٍ مازال بظهر الغيب.. فتكفّن طوعياً بكفن الفراش على طريقة دثّروني، لأنّ استشعار الموت يجعلك تشعر بالبرد فتنكمش على نفسك.. وتعاملْتُ معه – أنا - كميّتٍ ومازال حياً.. وما فتئ يصلّي قبل النوم صلاة الذي لا صُبْحَ له.. وأخطّط – أنا – لترتيبات الجنازة القريبة.

وكان يقول متأثراً:

- وزني الكبير سيعذّبكم عندما تحملونني كجثمان.. ولا أظنّ سيكون في جنازتي من المشاة كثر.. لا بأس ادفنوني بجانب أمك المرحومة وكفاني فخراً بحياة زوجية أبدية

وكان لسان حالي يقول:

- أبعد يارب عن رأسي تلك التخيّلات فالوقت كفيلٌ بترتيب نفسه

ويقول في معرض أحاديثه:

- ويلي من الشتاء الذي يكنِس المسنّين ببرده وزمهريره.. والجنازة في الصيف أسهل.. والميت المحمول لن يتبلل بماء المطر.. ويلي من عذاب القبر وبرده وظلامه وضيقه.. ووحدتي فيه
بالله عليكم.. تأخّروا في دفني وتأكدوا من موتي.. فكم سمعت عن أحياء استعجلوا بدفنهم، واستفاقوا في غربة القبر ليموتوا ثانية تحت التراب والدود ينهشهم وهم أحياء.. وقد لا أرى في إحراق الجثث كفراً.. على الأقل لن تترك النار المستعرة روحاً كامنة أو هاجعة.. ولن تطأ الأقدام تربة كانت فيما مضى جسداً يتمطط ويتنطط وينتظر ميتته.

وكم حاول أن يكتب نعوته.. مبتدئاً بأفراد العائلة مرتّبين عمرياً وأسماء إخوته وأولادهم وعموم عائلاتهم.. ينعون لكم الفقيد المنتقل إلى رحمته تعالى.. وسيتم الدفن في الساعة كذا وتقبل التعازي في يوم كذا وكذا..

وكان يستغرب لو اشتريت له زوجاً من الجوارب.. فيقول:

- لماذا؟..وما بقي لي الكثير من الوقت.. دعني أستهلك جواربي المرتخية على قدمي
أما بدلة أسنانه الصناعية المتآكلة فيرفض تغييرها منذ بضعة سنوات.. إذ أنّ الموت قريب.. وكان يقول:

- هل حضرتهم وهم يشترون حصاناً؟..إنهم يفحصون أسنانه، فعندما يبدأ النخر في الأسنان يبتدئ الموت.. فما بالك برجلٍ بلا أسنان.. حتى الملائكة تعزف عنه ولا تشتريه

وكان يقول مشيراً إلى حقيبة جلدية مختبئة تحت أغطية سريره ويستدفئ بها:

- فيها كل ما أملك.. وتعرف أنني أملك الكثير.. أكنزه وطوبى لمن اكتنز كنزاً في السماء
ويسمح لي أن أعدّها.. ويطالب بتغيير القديمة منها.. ولكنه لا يشتري شيئاً.. والنقود تفقد قيمتها مع الزمن والليرة السورية تتهاوى يا أبي.. دعنا نقلبها ذهباً أو عملة صعبة لتحافظ على قيمتها.. ويرفض طبعاً ويقول:

- عندما أموت خذوها.. تقاسموها ولا تتخاصموا عليها.. لم أقسّم أملاكي بينكم ولا تركاتي ودعوا القانون يأخذ مجراه..وكأني أراكم تختلفون وتتوازعون وتتنازعون

أحياناً يعود إليه بريق الأمل ووميض الحياة، فيطالب بتغيير مكان سريره مثلاً.. لكنني كنت أستغرب ذلك.. فأنا المستميت مثله أعتبر ذلك التغيير البسيط تعذيباً إذ لم يبق الكثير من الوقت لمكوثه في تلك الغرفة.. والوريث الغريب عني سيغيّر كلَّ شيء عن بكرة أبيه
هكذا عشتُ وأياك يا أبي.. ننتظر الموت فلا يأتِ..اللهم أوقفه لو اقترب منا.. دعِ المنايا تخبط خبط عشواء فتعفَّ عنا ولا تصيبنا

إيه يا أبي..

وكأنني حجزت لك بطاقة الرحيل قبل موعدها بكثير ومكثت أنتظر انطلاق الرّكب.. ولكن هيهات
لقد ضاق الأفق أمامك كما ضاق أمامي، وبيني وبينك أربعون عاماً.. ست وتسعون سنة ليست قليلة، كبيرة ككبرك وطويلة بعديد سنواتك وأيامك.. فتطاولي يا سنيّ أبي حتى تمام العمر بإذن الله

وقد نبكي في جنازتك!!

وقد نخجل إن بكينا لفقدك.. فلا ندّعي أنّ الموت خطفك خطفاً بل على العكس انتظر عليك طويلاً.. هكذا سيقول المُعزّون في ساعات العزاء والمواساة.. ثم ينصرف كلٌّ إلى همومه
كل آهٍ تقولها.. تصدِّع قلبي.. فأبكي عليك وأنا أشرب القهوة معك أنت مشروعُ وفاةٍ مؤجّل.. ساكنٌ بفراشك منذ سنين لا تبرحه ولا تفارقه.. لا تظهر من تحت أغطيته سوى يديك المعروقتين القاسيتين كما تبدوان للعيان.. وعلى قسوتهما تخفيان ضعفاً وبرودة وعجزاً ورجفة.. وأظافرك الطويلة بحاجة لمن يقصّها.. ولا وقت لديّ لذلك ورأسك تسنده الوسائد المنضّدة على بعضها.. كهَرَمٍ قطني طري.. شرب من عرق جبينك.. فتلوّن مسند رأسك.. ولا وقت لدي لتغيير وجه الوسادة.. إلا إذا جاءنا ضيفٌ فنستحي من عرقك الذي يلوّن مخدّتك كخريطة مبهمة الحدود

وتحت سريرك عبوة بلاستيكية تبول بها.. ورائحة بولك طاغية على ثيابك الداخلية.. ولو رشرشتُ العطر الثمين على عنقك.. ولو غسلت يديك بالكحول المطهّر.. أوّاه يا رائحة أبي، وأشمّها في كل مريضٍ مسنّ عندما أقترب منه وأقارِبُه.. هذه هي رائحتنا الحقيقية عرقٌ وبولٌ وبرازٌ.. وأبخرة عفنة تنبعث من خياشيمنا.. والعطر والصابون زيفٌ وخداعٌ وقناعٌ لحقيقة كريهة الرائحة.

وأرى فيك نفسي المستقبيلة فأبكي على نفسي وعلى عجزي وعلى شيخوختي المبكرة مجهولة الصورة مبهمة الملامح.. وأرى نفسي مكانك بعد حين والكلُّ مشغولٌ عني بأيامه المُبرمجة واهتماماته الخاصة.. والساعة تجري عقاربها والمنبّه ينذر النائمين بأن قوموا إلى أعمالكم.. هيا بنا.. وكلّ على ليلاه يغني

أي أبي.. وتريد أن تحكي لي صباحاً بعض مناماتك وأحلامك وكوابيسك.. وتقول أنك رأيت أمي (رحمها الله) تدعوك إليها بثيابها البيض.. فأسخر من أضغاث أحلامك.. وأتهمك بأنك أكثرت الطعام في العشاء.. وأنك لا تلوك الطعام كما يجب.. أين بدلة أسنانك ولم لا تستعملها؟
وما دخلك أنت لو حاضرتك عن الحريرات والكولسترول؟..وإصلاح القيم المخبرية لن يطيل الحياة
أنا الذي سأتكلم وعليك أن تستمع وتمتثل لأوامري وبرامجي الطعامية.. فهذا يجوز وهذا لايجوز.. أنت لص وسارق لأنك تخبّئ قطع الشوكولا تحت مخدّتك أيها السكريُّ المريض.. ومجرمٌ لأنك لا تلتزم بالحمية

شبعنا من أحاديثك عن الماضي.. وعن الليرة التي كانت تشتري طعامَ يومٍ بأكمله.. نحن الذين سنتكلّم عن الطقس وثقب الأوزون.. نحن الذين سنريك الطرائف الهاتفية والتعليقات الفيسبوكية.. وعليك أن تسمع

لا.. وما كان واحدنا محوراً للكون مهما كان عظيماً.. ولا يظنّن أحدٌ بنفسه أنّ القيامة ستقوم لو مات على حين غرّة.. وقد ترى نفسك أعظم من نابوليون وتنسى أنه انطوى وعجز في النهاية.. كشمعة خبا لهيبها وهي تضمحلُّ رويداً

لا.. والنهاية متشابهة في حواشيها.. والكل سينتهي ضعيفاً ولو كان عظيماً في سويعة ما..فإينشتين انتهى مشلول الجانب.. وبيتهوفن ماكان يسمع سيمفونياته الأخيرة..
لا.. وما أحسنت لأهلي ولو علّقتُ على الجدار آية تقول (وبالوالدين إحسانا).. وأنا الذي قلت لهما أفٍّ.. وأنا من نهرتهما..

وا أبي.. قلت لي إنّ الدُّعاء بطول العمر شتيمة.. لأنّ طويل العمر سيعاني العجزَ والضعف وسيحتاج لمن يعيله ويسنده.. والشكوى لغير الله مذلة..وتبقى ذكرياتك البعيدة تكررها ولا أسمع.. فقد حفظناها رواياتك المكرّرة تلك.. فنقاطعك

ولا تعرف شيئاً عن أحداثنا الجارية وهمومنا.. فلا تسمع لنا

أنت ببساطة تنتظر الموت فلا يأتيك.. وعسى أن يتأخر عنك طويلاً وينساك في زحمة الراحلين
سريرك الكبير أكبر من أهدهه.. كما هدهدت سريري عنما كنت رضيعاً.. قد أهزه هزاً.. قد أقلبه على من فيه..

وهل سيهزّون ليَ السرير لأنامَ في شيخوختي؟..

لا داعي لذلك فهنالك جهازٌ كهربائيٌّ يفعل ذلك.. هذا ما سيقوله الآخرون.

أبي.. ومازلت حياً بإذن الله.. فأرى الآن فيك نفسي.. وأتوسّل للباري أن يطيل بعمري مثلك.. وأن تكون نهايتي مثل نهايتك بين أولادي الذين سينهرونني ويقولون لي أفٍّ.. ويعلّقون على الجدار الآية الكريمة التي تقول (وبالوالدين إحسانا)!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى