في اليوم العالمي للغة العربية

، بقلم إبراهيم مشارة

إن لغة كل أمة هي مقوم وجودها ، وقطب رحاها واللغة ليست مجرد أصوات يعبر بها الناس عن احتياجاتهم بل طريقة في التفكير وخلجات شعور إنها تاريخ موحد للفكر والشعور والمخيلة، وهي فوق ذلك وعاء للفكر كما قال هيجل ، لذا نرى الأمم جميعها تحتفي بلغاتها الوطنية وتحول بينها وبين الذوبان في لغات أخرى وتشجع الأدب والفن بلغاتها القومية لأن الذي يعطي للغة الديمومة هو النتاج الفكري والعلمي والفني لأبناء تلك اللغة وإلا تجاوزها الزمن وعجزت عن مواكبة لغات العالم ونظر إليها أهلوها بعين الازدراء بل والخجل منها مع أنهم هم المقصرون في حقها لأن اللغة لا تموت من تلقاء نفسها بل تموت بموت فكر وعقل وقلب أبنائها.

واللغة العربية ككل لغات العالم عرفت ازدهارا ورقيا لما كان العالم العربي منارة إشعاع في العصرين الأموي والعباسي فكتبت بها بدائع العقل في شتى العلوم والفنون والآداب والفكر وكانت تلك البدائع مطلب غير العربي من سكان العالم القديم يتعلمون العربية ويترجمون ما زخرت به هذه اللغة في المعرفة الإنسانية حتى قال روجر بيكون:" إن الله وهب العلم العرب واليونان واللاتين ولم يهبه غيرهم".

لكن اللغة العربية بتراجع العقل العربي ونكوصه وجنوحه إلى التقليد وشيوع الفساد السياسي والقهر الاجتماعي تراجعت مكانتها بتراجع أداء العقل ودخلت في أزمة استمرت قرونا حتى إذا استفاق العرب مع الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 على واقع متردي وفي الغرب نهضة علمية وأدبية تؤكدها بدائع العمران ودقائق الصناعة ومنجزات فلسفة الأنوار والأداء السياسي المعقول وروائع الأدب والفن ، تلك اللغات الأروبية التي انفصلت عن اللاتينية الأم صارت لغات علم وحضارة وفي الجهة الجنوبية للبحر الأبيض تردي واقع شعوب عربية وتردي لغتهم حتى كان مما يحكيه عبد الرحمن الجبرتي أن الأزهريين كانوا مشغولين بالتساؤل هل اسم نابليون معرب أم مبيني؟ في الوقت الذي انقض فيه نابليون على التراث المصري القديم يدرسه ويسرقه . وقد لخص الشاعر المصري الكبير حافظ إبراهيم مأساة العربية في قصيدته المشهور التي يقول فيها :

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي
وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي
رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني
عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي
وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي
رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية ً
وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ
وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني
ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي
فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني
أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي

من تاريخ الحملة الفرنسية على مصر والعالم العربي يسعى إلى النهوض بلغته وبحياته متعثرا تحت ضربات الاستعمار والاستبداد السياسي والإمبريالية الغربية التي تسعى إلى الإبقاء على العرب رهينة الجوع والعري والخصاصة ودعوات الرجعية في التفكير بدعوى المحافظة على الخصوصية وقد أدرك العرب الفارق الكبير بينهم وبين الغرب الفارق في العلم والتمدن والإبداع حتى لعجزت الترجمة الأدبية والعلمية والفكرية عن نقل كل إبداع الغرب العلمي والفكري والأدبي مما حدا بالبعض إلى القول بموت العربية وعجزها عن مواكبة العصر وقد كانت قصيدة حافظ إبراهيم تلك ردا صريحا منه على تلك الدعوة التي لا ترى في العربية غير لغة طقوس دينية ، في حين انبرى آخرون إلى القطرية الضيقة التي تدعو إلى ترسيم اللهجات والكتابة بها والتفكير بها محاكاة للغات القومية الأروبية التي انفصلت عن اللاتينية فكانت لغات علم وأدب وفن كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية وغيرها بل ووصل الأمر إلى الانسلاخ عن الرابطة القومية العربية تحت تأثير لوثة الاستعمار في إحياء النزعات القطرية الضيقة الفينيقية في الشام والفرعونية في مصر والأمازيغية في شمال إفريقيا

ومازال لهذه الدعوات صدى اليوم في العالم العربي وإن كان صدى هشا وضعيفا لكنه تأثير الاستعمار والاستلاب الحضاري فكيف تستطيع لهجات قومية مواكبة الحضارة والانصياع لأمارات الفكر والمخيلة وتكون لغات علمية وأدبية وفلسفية؟

وقد رد الأديب مصطفى صادق الرافعي على دعاة العامية بالقول.:

ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمرة،ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاما ثلاثة في عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجناً مؤبداً، وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره..

غير أننا لا نسرف على أنفسنا في اليأس والخذلان والتباكي على حالنا وحال الأمة قياسا على حال الأمة بالأمس فاللغة العربية تمتلك من المقومات ومن الفضائل ما لا تمتلكه لغة أخرى فهي لغة اشتقاق وهذه الخاصية تعطي اللغة الطواعية للابتكار والإبداع دون حدود في نطاق قواعدها طبعا ، ثم أنها لغة الوحي الكريم وهذه نقطة مركزية إن ذلك يعني تأبدها وبقاءها مادامت السماوات والأرضين فهي معصومة من التلاشي والزوال شأن كثير من لغات العالم التي قضت عليها اللغات الحية ونظرية البقاء للأصلح.

لكن الكرة الآن في ملعبنا فلا يعني أبدا القول بخلود العربية وإنها لغة الوحي الكريم الاستسلام إلى الدعة والكسل والاكتفاء باجترار الأمجاد السابقة ونحن نرى زحفا للغات الأجنبية في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا حتى إن المرء ليفاخر بإتقانه للغة أجنبية وجهله بالعربية فأي عار أخزى من هذا؟ ونحن نرى الأولياء يحرصون على تعليم أبنائهم اللغات الأجنبية وإلحاقهم بمعاهدها وإهمال العربية وثقافتها فليس من المنطق القول بان المستقبل للغات الأجنبية وعلومها وآدابها وتكريس هذه الفكر مسالة خطيرة تلحق الضرر بالعربية وبالمجتمع الذي تصير فيه الثقافة الأجنبية ثقافة العلم والتحضر والحكم وثقافة النخبة في حين تصير العربية ثقافة العامة و الفقراء والمغلوبين أي تكريس الطبقية وتأبيدها بهذه الفكرة الهدامة.

وإنها لمسؤولية سياسية تقع على عاتق المؤسسات السياسية والهيئات التشريعية أن تتصدى لهذه الفكرة فتخرج من المراسيم ما يحفظ كرامة العربية وما يعممها ويجعلها مواكبة للعصر مع الحرص على تطبيق تلك المراسيم ومعاقبة المتهاونين.

كما أن تشجيع الإبداع بالعربية وتشجيع الترجمة في كل الحقول مستفيدين من طواعية العربية –كونها لغة اشتقاق- ومن قواعد تعريب المصطلحات وتوحيده ما يجعل تلك العلوم في متناول العربية.

إن الإصلاح السياسي والشفافية وتكريس العدالة الاجتماعية والاحتكام إلى مبدأ الكفاءة أمور ضرورية لعودة الثقة إلى المواطن العربي كما أن تشجيع العلوم والفنون والإبداع أمور كفيلة بإحياء ما مات من العالم العربي من قيم أصيلة وستكون اللغة بطواعيتها وزخمها وغناها في خدمة العقل العربي ولن تقصر كما لم تقصر في الأيام السالفة في العصرين الأموي والعباسي، وسيكون من الخطأ القاتل الاعتماد على اللغات الأجنبية في تعليم العلوم والفنون لأنها لن تكون مجرد آلة بل ستمسخ الإنسان العربي وتجعله تابعا وذيلا لغيره بلا شخصية ولا ماضي ولا حتى حاضر اللهم إلا الحضور في هندام الآخرين لأن اللغة خلجة نفس ونبضة فكر وطريقة في التفكير وتراث فإذا استغنينا عن العربية بدعوى الحداثة وقصور اللغة العربية وجاهزية اللغات الأجنبية سنكون قد أمتنا أنفسنا إلى الأبد.

كما أن تطوير العربية والابتعاد عن الوشي والزخرفة في الكتابة واعتماد الأسلوب العلمي والسهل الممتنع واختصار قواعد نحوها وصرفها وجعلها طيعة وسهلة المأخذ جزيلة الفائدة والاستغناء عن التفريعات والتفاصيل غير المهمة سيجعل العربية سهلة القواعد للتناول وتزول العقبة الكأداء أمام الشباب فيقبلون على تعلمها وإتقانها والإبداع بها وتلك مهمة المثقفين ومجامع اللغة والمنظمات الثقافية العربية والمؤسسات الرسمية.

دور الإعلام في الحفاظ على العربية والروح القومية.

العصر الحديث هو عصر الصورة المرئية والكلمة المسموعة وتزيد التقانة المتطورة كالثورة الرقمية والشبكة العنكبوتية في تأكيد هذه القضية وإبرازها للناس إن الأثر الذي تحدثه صورة أو أغنية أثر عظيم ولقد رأينا من الأحداث الجسام ما كانت الصورة والكلمة المؤثرتين فيها.

أمام الإنسان العربي اليوم حشد من القنوات بلا عد ولا حساب وكذا القنوات الإذاعية وآلاف المواقع الإخبارية والترفيهية على الشبكة العنكبوتية مما سيعقد من وضع الإنسان العربي ومن تبعيته للآخر القوي الغالب بتعبير ابن خلدون وعلى عاتق المؤسسات الرسمية والمنظمات الثقافية ورجال الدين والثقافة مسؤولية خطيرة إنها مسؤولية صناعة الوجدان العربي والحفاظ على الشخصية العربية من الذوبان في الآخر وذلك ما يحتم على الإعلام التحلي بروح المسؤولية والتخلق بالأخلاق التربوية التي تجعل منه جنديا في ساحة المعركة خاصة ونحن في منعرج حضاري كبير أي التحلي بروح التعبئة وذلك ب:

1/ الإعلام مسؤولية خطيرة في التنوير والتثقيف وتحليه بالأخلاق وروح المسؤولية خاصة إزاء العربية التي تعيش في مأز ق أمر أساسي لنهضة الأمة.

2/الإيمان بالوحدة العربية والرابطة القومية العربية التي يصنعها الدين واللغة والعمل بمقتضاهما.

3/ بث روح التضامن والتكافل بين البلدان العربية مادامت في منعرج واحد وإلى مصير واحد.

4/الابتعاد عن اللهجات المحلية –وهذا لا يعني البتة ازدراءها- ولكن العربية الوسطى هي المفهومة في العالم العربي وذلك ما ييسر متابعة مستجدات العالم العربي الثقافية والسياسية والفنية ويوكد وحدة العمل والمصير.

5/الابتعاد عن الهجين اللغوي: عربية مخلوطة بأجنبية أنجلو سكسونية في المشرق وفرانكفونية في المغرب وهذا مما يندى له الجبين وتجدر الإشارة إلى أن الراحل فرانسوا ميتران احتج على الصحافيين الفرنسيين الذين يقولون في آخر نشرات الأخبار: bon weekend
ولا يقولون: bonne fin de semaine

ورأى في ذلك تغلغلا للإنجليزية في تلافيف اللسان الفرنسي فكيف حالنا نحن؟

- مما يؤسف له أن الأغاني الهابطة والبرامج الفارغة مما يضر بالعربية وبنفسية الشباب العربي ويقولبها في قالب الميوعة والانحلال فالفن المهذب والبرامج الملتزمة بعربية وسطى سليمة مما يفيد الشباب ويربي ذواتهم تربية سلمية تجعلهم نافعين لأنفسهم وأسرهم ووطنهم.

- إن كثيرا من مداخلات المسؤولين رؤساء أو وزراء أو سفراء أو مسؤولين سامين بعضها يكون بلغات أجنبية أو هجين لغوي خاصة في شمال إفريقيا وهذا ما يضر بوضع العربية ويهز من مكانتها.

- اعتماد لغة عربية واحدة من قبل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لغة وسطى مفهومة من قبل الجميع وسليمة إن ذلك يعني تحقيق الروح القومية والشعور الوحدوي ويرسخ اللغة العربية في الوجدان والعقل

- أن يتسلح الإعلام بالثقافة العربية الناضجة التي تكون قدوته في زمن ازدهار العقل العربي المسلم وأن تقدم تلك الثمرات إلى الشباب اليوم ليستلهم منها القدوة فالكثير من الشباب في حالة فراغ وعطالة خاصة والشبكة العنكبوتية ووسائط التواصل الاجتماعي زادت من العزلة الفكرية والسطحية والسذاجة وإهدار الوقت.

هذا وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن اللغة كالكائن الحي تمر بنفس مراحله وكما أن الكائن يموت إذا لم حرم الغذاء فكذلك اللغة تموت إذا لم حرمت هي الغذاء كذلك وما غذاؤها إلا الإبداع والإنتاج الفكري والثقافي والفني والفلسفي إن ذلك يجعلها حية متداولة ولولا الدين لحسن الحظ لكانت العربية قد انتهت منذ عصر النهضة فالدين الإسلامي ممثلا في كتابه الكريم هو ما عصم العربية من الزوال لأن العصر الحديث هو عصر التقانة والإنتاج وليس للعرب حظ منها للأسف الشديد في الوقت الحالي.

وفي الأخير كما بدأنا هذه المداخلة بأبيات من قصيدة حافظ إبراهيم يحسن بنا أن نختمها بأبيات له من نفس القصيدة:

وأسمَعُ للكُتّابِ في مِصرَ ضَجّة ً
فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي
أَيهجُرنِي قومِي-عفا الله عنهمُ
إلى لغة ٍ لمْ تتّصلِ برواة ِ
سَرَتْ لُوثَة ُ الافْرَنجِ فيها كمَا
سَرَى لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ
فجاءَتْ كثَوْبٍ ضَمَّ سبعين رُقْعة ً
مشكَّلة َ الأَلوانِ مُختلفاتِ
إلى مَعشَرِ الكُتّابِ والجَمعُ حافِلٌ
بَسَطْتُ رجائِي بَعدَ بَسْطِ شَكاتِي
فإمّا حَياة ٌ تبعثُ المَيْتَ في البِلى
وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي
وإمّا مَماتٌ لا قيامَة َ بَعدَهُ
مماتٌ لَعَمْرِي لمْ يُقَسْ بمماتِ

إن حالة الحطام المفتوح كما وصفها الطيب تيزيني لا تعني اليأس المطبق والفشل النهائي ولكن الإرادة والجهد والعمل المشترك الوحدوي والتضامني سيجعل من الأحلام حقيقة ولنا في شعوب العالم القدوة كيف تحفظ لغاتها وقوميتها وخصوصيتها سواء في أروبا الشمالية وأمريكا اللاتينية والجنوبية وفي الشرق الأقصى فحري بنا أن نسير على هديهم وستكون العناية الإلهية معنا إذا امتثلنا للآية الكريمة: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم". ومن الله التوفيق.


إبراهيم مشارة

- ماجستير، قسم اللغة العربية والأدب العربي

من نفس المؤلف