كفاني زواجاً

، بقلم جورج سلوم

ماذا سأفعل له ليهشّ ويبشّ في وجهي.. ولو قليلاً.

وكيف سأبعد حاجبيه المقطبين

وكيف أفرّج الإنقباض من عضلات وجهه..وأكسر الحدّة في نظراته..

كيف أحرّك الحروف في سكناته.. فأمنع التقاء الساكنين..

كيف أخفّف الشدّة فوق حروفه..

كيف أحذف أفعاله الآمرة والناهية والمعتلة والعليلة

كيف أضع علامات الترقيم بين جمله المتلاحقة.. لأجعله يلتقط أنفاسه في معترك اتهاماته ومرافعاته المنزلية المتواصلة..

كيف أوقف القطعَ والبتَّ في أحكامه..

لا نقاش في بيتنا –عفواً أقصد بيته - فأنا فقدت حسّ الانتماء لهذه الجدران التي يسمّونها عشاً زوجياً

ولا حوار ولا مواقف نسبية.. ولا كلام ولا سلام.. و لا حب

أعود وأكرر (بيته ) فأنا مجرّد ضيفة غير مقيمة على ما يبدو.. لقد رفض تسجيل رملتين من حيطانه بإسمي حتى لا أملك شيئاً مع أنني ساهمت في بنيانه..لقد ملّكته قلبي ويرفض أن يملّكني ذراتٍ من تراب

لا دخل لي باختيار أثاثه فأنا معدومة الذوق حسب رأيه..حريتي وخياراتي تكمن في شراء صابونات ذلك البيت ومناديل مرحاضه فقط..اللهم إن نسيت فلا أنسى حريتي الكاملة في اختيار وشراء باذنجاناته وبطاطاته وبعض أبصاله..أما زيته فلا دخل لي به..لأن الزيت قد يدوم طويلاً

سيّدي وتاج رأسي..هكذا علّمتني أمي.. وأنا الأمَة والجارية

ربُّ البيت هو؟.. فليكن وعلى رأسي وعيني ولكنّه ليس ربَّ العالمين!.. لم يبقَ عليه إلا أن يقول لي كن فيكون..

جثوت وسجدت أمامه.. لم يكن إمامي.. كان رب العرش بين جدراننا الأربعة.. ولديه فروض وفرائض..وكبائر وصغائر.. كان إلهاً.. لكنه بدون جنة مسكونة ولا موعودة.. ولا يملك إلا جهنم!

إله ظالم غير رحيم.. مخلوقٌ وغير خلوق وغير خلّاق ولا تلجأ إليه في الشدائد..
لكنّكَ مجبرٌ أن تعبده شرعاً!!!

كيف أخرسه..فيسكت..وأضع نقطة في نهاية كلامه.

أتعبني نقدُك اللاذع يا هذا.. تذمّرك.. وتأفّفك.

مللت ضجيجك وصخبك وجعجعتك.. فماذا تريد مني أكثر؟

لست أنا من حطّم أحلامك وأمانيك وضيّق مجاريك.. فغرقْتَ في ضيق ذات اليد..

لست أنا من زرع حصاة في مرارتك.. وعصيدة في شرايينك.. وأفاض السكر في دمك.. وعرقل مفاصلك.. وأصابك بالإمساك فلا يبدأ نهاري إلا إن خرَجَت باطنتك بالشكل الذي يُريحك.. والكمّ الذي يجعلك تسترخي

لست أنا سبب البرد الدائم الذي تعانيه..و القشعريرة التي تسري في أوصالك

لست أنا المجهول الذي تخاف منه فلا تفصح لي عن مكنوناتك

لست أنا سبب كوابيسك وصراخاتك الليلية..والرّعب الذي يسيطر عليك ويقضّ منك المضاجع

لست أنا من صبغ فوديك بالأبيض..وهَرْهَرَ شعر ناصيتك

لست أنا من جعلك منطوياً على نفسك.. مسحوباً مكبوتاً ومعزولاً في النهار..لتصبح عندي جباراً ثرثاراً ناقداً لكل شيء.. حتى أظفاري التي أقضمها استلذاذاً فتنهرني كطفلة.. حتى هزيز ساقي عندما أجلس متوترة فتجمّدني كتمثال.. حتى طقة حنكي عندما أعلك علكتي بصمت فتخرسني..فتصبح علكتي لجاماً دبقاً يلصق أسناني

لستَ كلّك على صواب..ولستُ مخطئة بالمطلق

لماذا لا تعترف بفشلك..بضعفك..بعجزك؟..فتتضع..وترتدع

؟..فتنحني..وتنثني..وتنطوي..وترعوي..لتستوي

أنا إن كنت محطّةً فاشلة في حياتك..غادرْها..اهجرْها

غيّرني..طلّقني..بدّلني أو استبدلني

اصرفني بالمعروف..ولا تظلمني معك

سنواتي التسع التي قضيتها معك علّمتني الكثير..وآنَ لي أن أتخرّج من مدرستك كارهة للعلم وكراريس التحفيظ الإجباري..اطردني من مدرستك إن كنت لا أحوز معدّل القبول..اطلب وليّ أمري وقل له خذ ابنتك إلى البيت فلا مكان لها عندي متنازلة أنا عن حقوقي كلها..وعفا الله عما مضى

لن أذرف لك دموعاً استغفارية..ولن أعتذر عن أخطائي الإرهابية..لست معوجّة لتقوّمني..ولن أصحّح سلوكي ولن أخفض صوتي..أنا كما أنا وسأبقى ولتبقَ أنت كما أنت..فليعُد كل منا إلى بيته..إلى أمه..وكفانا زواجاً

حليب أمهاتنا لمّا ولن يمتزج ببعضه..قد يكون حليب أمك أرقى وأنبل فيطفو..وحليب أمي من معيز الجبل الوعر ثقيلاً بدوياً..بل وبدائياً

كفانا زواجاً..فنحن مادتان لا تمتزجان..لسنا كالسكر والماء فينتج عنا شراب حلو المذاق..نحن كالماء والرمل لا يمتزجان مهمها خضخضنا الوعاء..وحرّكنا الملعقة في القارورة..خليطٌ عكر لا يلبث أن يترسّب في لحظة هدنة..فتنفصل المادتان

كفانا زواجاً..فالحصى لا تُطبخ في القِدر..ولو أضرمت النار تحته..بعض الزيجات هكذا طبخة حصى وبعضها طبخة لحم

لقد اكتفيت بزيجتك.. وأترعت من كل حقناتك تزرقني بها.. أصبحت طنجرتي مليئة بثمالاتك.. نطافُك حيوانات منوية تتحرّك في جوفي كالأفاعي.. تعضعضني.. تخرّشني بأذيالها.. تلسعني.. تجلدني بسياطها من الداخل.. أفعوانية مسمّمة الرؤوس حاقدة.. تتكاثر كالديدان في جوفي حتى غدا منتفخاً بالمِني وحيواناته وعصاراته وصديده المرَضيّ.. قد تسيل لعاباً على مخدّتي إن نمت.. قد تخرج من أنفي إن عطست..ومن عيني مخلوطة بالدموع

أترعتني ثمالاتك يا هذا!

كفاك تلقيحاً لي.. وتطعيماً لغصوني غيرالمثمرة كما تظن.. بذورك هي المشكلة أيها الفلاح الأحمق.. والأرض لم تحرثها كما يجب.. لم تسقِها.. نسيت السماد الطبيعي والكيماوي..والمطر لم يكن كافياً طيلة سنواتي التسع... سماؤك ملبّدة بغيومٍ جوفاء لا تمطر لكنها تحجب الشمس فقط..فلا تعجب من إجدابي..وأوراقي الصفر.. أيامي معك ساد خريفها وانكفأ عنها الربيع

كفاني زواجاً..

كفاني ارتجاجاً وانسداجاً واختلاجاً وانبعاجاً وانفلاجاً وانزعاجاً.. وإزعاجاً

أعطني إجازةً سنوية أيها المُدير..أو استراحةً مرَضية.. أو عطلة بلا راتب.. حتى العسكريّ المجنّد في مهْمَهِ الحرب يعطونه إجازة رسميّة ليلتقط أنفاسه..

الزواج وظيفة لا عطلة فيها.. ويوم الجمعة عقوبة زوجية لأن الزوج فيها يداوم في بيته.. اخرج عني إلى صلاة الظهر كغيرك.. احضر خطبة الجمعة ولا تنتقد الخطيب والمصلين وأنت قاعد في قعر بيتك.. ولا تكفّر الخلق أجمعين

اخرج عني إلى أي مقهى كباقي الرجال.. العب النرد واشرب شيشتك هناك.. تأخّرْ حتى يغلق المقهى وفرّغ طاقاتك وشحناتك في زحمة الرجال.. عسى أن تعود إليّ ساكتاً.. متعباً.. مُخدَّراً سكراناً حتى!!.. عندها سأغسل رجليك.. وأجذب فوقك كل أغطية الفراش وأطفئ عليك النور وأغلق عليك بابك حتى الصباح

كفاني زواجاً

أريد تغيير محيطي.. اعتباراً من الأقربين إليّ وأنت أوّلهم

لا أرى منقذاً لي من غرقي المحتوم في مستنقعك

لم يبقَ في محيطنا حصانٌ أبيض مجنّح ويطير.. ليحملني إلى عوالم سحرية
لا أرى في محيطي إلا الحمير يطأطئون رؤوسهم للغير.. ويصبرون على أحمالهم حتى أصبح صبرهم عبرة لمن اعتبر.. والحمارُ وحشٌ إن اختلى بأتانه..مرعب كالفهد إن هجم. .ثقيل كالفيل.. وينهق في أذنيك ليذكرك فقط بأنك تختلي بحمار.. ليس إلا.. حصان مشوّه ومزيّف ومعدّل وراثياً

كفاني زواجاً بك.. وزيجة معك.. وامتزاجاً لا طائل منه خلائطنا لم تخلق لبعضها.. لا تتحد.. لا تنسجم.. لن تذوب أملاحك في مياهي وبعد تلك المقدّمات الحزينة.. أما آن لك أن تبتسم لي
ابتسامتك سأدفع ثمنها بالشكل الذي تريده.. اعتبرها ديناً وعليّ سداده
دعني أشاركك همومك.. قسّمها على اثنين فتصغر

دعني أشاطرك الرأي مرة واحدة..

دعني آمرك فتأتيني سريعاً.. أقودك خلفي.. تلحقني كالكلب المطياع.. تتمسح بعقبي وتلحس ساقي.. آتيني من أسفلي إلى قمتي وليس العكس.. انسَ أنك مطرقتي وأنا سندانك ولا تأتيني من فوق

كفاك عزفاً على أوتاري المتهالكة..وقرعاً على مزهري.. ونفخاً في ناي حزني.. كانت الناي قصبة شمّاء قبل قطعها وثقبها من فوق ومن تحت.. ولذلك تعزف آهاتٍ جريحة عندما ينفخون فيها زفراتهم المحقونة

تعال نشطب أيامنا القادمة. .نشطرها شطرين يتباعدان.. يتفارقان ولا يلتقيان مهما امتدا.. أو أوقف مسيرتي معك كاستراحةٍ تعب المشاة فيها عن مسايرة الخيل.. وسنعاود السير معك وإليك إن طاب لنا السير

وماذا أطلب إليك أخيراً؟

ابتسامة رضى وقبول.. ورشّة عطر على رائحة لا تزول.. وهشّة وبشّة فقط في وجهي الآيل إلى الذبول..


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف