سذاجة بائعة

، بقلم فتحي العابد

في طريق العودة إلى البيت قبيل منتصف الليل.. كانت روما تغالب النعاس.. لم يلامسني سحر المدينة النائمة على نهر من التاريخ، وأنا أرى وأصطحب معي في عربات الميترو حشدا من جثث "الكلاب الضالة"، هذا سرواله تحت إليته، وتلك أنفها ملآن أخراص، والآخر لا تكاد ساقاه تتماسك من كثرة السموم التي في جسده..
كانت متسخة بعض الشيء، ملامحها غجرية، تبيع بعض الأغراض التي جلبتها معها في الصباح أمام محطة مترو الأنفاق في ضاحية روما. اختارت تلك المحطة أين تقل المراقبة الإدارية، لإفتقادها رخصة تجارية تمكنها من الإنتصاب في أماكن حيوية في وسط المدينة..
سألت نفسي قبل أن أسألها ولأول مرة أراها رغم مروري من تلك المحطة صباحا مساء: ماذا تفعل في هاته الساعة المتأخرة من الليل، والحال أن أكثر راكبي المترو في ديارهم أو في أسرتهم يغطون تحت الغطاء..؟
لم تجبني ولكنها طاطأت رأسها فأدركت الجواب نفسه.
سالتها ثانية: كم ثمن شاحن بطارية الهاتف؟
قالت: ثمانية أورو
ـ ثلاثة
أعادت باستحياء: ثمانية سيدي، يباع بعشرة، سيدي..
أخذت علبة الشاحن وفتحتها أقلب ما في داخلها، وأعيد تقليبه، وهي تنظر إلى الأسفل باستحياء، ثم أعطيتها بضاعتها بعد أن نزعت أجزاءا مما في العلبة..
ـ العلبة ناقصة بعض الأجزاء؟
لم تقل لي شيء وأعطتني علبة أخرى وطأطأت رأسها، ففعلت مع العلبة الثانية مافعلته مع الأولى، وأخبرتها حتى الأخيرة تنقصها قطع كذلك.
أعطتني علبة للمرة الثالثة، لم افتحها هاته المرة، وقلت لها: حسنا.. كنا إذا قد اتفقنا على مبلغ ثلاثة أورو..
ـ بل ثمانية! قالت باستحياء.
ـ كلا.. ثلاثة وأخرجت من جيبي المبلغ الذي حددته أنا.
لم تعقب.. واكتفت المسكينة بالنظر إلى حاشية فستانها فيما كست محياها حمرة شديدة..
ـ أنت أعطيتيني مرتين علبة الشاحن ناقصة بعض القطع، والثالثة لم افتحها وابتعتك إياها ولاأدري مابداخلها..
احمرت عينها اليسرى، ثم.. غرقت بالدمع فيما تشنج ذقنها وارتعش.. وسعلت بشدة ثم مسحت أنفها ..إلا أنها.. لم تنبس ببنت شفة.
دفعت إليها بالمبلغ فتناولته بأصابع مرتجفة ثم دسته في جيبها .
شكرا! قالت هامسة.
ـ ماذا هذه ال(شكرا) سألتها؟
ـ للمبلغ الذي دفعته لي.
ـ هل أنت أخذت هاته البضاعة هدية؟
ـ لا.. سيدي اشتريتها.
ـ ولكن ثمن الشاحن بالجملة أكثر من ثلاثة أورو..
ـ أعرف ذلك ولكني وصلت اليوم، ولم أبع شيئا ومحتاجة حتى لو يكون واحد أورو.
ـ لكنك تعرفين أني قد غششتك.. أني قد سرقتك في بعض قطع ماتبيعين، ونهبت مالك فلماذا شكرتيني؟!
ـ في بلدي، اشتغلت منذ أن كان عمري ثماني سنوات، لم يكونوا ليدفعوا لي شيئا البتة!
ـ لم يمنحوك على الإطلاق شيئا؟
ـ أبيت وآكل عندهم فقط.
زال العجب إذا، في زمننا هذا أصبح الناس ينظرون إلى الطيب نظرة الضعف وأنه مسكين، فهو طيب من الممكن فعل أي شي بحقه، لانه في الأخير مهما كان سيسامح..
ـ لكنك اليوم أنت هنا ولست في بلدك وحقوقك معروفة كما هي واجباتك معروفة..
ـ لا أعرف شيئا سيدي.. أنا وحيدة، يتيمة، أنام في خيمة تحت قنطرة "قاريبالدي"Garibaldi.
ـ آه لو جاء يعرف قاريبالدي مايقع للمستضعفين مثلك.. أردت أن أعلمك المحافظة على حقوقك، سأعطيك الآن مستحقاتك كاملة.. وسأرجع لك قطع غيارك.. أنت من يفتح العلبة ليراها الشاري..
أيعقل هذا.. أن يتسم إنسان بكل هذا الضعف والإستسلام؟
ـ لماذا لم تعترضي؟ لم كل ذلك الصمت الرهيب..؟
ـ أيعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخلب؟ إنسان في سذاجتك وخضوعك؟

وابتسمت في ذل وانكسار، فقرأت في ملامحها (ذاك ممكن) واعتذرت منها مجددا عما سببته لها من ألم وإحراج، إذ أن الدرس كان قاسيا قبل أن أسلمها مستحقاتها.. ثمانية أورو تناولتها بين مكذبة ومصدقة.. وتلعثمت وهي تكرر الشكر.. المرة تلو المرة.

غادرت المكان وأنا أتأملها، وسيل من جراحات الإنسان المعذب في أرجاء غابة الظلم ينداح في أوردتي وهمست لنفسي: حقا ماأسهل سحق الضعفاء في هذا العالم.. هذا فظيع..
يقتل الظالم المظلوم مرتين.. الأولى حين يستبيح عرضه ودمه، والثانية حين يحاول اغتيال الكرامة عنده ردا على محاولة اقتلاع حقوقه.


فتحي العابد

كاتب تونسي مقيم في إيطاليا

من نفس المؤلف