الثلاثاء ٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٩
بقلم جورج سلوم

رجُلٌ لرجل

ليست كل الوصفات الطبية موجّهة إلى الصيدلية لشراء دواء أو تركيبه.. بعضها كانت تذهب إلى العطّار فيما مضى..وبعضها كما يجري في الطب البديل مثلاً تذهب إلى الطبيعة للتفنّن في اختيار طعامك –الذي خلقه ربُّك فقط – بدون إضافاتٍ صناعية..على مبدأ الوقاية خيرٌ من العلاج

لكنْ عندما تعجز وصفاتك عن اجتراح الشفاء..قد تحيل مريضك إلى الشيخ فيصف له حجاباً كوصفةٍ سحريّة..

أما لو وصلْتَ للعجز الكامل، فستُحيل وصفتك للمعالج الأعظم الذي هو على كل شيء قدير..فتكتب في وصفتك (لا حول ولاقوة إلا بالله )..وهو دواءٌ يأخذه المريض ليس كلّ ساعاتٍ سِتْ، بل قبيل كل مَلمّة وأثناءها وبُعيدها..إذ أنَّ الله له في خلقه شؤون

وهذه قصة مريضٍ من هذا النوع..وقد قال لي في معرض شكواه المرضية:

- إنها المرّة الأخيرة التي أراجع فيها طبيباً..فإن لم تفلح سأترك نفسي لنفسي أعالجها ذاتياً، وقد جرّبت ذلك..لكن بقيَ لي بصيصٌ من الأمل في طبٍّ قد يشفيني وأغدو طبيعياً كباقي الرجال..شيءٌ ما حلّ عليّ فغيّرني وأصبحت مُختلفاً !!

غريبة تلك الشكوى في عيادة طبيب..ولكن عليك أن تستمع فكثيرٌ من الشكاوى الرّوحية لها خلفياتٌ عضوية، لذا أجبته على نفس اللحن مشيراً إلى آيةٍ معلّقةٍ خلفي (وإذا مرضت فهو يشفين)..وقلت:

- لكل داءٍ دواءٌ يُستطبُّ به

وكان جوابه جاهزاً:

- إلا الحماقة أعيت من يداويها..وبعضُ المرضِ حمْقٌ وجهالة!

ابتسمتُ وعرفت أنني أمامَ معاينةٍ طويلة:

- أفصح عمّا تشكو منه..فكلّي آذانٌ صاغية

استلقى على سرير الفحص..وأطلق عيونَه في السقف وما وراءه..ووضع ساقاً فوق الأخرى في استرخاءٍ كامل..كنت أريد أن أقاطعه فهذه ليست عيادة نفسية لكنَّ الفضول أغراني بأن أستمع

قال وقد تاهت عيونه:

- إرضاءُ النفس غاية لا تدرك، والنفس أمّارة بالسوء..أنا لن أفصح عن مرضي لغاية في نفس يعقوب..لكنني فعلاً أعاني وسأترك لك جسدي لتعرف العلّة عسى أن تداويها

- طيّبْ..دعني أفحصك أولاً مستقصياً علاماتك الحيوية..ثم نجري بعض التحاليل المخبرية لتنمَّ عن بعض مكنوناتك الجسدية المتخفيّة

أخرج من جيبه زجاجة عطرٍ صغيرة ورشرشها على صدره..وفرَك صفحة بطنه براحة يده دوائرَ ودوائر كمّن يجري تدليكاً..وكانت الرائحة فاقعة وغريبة..ولفت نظري صدره السّافر عن الأشعار بالرّغم من شاربه المرسوم بعناية..ثم مسح رقبته وخلف أذنيه بتصرّفاتٍ قريبة ممّا تفعله بعض النسوة..والمريض عادة لا يأبه ولا يعبأ لرائحته الحقيقية..ولو كانت مهما كانت!

وفعلاً تركني أقوم بفحوصي الروتينية كقياس الضغط وإصغاء القلب والصدر..أما ميزان الحرارة الحديث من الأذن فلم يعجبه..إذ قال:

- كنتم تقيسون الحرارة من تحت اللسان في فمٍ مُطبَق فتخرسونني كدقيقة صمت..أو تضعونه في الشرج وأطبِق عليه إليتيّ..فأسكُتُ كلّيةً..هه هه لماذا يسكت المريض عندما تكشفون عورته وتدخلون بها فلا ينبس ببنت شفة ؟..أهو الخجل ؟!..هه هه..وميزان الحرارة الشرجي يحتاج زمناً أطول

ولم أبالِ بسخريته..قلت:

- سأكتب لك قائمة ببعض التحليلات الدّموية كنوعٍ من المراقبة..ولكني أؤكّد لك أنها ستكون ضمن المعدّلات الطبيعية إنشاء الله

انتفض وقال:

- وحتى الفحص الطبي صار سطحياً وما عاد كما كان..صار اختصاصياً وكل طبيب ينظر من زاوية اختصاصه..أين الطبُّ العام الذي كان يفحص كل شيء..أنا كلّي مريض وبحاجة لمن يقلبني رأساً على عقب..يفكفك أعضائي ويعيد ترتيبها..هناك خطأ ما في جسدي وفي روحي، وأين هو ذاك الحكيم الذي يستنبط مرضي استنباطاً فيعالجني ويشفيني؟

قلت مستهجناً استنقاصه لي، وقد عرفتُ أنه واجه الكثير من الأطباء:

- صبراً يا أخي..فالفحص الأوليّ مُطمْئِنٌ تماماً ولننتظر نتائج التحاليل

- فما الضيق الذي أعاني منه إذن؟..في التنفس كأنّ جبلاً يجثم على صدري.. لا تحاضر فيّ عن التدخين فهذه المحاضرة أعرفها..

- قد يكون من القلب..وبعض التخطيطات القلبية لا تنبئ عن المرض وقد يتطلّب الأمر قثطرة للشرايين..وقد نجري لك اختباراً للجهد أو تصويراً بالأمواج فوق الصوتية

- نعم..وهذه أيضاً طُلِبَتْ مني سابقاً ولن أمتثل لها

- لابأس..هنالك أدوية وقائية نلجأ لها، مع ضبط عوامل الخطورة المعروفة كالتدخين والكولسترول والشدة النفسية..هيا بنا والفحص الدوري كل ستة أشهر قد يكون مساعداً..

قلت ذلك وكأنني أختم معاينتي..لكنه قال:

- وكأني بك تريد الخلاص مني..فيمَ العجلة ولا مرضى لديك ينتظرون ؟..جئتُ إليك لأرتاح من ضيقي غير المفسَّر، فاسمعني على الأقل وأعطني المزيد من وقتك..وسأدفع لك ثانية لو أردت..وثالثة أيضاً..قلت لك إنها المرة الأخيرة التي سأراجع فيها طبيباً

- حسناً..حسناً..فليكن..ولكن المعاينة الطبية انتهت، ارتد ملابسك وتفضل بالجلوس كضيفٍ مُرحَّبٍ به.. ولنتكلم مواجهة كرجل لرجل..ما رأيك بفنجانٍ من القهوة الباردة وليس عندي من يسخِّنها

- نعم..بشرط أن تخلع مريلتك الطبية بينما أقوم أنا بارتداء ملابسي..وعندها سنكون متساوين رجلاً لرجل كما أسلفت..فذاك الرداء الأبيض يعطيك سلطاناً عليّ كمريضٍ متعرٍّ ومستلقٍ ومستسلم للاستجواب وللتداخلات الطبية المزعجة..وأنا أعجبتني فكرتك بأن نكون رجلاً لرجل

فتحْتُ باب غرفة المعاينة لتخفيف رائحة عطره النفّاذة..ولتخفيف الدخان الذي سينبعث من سيجارته التي أشعلها فوراً

قهوته يشربها بعصبيةِ المستعجل وما كان مستعجلاً..يريد أن يقول أشياءَ يستحي منها على مايبدو، لذا قام إلى باب المكتب فأغلقه بعنف ثم عاود فتحه جزئياً كحلٍّ يرضي الطرفين
عرفتُ أن هناك ما يخجل من قوله فقلت:

- أظنُّ أنك تعاني ضعفاً جنسياً على ما يبدو ولم أتطرّق إلى ذلك في أسئلتي..لا تؤاخذني، وهذا فعلاً يسبب لك ضيقاً وتوتراً..وقد نعرّج إلى ذلك بعد أن تراجعَني مصطحباً نتائج التحليل
ابتسم وقال ساخراً:

- كلكم معشر الأطباء تفكّرون بنفس الطريقة..انسَ أنني رجل أجالسك..تخيّل أنني امرأة جميلة تحوّلت من مريضة إلى جليسة..حدّثني كامرأة يا صديقي..غازلني..لقد خلعتَ لتوّكَ رداءك الطبي ولا ضير عليك إن خالفت قسم أبقراط..افتح معي حديثاً شخصياً بعيداً عن الطب
قلت بعد لحظات من التفكير:

- لطفاً يا سيدي..الباب الذي حاولت إغلاقه يوحي بأشياء ممنوعة من الحوار..وأنا لا أفقه شيئاً بالسياسة ولا بالدين فدعنا منهما لو سمحت..وقد تكون مثقفاً وقارئاً ولا قدرة لي على مجاراتك..ونسيت أيضاً عن أسألكَ عن عملك؟

أطفأ سيجارته بعصبية:

- أنا أستاذٌ جامعيّ..ولي بضع سنوات كمدرّس مساعد في كلية الآداب..كنت متزوّجاً وحدث الطلاق لاختلاف الأهواء مع زوجتي..أميل للاقتراب من طلابي الذكور على عكس كل الأساتذة..والطالبات تعرفن ذلك من قسوتي عليهن..ولا آبه لأي أنثى مهما كانت..اللهم إلا أمي رحمها الله..وأنا ما كنت كذلك..أشعر بأنني أتحوّل

قال ذلك وبدا بعدها ضعيفاً مهزوزاً ورقَّ صوته ولم يقوَ على النظر في وجهي..وانتظر مني جواباً ولكنْ ماذا أقول..

ثم تابع قائلاً:

- لو كنت في بلاد الغرب لأعلنتُ ذلك صراحةً فهناك حقوقٌ للمثليين أمثالي..ومنظوماتٌ مرخّصة تعترف بهم..لو كنتُ هناك لبحثت عن رجل يتزوجني أو يساكنني..أما هنا – في بلاد الأخلاق المستترة - فيجب أن أعرض نفسي على الرجال في حمام السوق أو بين نزلاء السجون..هو مرضٌ وشذوذ نفسي وأعرف ذلك..وقد تعشق امرأة ما مثيلتها..وأنا أبحث عمّن يعشقني
قال ذلك ببساطة وكأنه خرج من نفسه وبدا أكثر ارتياحاً..ثم تابع:

- في العيادات الطبية قد أجد من يعرّيني ويفحصني..وفي النوادي الرياضية هنالك من يجري تدليكاً لمفاصلي وأعصابي..وفي مسابح الرجال أغطس وأعوم وأغرق لثوان فينقذوني ويحملوني ويقلبوني ويجلسون على ظهري لإخراج بقايا الماء من صدري.. وقد يجرون لي تنفساً اصطناعياً..

فما رأيك وقد وعدتني بأن نتحدث كرجل لرجل؟

- استغفر ربك أستاذي الكريم..والصلاة خيرُ علاجٍ لنفسك ولروحك
وعاود الانتفاض بعدها وكأنه سمع تلك النصيحة مراراً..وقال:

- لا..لن أقرب الصلاة في مسجد أو جامع حيث يجتمع الرجال فتنهبني أفكاري وميولي المخنثة..ويسيطر عليّ الوسواس الخنّاس..فأرى نفسي خاطئاً وخطّاءاً..فأخرج من الجامع وكأنني ارتكبت معصية بحضور الله نفسه..ويزداد بعدها قلقي وضيقي

وهنا قد يمسك الطبيب قلماً أثناء استرسال المريض بالكلام..وقد لا يكتب شيئاً وإنما هو نوعٌ من الإيحاء بالكتابة..ويرى المريض ذلك ويستمر في سرده ولا يعود ينتظر جواباً..إذ أن الوصفة الناجعة قادمة في النهاية

وأنا بدأت أرسم خطوطاً متداخلة ومتقاطعة كشبكة العنكبوت..وكلما أغرق في شرح مشكلته كلما ازداد تعقيد شبكتي العنكبوتية كمتاهة إن دخلت بها فستعجز عن الخروج منها
قال الكثير، وأعطى للموضوع أبعاداً إنسانية عامة أكثر من كونها شخصية خاصة..ثم قام وتابع حديثه وهو يزرع الغرفة جيئة وذهاباً وقد عاد لشخصية المحاضر في كلية الآداب..في محاضرة يبدو أنه استعدّ لها مسبقاً بأسلوب أدبي راقٍ ولم يبخل بأبيات شعرية ولا بأقوالٍ لأدباءَ عالميين كشواهد تتخلل أفكاره..كأنه فقط يحتاج مستمعاً يحسن الإصغاء..وكان يرمقني بطرف عينه وأنا أخطُّ على ورقتي..وأظنُّ أن طلابه يفعلون ذلك فلمّا يرتكس

كان جرس الهاتف منقذاً لي من تلك الورطة..ليستفيق من استطراداته وليضع نقطة في نهاية حديثه.

وبَعْدَما أنهيت مكالمتي..قال:

- لقد وعدتني بأن نتحدث كرجل لرجل..ولم تبدِ رأيك ؟..ثم ماذا تكتب في صفحتك ؟..أعطني وصفتي ودعني أذهب

وفعلاً أعطيته ورقتي ذات العنكبوت..وذيّلتها بوصفة تقول (لا حول ولا قوة إلا بالله )!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى