نجع الفردوس

، بقلم هشام الشامي

اسفل مصابيح انيرت بالأبيض وبعد إقامة صلاة الفجر وقف الإمام وتجاور خلفه خمسة افراد. لم يقف بينهم الشيخ عبد الودود الذي لم تفوته صلاة الفجر في السنوات الخمس الماضية منذ مجيئه إلى النجع.. لا يعرف أهل النجع من أين جاء الشيخ عبدالودود، وإن سألوه كان يقول "كنت أقيم في بقعة من بقاع الأرض". وخلال تلك السنوات الخمس لم يغادر النجع عدا مرة واحدة منذ سنتين. ذهب إلى المدينة بعد صلاة الفجر وعاد قبيل صلاة العشاء.
بعد ثلاثة أيام من غياب الشيخ ذهبوا إلى بيته الذي يبعد من المسجد مسافة ربع ساعة سيرا على الأقدام. طرقوا الباب الخارجي للبيت ولم يجب أحد. رجعوا إلى بيت جاره سالم النجار وسألوه فأجاب "بالفعل لم ار الشيخ منذ أيام وطرقت باب بيته بالأمس. عله غادر ليزور احد اقاربه, فقد قال لي منذ أيام أنه سوف يرحل لفترة قصيرة .
مر أسبوع ومع نهاية الأسبوع الثاني من الغياب وبعد صلاة الجمعة ذهبوا وطرقوا الباب الخارجي. ارتاب بعضهم بعدما احسوا برائحة عفن بالداخل.

كان السور يحيط بالبيت وحوش صغير زرع فيه بعض نبتات الفول والنعناع. قفز شاب من فوق السور ليفتح لهم الباب الكبير، ودخل البقية وفتح باب المنزل بفأس كان ملقى جوار نبات الفول.
شاهدوا الشيخ أمامهم جوار الباب الصغير ممددا فوق أريكه خشبية مكسوة بالاسفنج. راقدا بجسد منتفخ مع تغير لون البشرة إلى اللون البنفسجي.
صعق من صعق وبكي من بكي. وجدوا جواره اجندة فوق منضدة خشبية فقال احدهم "افتحوها ربما نجد رقم هاتف احد اقاربه؟". تناول الأستاذ علاء الأجندة ومر بصره وهو يتصفحها على كلمات (ثلاث خطايا وواحدة). ولم يجد رقماً أو عنواناً.
قبل حمل الجثة وإيداعها للمقر الأبدي تم الأتصال بالنجدة والإسعاف. وبعد الاتصالات وذهاب وإياب ذاك عاد واحداً كان لاحظ كلمات (ثلاث خطايا وواحدة) ليجد سرابا مكان الاجندة.
احتفظ بها علاء لنفسه. دسها بين ثنايا سترته بينما كانوا يدعون للمرحوم بالمغفرة. وقرأ ما بعد العنوان...
( مثلث الشهوة أضلاعه سرقه، زنا، مخدر. ولا أعرف هل احتوتني تلك الأضلاع أم احتويتها. هل أرادوا فردوساً خاص بهم خوفاً من عدم بلوغهم الفردوس الأعلى؟. هل انساقوا لإغواء الشيطان الذي اخبرهم بأن الفردوس الأرضي أفضل من الفردوس الحق كما أغوى ادم من قبل؟.
ففي فردوسك الحالي المتخيل تختار متعتك وتنتقيها وتعيش داخلها وتمارس ما يحلو لك. وصادفت في الأيام ثلاث خطايا لثلاثة من أهل النجع.

الخطيئة الأولى
ابلغني الحاج حسين أن ابنه قد سَرق. سَرق بيت احد الجيران كان ترك بيته ورحل ليزور قريباً له بالمدينة. سَرق أموال وذهباً وأجهزة.. عرف الحاج حسين ما وقع بالمصادفة عندما سمع ابنه يتحدث مع معاونه بالهاتف. وبعد مواجهة وبكاء وضرب وصراخ وصياح اصبح في حيرة من أمره، ولا يعرف ماذا يفعل. هل يرد ما سُرق ويفضح ابنه أم ماذ ؟.
وبعدما استشارني قلت له أن يخبر جاره بوجود تلك المسروقات جوار بيته داخل البيت المهجور المجاور له. وهنا تعيد ما سرق ولا يتأذى أحد. وبعدها سألته "ولكن كيف تعاقب اللص".

الخطيئة الثانية
سالم النجار جاري وصديقي الذي أخبرني أخيراً عمَ داخل صدره. فلديه عشيقة في مسكن مجاور بالنجع، ويريد تركها لكنها نهمة لا تشبع، فبعدما استعصم قالت له انها ستفضحه أمام زوجته، وكي تؤكد صحة أقوالها ستخبرها عن الندبة التي عند أسفل بطنه وأشياء اخرى لها علامات. فقلت له إن الله لا يضير عبد تائب".

الخطيئة الثالثة
شهاب الشاب العشريني الذي التقى به بعد صلاة الجمعة سألني كيف يبتعد من المخدرات ومن اصحابه اللذين هم كل ملاذه، كما انهم لهم فضل عليه في اكثر من موقف، ويعرفهم منذ طفولته. وإن ابتعد عنهم سيعيش وحيداً.
فقلت له " اخبرهم بأنك اقلعت عن التعاطي، فإما يتقبلونك على وضعك الجديد وإما يبتعدوا فيكونوا قد خسروا صديقا به ولو مثقال ذرة من الإيمان"....

توقف علاء عن هذه الكلمات وهو يضحك ويقول "يا نجع الفردوس السافل"..
والثلاثة تغير وضعهم بعض الشيء بعد موت الشيخ . فالحاج حسين رد المسروقات لصاحبها، فقط ينقصها جهاز اللاب توب، كما ارسل ابنه إلى المنفى حيث المدينة فذهب الشاب إلى هناك عدواً.
أما سالم النجار فقد تاب؛ تاب بعد المضاجعة الأخيرة. بعدما صّور عشيقته عارية دون علمها، ليكن لديه ما يفضحها شر فضيحة إن فكرت بالذهاب إلى زوجته والوشاية به.
وشهاب تقبله اصدقائه على وضعه الجديد. فقط يتناول بعض الحشيش وقت (الافراح) لأن الفرحة لا تعوض.
وعاد علاء ليكمل قراءة ..
( أما بعد.. أشعر به يتسلل داخل بدني.. أمسك بالقلم وأسطر كلماتي الأخيرة. وقد وجهت نصيحة لثلاث أشخاص لكل واحد منهم خطيئة. أما العبد لله فخطاياه تعدت خطايا الثلاث. فقد سرقت بيت من زنيت معها بعدما ماتت من جرعة هيروين زائدة.
وبعد زمن تركت مدينة عامرة بالمفاسد وجئت إلى هذا النجع الصحراوي بأناسه البسطاء كي أحيا حياة جديدة متمنيا ارضاء لله.
وإن قرأ احدا هذه الكلمات أرجو ان يدعو لي بالمغفرة والرحمة).
قبل طي الأجندة أعاد كتابة الفقرة الأخيرة مرة أخرى ، ونشر هذه الكلمات على موقع التواصل ( فيس بوك ) كي يدعو للشيخ اكبر عدد من الناس.