فتح منصور

، بقلم هايل المذابي

في أيام الحرب شاعت ظاهرة الهجرة بين الشباب بشكل شجع كل أبناء الوطن على الهجرة، منهم من يعرف إلى أين سيذهب ومنهم من لا يعرف.. لكن الجميع يلتقون في شيء واحد ويتفقون فيه وهو الحلم بفرصة أفضل وعوالم أرحب.

عندما سمع فتح منصور بشأن هجرة الشباب التي أصبحت أكثر شيوعاً من البواسير قرر هو أيضاً السفر.

فتح شاب في مقتبل العمر أكمل دراسته الجامعية متخصصا في علوم الرياضيات، متدين جدا، رغم أنه لا يحتاج إلى أن يكون كذلك فالبيئة التي نشأ فيها بها من العادات والتقاليد ما هو أشد صرامةً و قيوداً مما قد يفرضه التدين على المرء، يعمل فتح منصور في زراعة القات وبيعه، يعيش مع أسرته في إحدى قرى اليمن الشمالية، وقد قرر – تلبية لدواعي ظاهرة الهجرة التي اجتاحت كل أوساط الشباب خصوصا في زمن الحرب- أن يسافر واتخذ موضوع استكمال دراسته العليا عذراً لذلك السفر الذي نوى عليه على الأقل أمام الآخرين.

جهز فتح نفسه جيدا ورتب كل شيء يتعلق بالسفر خلال أيام قليلة، ثم ودع أهله ومضى.

وصل فتح منصور إلى الخرطوم يرتدي ثوبا بنيا قصيرا وعلى رأسه كوفية بيضاء وله لحية لم تحلق من قبل مطلقاً، لكنها ليست طويلة أو كثيفة ولا يخطئ من يراه لأول وهلة أنه متدين وينتمي إلى جماعة السنة.

كان فتح منصور يعرف جيدا إلى أين سيذهب، فبدلا من الذهاب إلى البحث عن سكن ليستقر ويرتاح فيه قصد مسجدا معروفا في الخرطوم بأنه مركز لتجمع أهل السنة ورجال الدعوة كانوا قد أخبروه عنه بعض معارفه من نفس الجماعة في مسجد قريتهم قبل سفره وأوصوه بزيارته.

كل ما حمله معه فتح منصور معه في رحلته من قريته إلى هذه المدينة هو حقيبة متوسطة الحجم بها عدد من الأثواب وبعض الملابس الداخلية بالإضافة إلى ملفه الأكاديمي، به وثائق الالتحاق بالدراسة، ومحفظة بها رزمة من العملة الصعبة جمعها من هنا وهناك لتغطي احتياجات الدراسة والإقامة والإعاشة لعدد من الأشهر، وأيضا هاتف بسيط جدا وبدائي لا يمكنه فعل شيءٍ سوى حفظ الارقام والاتصال وارسال واستقبال الرسائل القصيرة فقط.

هناك في ذلك الجامع الذي حط رحاله فيه، تعرف فتح منصور على بعض الأشخاص الذين وجهوا له دعوة بالخروج معهم في سبيل الله لمدة عشرة أيام. وأخبروه فيما أخبروه بأن برنامج خروجهم ذاك سيكون في نفس ذلك اليوم، أي بعد لقائه بهم بساعات فقط و لا حاجة له بالذهاب إلى أي مكان أو استئجار سكن.

فكر فتح منصور في الاستجابة لتلك الدعوة وقال لن يضرني أن أخرج في سبيل الله لعشرة أيام قبل أن أبدأ اجراءات الالتحاق بالدراسة والتسجيل فلربما بهذا العمل يذلل الله لي كل الصعوبات وتفتح لي كل الأبواب المغلقة وتهيء لي من الأسباب ما يكفي للنجاح والسداد.

في أول جامع انتقل إليه فتح منصور مع تلك الجماعة التي خرج في سبيل الله لعشرة أيام معها، تقرر عليه، أسوة بهم، اولاً بمجرد وصولهم إلى ذلك الجامع، أن يضع حقيبته في غرفة ملحقة بالجامع، كما كان قد تقرر عليه قبل ذلك أن يدفع ما قررته عليه الجماعة من نقود بعد حساب اجمالي ما سيصرفونه على المأكل والمشرب طيلة عشرة أيام، وحين أعاد محفظته إلى حقيبته وضع جوازه أيضا إلى جوارها ولم يبق بجيبه شيء اعتقادا شائعا بأن ثقل الجيوب قد يشغل عن الصلاة، لكنه ترك بعض الجنيهات القليلة جدا لعل ثمة من ينتظر الصدقة على أبواب المسجد.

كانت الساعة حينها تشير إلى الرابعة عصرا، وبعد مضي ثلاث ساعات قضاها فتح في الحديث مع أفراد تلك الجماعة، يتعرف عليهم و يتعرفون عليه يسألهم ويسألونه، تذكر فتح لوهلة أنه لم يغير ثوبه منذ خروجه من منزلهم في القرية وطيلة رحلته الشاقة و حتى تلك اللحظة، ورأى أن عليه أن يذهب لتغيير ملابسه ويستحم أيضا في حمامات المسجد.

وذهب فتح منصور إلى الغرفة الملحقة بالمسجد، حيث وضع حقيبته ليجلب ثوبا آخر، لكنه حين دخل تلك الغرفة لم يفكر إطلاقا في نوع المفاجأة التي كانت بانتظاره!

لم يجد فتح منصور حقيبته، أعاد البحث في الغرفة مراراً ومراراً ولكن بلا جدوى، لقد كانت فاجعة كبيرة جدا لشخص مثله، لكن إقناع مؤمن قديم بعدم وجود الله كان أسهل بكثير في تلك اللحظة بالذات من إقناعه بأن أحدهم قد سرق حقيبته من ذلك المكان بالذات الذي يعرف الجميع انه ملحقٌ ببيت الله وأن تلك الأغراض التي وضعت فيه تخص أناساً خرجوا تطوعا في سبيل الله.

لم يكن من السهل أن يتقبل فتح ذلك، ولذلك فقد اعتقد بيقين أن ما يحدث هو مجرد لعبة نفذها أصدقاؤه الجدد لينالوا بها قسطاً من المرح المباح مع صديقهم الجديد.

ذهب فتح منصور إليهم واحدا واحدا يسألهم راجيا لهم وشاكيا حاجته الملحة لتغيير ملابسه لكنهم جميعا نفوا معرفتهم بالأمر.

فتح منصور ليس له أصدقاء غير أهله وأقاربه وأهل قريته فقط، والوسيلة الوحيدة التي يستطيع التواصل بها معهم هي ذلك الهاتف البسيط الذي كان قد وضعه في حقيبته، حتى إنه لم يكن متأكدا في أي يوم أنه من الواجب عليه أن يحفظ رقم هاتف أحد أقاربه لما كان يعيشه من حياة هادئة لم تجعله يفكر في أي خطر أو مصيبة قد تحدث له في أي يوم من الأيام أو أنه لم يجد الوقت لذلك. كما أنه لا يفقه شيئا في أمور التكنولوجيا و لم يفكر في أي يوم أن ينشئ له حساباً على أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي.

لقد كان عليه أن يواجه الأمر بجدية لقد تمت سرقته وفقد كل شيء، المال وجواز السفر ووثائق الالتحاق بالدراسة والهاتف.

لم يكن ثمة شخص أو مكان يعرفه فتح ليذهب إليه لطلب المساعدة واضطر إلى لزوم تلك الجماعة التي خرج معها في سبيل الله.

مضت تلك الأيام العشرة المقررة في برنامج تلك الجماعة التي خرج فتح منصور معها، و لم يجد بدا من الإقامة في المسجد الذي كانت البداية منه أياما يسيرة، حتى يتم دعوته مجددا من قبل الجماعة نفسها للخروج في سبيل الله مرة أخرى، ولكن لمدة ثلاثة أشهر هذه المرة، ولأنه لا يعرف أين يذهب أو بمن يستعين فقد وافق على الفور بعد أن احتسب أجره في مصيبته على الله، وتكفلت تلك الجماعة بنفقة إعاشته طيلة ثلاثة أشهر تفهما لما حدث معه وآل إليه، لكن أحداً منهم لم يكلف نفسه أكثر من ذلك عوناً ومساعدةً لفتح منصور.

مضت ثلاثة أشهر ونصف وفتح منصور مع أهل الدعوة في سبيل الله يتنقل بين بيوت الله، حتى عرفته كل مساجد البلاد.

لقد كان مستلباً في أعماقه يتداعى من الداخل، وفي دواخله يسكنه نقيضان، فحياته السابقة كانت قد صنعت في أعماقه إمبراطورا والضياع الذي وصل إليه خلق في أعماقه شحاتاً فإن تصرف كإمبراطور كان ذلك الشحات يسخر و إن تصرف كشحات كان ذلك الإمبراطور يبكي.

بذات يوم وفي أحد المساجد تعرف فتح منصور على ثلاثة أشخاص من الحجاز من نفس الجماعة، و توسم فيهم الخير بعد أن حكى لهم قصته و ما حدث له، و قد قالوا له بأنهم يمكن أن يساعدونه و لكن عليه أن يتواصل معهم لاحقا، ورغم فرحه بذلك إلا أنه نسي أن يسألهم كيف يمكنه التواصل معهم وهو لا يملك أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي.

بعد رحيلهم بأيام طلب فتح من هؤلاء الذين يصلون معه جماعة في كل فرض، ويعتبرهم اخوته وسنده، أن يتواصلوا مع أولئك الثلاثة الذين وعدوه بالمساعدة وتوفير جواز سفر وتذكرة ونفقات طريق العودة إلى دياره، لكن اخوته هؤلاء كانوا أشد قسوةً من اخوة يوسف حين تركوه في الجب، ماطلوه كثيرا في ذلك حتى عاد إلى الحسرة و الأسى التي كان فيها، بعد أن كان الأمل قد تسلل إلى قلبه واستبشر كثيرا بوعود أهل الحجاز.

استمر فتح منصور في إقامته بلا أمل، يستمر لمجرد الاستمرار، متنقلا بين بيوت الله في الخرطوم حينا، وفي القرى القريبة منها حينا آخر، بلا أي أمل في العودة إلى منزله.

بذات ظهيرة و بعد إقامة الصلاة صادف فتح منصور في وجهه رجلا من اليمن، ويبدو أن هذا الرجل كان قد سمع بقصة فتح منصور وجاء خصيصا ً ليقابله و يبحث معه عن حل لمشكلته.

جلس معه واستفسر منه عن بعض الأمور و التزم بمساعدته وإعادته إلى بيته وأطفاله واتفقا معا بأن يتم ذلك خلال ثلاثة أيام فقط.

في صباح اليوم التالي أخذه الرجل إلى السفارة اليمنية في الخرطوم، واستخرج له وثيقة عبور تفيد بأنه فقد جوازه، وتعرف به، وتمكنه من ركوب الطائرة، ثم أخذه إلى مكتب السفريات ودفع غرامة تذكرة عودته التي كانت مهلتها ستة أشهر فقط وحدد موعدا جديدا لسفره مع أول رحلة ذاهبة إلى اليمن، وعندما حان موعد الرحلة أعطاه ذلك الرجل مبلغ 100 ريال عماني لتغطية احتياجاته في رحلة عودته الشاقة إلى دياره قبل أن يودعه ويرحل.

بعد رحلة مضنية وشاقة استمرت يوما ونصف يوم وصل فتح منصور إلى مطار سيئون قادما من الخرطوم عبر مطار القاهرة، وقبل أي شيء وعلى أو عتبة سلم الطائرة، هطلت دمعتين على خديه، ولم يتمالك نفسه حين وضع أقدامه على أرض المطار من الفرحة فخر ساجدا شكرا لربه وفرحا..

حين خرج فتح منصور من صالة الوصول لم يكن يحمل شيء سوى خيبته وقلبه الذي انفطر، وخاطره المكسور، يرتدي ذلك الثوب البني الذي ظل عليه من يوم خروجه من منزله منذ ثمانية أشهر ولم يستطع قسرا أن يغيره، وحتى تلك الكوفية البيضاء القماشية الرخيصة أيضا التي كان يعتمرها على رأسه، وبعد هذا كله وقبل أن يستقل الباص المسافر إلى قريته في رحلة تستمر ليومين، كان فتح منصور قد وصل إلى قناعة تامة ورضاءٍ كامل عن كل شيء يمكن ان يلاقيه في وطنه، مهما كان، جعله بيقين يقسم بربه بألا يفكر في مغادرة وطنه مرة أخرى، مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب.

*أحداث هذه القصة حقيقية.


هايل المذابي

كاتب يمني

من نفس المؤلف