الأحد ٣ شباط (فبراير) ٢٠١٩
بقلم عبد الله المتقي

«مذكرات معتوه» للقاص التونسي أحمد المباركي

"مذكرات معتوه"، هي المجموعة القصصية الثانية لأحمد لمباركي أصيل الجريد التونسي، والصادرة عن المطبعة الثقافية للنشر والتوزيع، في 126 صفحة من القطع المتوسط، وتحتوي خمس قصص طوال جاءت بالترتيب كما يلي:"اعترافات امرأة حمقاء، الحريق، مذكرات معتوه، الساعة السويسرية، نهاية وطني غيور".

هذا في الوقت الذي يعرف فيه القارئ القاص شاعرا ماطرا ودارسا للنصوص الإبداعية أيضا، وهذا يعني أن القصة القصيرة تصيدت أحمد لمباركي وفتحت شهيته لتورطه ثانية في عوالمها المشهيية، بعد مجموعته الأولى"حديث عجاب".

وعليه، ينحت القاص – الشاعر، نصوصا قصصية يشن من خلالها حربا معلنة على الخيانة والتهميش والانتهازية والتفاوت الطبقي وانحطاط القيم النبيلة وتسفيهها.

قرأ في قصة"نهاية وطني غيور"هذه القفلة التي توجز مسار الخائن الوطني"سفيان"ومتملقيه:"وكانت لجلبتهم ودعواتهم جلبة لم يعهد العالم مثلها من قبل،كانت لصيحاتهم جلبة عظيمة ولكن أبواب السماء دونها موصدة"ص123

في هذه القصة التي,وسمها القاص بذكاء ومهارة، فالعنوان ليس سوى سوى لعبا وفخا، إنها تسمية القصص بأضدادها، فالبطل"سفيان"لم يكن سوى خائنا وبعيدا بكيلومترات عن الوطنية، ولا ننسى في هذا الصدد أن مفتاح ترقيته لم يكن سوى أنه كان مخبرا لأسياده:"وبينما هو سائر في أزقة القرية إذ شاهد الجندرمة فالتقطوه وقالوا له:

هل تريد أن تشتغل معنا؟ مهمتك أيسر مما تتصور، أن تجلس حيث نأمرك وتراقب صاحب المنزل"ص110

وتحكي قصة"الساعة السويسرية"عن معاناة السارد - محسن مع اتهامه بسرقة ساعة سويسرية
لفتاة تنتمي لعلية القوم، وهو براء من هذا الباطل، لتنتهي القصة بقبوله التنازل عن إهانته وكرامته بأرقام منتفخة على الصك:"فوقع على الصك، وما كاد يقدم لي ساعتي السويسرية حتى هتف بي هاتف:

أفق يا محسن، فموعد العمل قد حان"ص 105

في هذه القصة اقتراب بالملموس من بعض شجون وهموم السارد، نموذجا ومرآة بلورية صقيلة تجلو ما يعانيه المجتمع من علاقات يلبسها التفاوت، وكذا تعري عما يعانيه المواطن من تبخيس وشراء لكرامته بثمن بخس.

في قصة"اعترافات امرأة حمقاء"ينحاز القاص إنسانيا وإبداعيا لفقراء الوطن ومهمشيه"سلمى – عزيزة"اللتين أكلتهما رحى الفقر رغم انتمائها لأصول ثورية، فالأب"التوهالي"ضحى برجله من أجل الاستقلال، فدارت عليه الرحى، فلم يحصد سوى الكدح رفيقا"أبي المبتور الساق نهشه القهر والسعال والسجائر البخسة الثمن"ص26، ولم تكن ابنته عزيزة غير جسد للمتعة والاستغلال الجنسي ولم تكن حفيدته"سلمى"سوى لقيطة:"سلمى في بطني، شهادة إدانتكم، سلمى سكين في قلوبكم، سلمى سوس ينخر عظامك"ص37

أما قصة"مذكرات معتوه"، فهذيان يلملم السارد خيوطه المتشابكة،، والسارد في الأساس معتوه كما يتبدى من عنوان القصة، وبذلك، تحاكي هذه المذكرات القصصية سوريالية هذا الواقع وإحباطاته التي لا تورث سوى الغموض والالتباس، ولا تفرز سوى جنونا معقلنا من قاص يكتب قصصا حبلها السري أنها شهادة مجازية عن الواقع.

فضائيا، تتحرك كثير من شخصيات قصص"مذكرات معتوه"في عالم قروي خالص، بكل أناسه الطيبين والمقهورين،ومسه الحارقة،وشظف عيشه، وصحرائه، مما يجعل من أحمد لمباركي قاصا بدويا بامتياز، والأكثر من هذا هو واحد من أقلية تستحضر الريف في تجربتها الروائية والقصصية في المشهد الحكائي التونسي وتستحضر القاموس اللغوي"أقاصي القرية، العلف، المخلاة، السهوب،.."

وفي هذا الفضاء، تتحرك شخصيات تفتقد لحرارة القلق وسخونته، من شأنه إرباك القارئ وإزعاجه، بالرغم من أنها موصوفة ومشاهدة من قبل السارد، كما أنها تتحاور تقريريا وبلا روح قصصية:

"- أو تظنني أتنازل عن القضية؟

سأرفع الثمن إلى خمس مائة ولن أزيد

قلت لن أتنازل عن القضية، فأنا رجل شريف، لست خريج سجون ومحاكم"ص105
ولا يكتمل الحديث عن هذه القصص دون الإشارة أنها تتغذى من السخرية اللاسعة، مما يجعل رؤية القاص كوميدية، لكنها في العمق جارحة وملائمة لهذا الواقع المكتظ بالمشاهد الكاريكاتورية والمستفزة.

وفي الختام، آمل أن يتبين صاحب"مذكرات معتوه"أن"القصة القصيرة يجب أن تنطلق بقوة، مثل صاروخ ألقي من طائرة ليضرب بحدة وبكل قواه، الهدف المنشود"يقول الناقد الروسي"إيخنباوم". وهذا لعمري ما تملكه القصة القصيرة إزاء هذا الواقع الملغوم والمتجهم على الدوام.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى