الخميس ٧ شباط (فبراير) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

مونتيسكو ومبدأ فصل السلطات

يعتبر كتاب "روح القوانين"، الصادر عام 1748م، من أعظم الكتب التي ظهرت في عصر الأنوار الذي سبق الثورة الفرنسية. مؤلف هذا الإنتاج الفكري الكبير، هو شارل لويس سيكوندا دي مونتيسكو، بارون دي لابريد، عندما كان في التاسعة والخمسين من عمره. الكتاب عبارة عن ثمرة عمر كامل من الجهد والتجربة والخبرة، وأربعين عاما من الدرس والبحث، وعشرين عاما من التأليف والمكابدة والمراجة والمعاناة.

مبدأ فصل السلطات، يعمل به في معظم دساتير العالم اليوم، ويذكر في بلادنا أيضا من حين لآخر في بعض المقالات السياسية، أو يأتي على لسان بعض السياسيين وزعماء المعارضة، حينما يتحدثون عن تعديل الدستور. لكن، من أين يأتي هذا المبدأ، وماذا يعني؟ هذا المبدأ أو نظرية الفصل بين السلطات أتت من كتاب روح القوانين لمنتسكيو.

السلطات التي نعنيها هنا هي سلطات الحكومة الثلاث. السلطة التشريعة والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. السلطة التشريعية (مجلس النواب مثلا) تسن القوانين، لكن لا تتولى تنفيذها. السلطة التنفيذية (الرئيس والوزارة) تتولى التنفيذ، لكن لا تسن القوانين. أما السلطة القضائية (المحكمة الدستورية العليا) فتقوم بتفسير القوانين والتأكد من مطابقتها لبنود الدستور. أي ليس لها دخل بسن القوانين أو تنفيذها. السلطات الثلاث تكون ما يعرف بالحكومة. فمن هو مونتيسكو هذا، وماذا جاء بكتابه "روح القوانين"؟

في يناير عام 1689م، ولد مونتسكيو في بلدة لابريد بالقرب من بوردو في مقاطعة مونتاني جنوب غرب فرنسا. كان أبوه، جاك دي سيكوندا، ضابطا من سلالة طويلة من النبلاء. وكان يعمل كبير قضاة في جودين. قضى مونتسكيو الابن السنوات الثلاث الأولى من عمره بين فلاحي القرية. أرسل في سن الحادية عشرة إلى مدرسة على بعد عشرين ميلا من باريس. ثم عاد إلى بوردو في سن السادسة عشر ليدرس القانون. الصداق الذي قدمته أمه البروتستنتية، جين دي لارتيجيه، كان عبارة عن قصر لابريد وأرضها.

في ذلك الوقت، كانت انجلترا دولة ملكية دستورية، منذ ثورتها العظيمة (1688-1689م). وكانت تكون مع اسكتلندا عام 1707م، مملكة بريطانيا العظمى. (إنجلترا ليست هي بريطانيا، وإنما جزء منها). في عام 1715م، وبعد حكم فرنسا مدة طويلة، توفي الملك لويس الرابع عشر، ليرث بعده لويس الخامس عشر الملك، وهو طفل في الخامسة من عمره. كانت لهذه الأحداث تأثير كبير على مونتسكيو، كان يشير إليها مرارا في كتاباته.

مات أبوه وهو في سن الرابعة والعشرين، تاركا له ثروة طائلة. بعد ذلك بسنة، دخل برلمان بوردو كعضو وقاض. ثم ورث عن عمه عام 1716م ثروته ومنصبه كرئيس للبرلمان. كان يقوم بالتجارب والأبحاث في الفيزياء والفسيولوجيا ويقدمها إلى أكاديمية بوردو، ويجمع بيانات عن جيولوجية الأرض، ساعدته في تأليف كتابه العظيم "روح القوانين". نلاحظ هنا أن الثروة الكبيرة لم تفسد مونتسكيو، إنما ساعدته على الدراسة والبحث والتأليف الذي أفاد البشرية كلها فيما بعد.

عندما كان يعمل مونتسكيو قاضيا بالبرلمان، نشر كتابا ساخرا بعنوان "الرسائل الفارسية" عام 1721م، تحت اسم مستعار لسائحين فارسيين يزوران فرنسا. هما ميرزا وأوزبك. ينتقد فيه بأسلوب تهكمي، سخافة المجتمع الباريسي المعاصر، ونقط الضعف فيه والأهواء والتحيز عند الفرنسيين. ويسخر، في نفس الوقت، من حماقات السلوك والمعتقدات الشرقية.

كتاب الرسائل لمونتسكيو يبين أن الملكية نظام شاذ غير سوي، ينتهي حتما إلى حكم استبدادي مطلق. الحاشية فاسدة، والنبلاء خاملون مبذرون يسيئون إدارة أموال الدولة. لكنه يمتدح جمهوريات اليونان وروما القديمة، وهولندا وسويسرا الحديثة. الحكومة شئ ضروري. شر لابد منه. لكنها يجب أن تكون قائمة على الفضيلة والأخلاق. (إنما الأمم الأخلاق ما بقيت – فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا). لكن إنتقادات مونتسكيو الدينية كانت أكثر قسوة.

بعد ثلاثة عشر سنة من كتاب الرسائل لمونتسكيو، كتب فولتير عندما كان في المنفى في انجلترا، كتابا شبيها يصف فيه الحرية ونظام الحكم في بريطانيا، بعنوان: "رسائل عن الإنجليز". كتاب الرسائل لمونتسكيو وكتاب الرسائل لفولتير يعتبران انتصارا لحرية الرأي، وإيذانا ببداية عصر الأنوار في فرنسا. من حسن الحظ، كان الوصي على عرش فرنسا في ذلك الوقت متسامحا بعض الشئ.

ترك مونتسكيو زوجته وراءه في لابريد، وذهب إلى باريس لكي يجني ثمار الشهرة بين الطبقة الراقية والصالونات. لذلك لم يكن من الصعب وقوعه في غرام أخت الدوق دي بوربون الذي أصبح رئيسا لوزراء فرنسا عام 1723م. ألف لها قصيدة شعر بعنوان "معبد الحب" عام 1725م. انضم بسبب مساعدة حبيبته إلى مجمع الأربعين الخالدين عام 1728م.

ثم زار بعد ذلك إيطاليا والنمسا والمجر وسويسرا وهولنده وانجلترا، في رحلة استغرقت ثلاثة أعوام. قضى نصف هذه المدة في انجلترا. أثناء هذه الزيارة، عقد مونتسكيو أواصر الصداقة مع مجموعة من علية القوم. واختير عضوا في الجمعية الملكية بلندن. استقبله الملك جورج الثاني والملكة كارولين. وحضر جلسات البرلمان الانجليزي، وأولع بالنظام السياسي البريطاني. عندما عاد إلى فرنسا، كان شديد الإعجاب، مثل فولتير فيما بعد، بالحرية التي يتمتع بها الانجليز. رجع إلى لابريد وتفرغ لأبحاثه وكتاباته التي شغلت بقية أيام حياته.

لم يحظ كتاب مونتسكيو الثاني "نظرات في أسباب رفعة الرومان وسقوطهم" الذي صدر عام 1734م، بنفس النجاح الذي لاقاه كتابه الأول "الرسائل الفارسية". الكتاب الجديد كان محافظا بعض الشئ. كما أن الراديكاليون(المتطرفون)، لم يعجبهم التركيز على أهمية الأخلاق، ولم يكونوا مستعدين لفهم عبارات عميقة مثل "الذين لم يعودوا يرهبون القوة، في مقدورهم احترام السلطة". وهي تعتبر من روائع النثر الفرنسي.

الفناء قدر محتوم يصيب الأفراد والديانات والدول. وكما كان اسحق نيوتن يبحث عن القوانين التي تحكم الطبيعة، كان مونتسكيو يبحث عن القوانين التي تحكم حركة التاريخ وتسبب نهوض وفناء الدول. أحداث التاريخ لا يسيرها الحظ أو القدر وحدهما. لكن هناك أسباب مادية ومعنوية هي التي تسير التاريخ. الفرد ما هو إلا أداة للحركة العامة للتاريخ، أو لروح العصر كما أسماها هيجل.

القدر ليس قوة ميتافيزيقية، إنما هو محصلة عدة عوامل. وعلى المؤرخين والفلاسفة، الكشف عن هذه العوامل ودراستها. لماذا سقطت روما؟ لأنها تحولت من جمهورية إلى دكتاتورية. الجمهورية تتوزع داخلها السلطات وتتوازن. لكن الدكتاتورية لا تصلح إلا للإعتداء على الجيران واستعمار الدول الأخرى.

الدكتاتورية تدمر الحرية وتشل نشاط المواطنين. هذا يؤدي بمرور الزمن إلى انتشار الخنوع والخمول والذل بين الجماهير. ويجعل الفقراء عالة على الدولة، ويضعف الأخلاق بسبب سوء توزيع الثروة وانتشار الفساد والفجور. تسبب الدكتاتورية وحكم الفرد فساد رجال الإدارة وزيادة الضرائب، وهجر المزارع والحقول. هي أيضا تستنزف الحيوية العسكرية للدولة وتجعل الجيش يسطر على الحكومة المدنية. فيصبح اهتمام الجيش، تنصيب الحكام وخلعهم، بدلا من حماية أمن البلاد.

بعد مرور أربعة عشر عاما من كتاب مونتسكيو عن الرومان، صدرت أعظم أعماله، كتاب "روح القوانين". بدأ كتابته عندما كان في سن الأربعين. كان يكابد وهو يؤلف الكتاب وكثيرا ما طرحه جانبا أو قذف به بعيدا. حتى أنه كان يناغي ربات الفنون والعلوم، الموزيات، لكي يساعدنه قائلا: "الدرب طويل. لقد أضناني الأسى والإرهاق. فأدخلن على قلبي البهجة والانشراح لكي تدفعاني إلى الطريق الصحيح."

لقد بدأت هذا العمل دون خطة أو قاعدة. كانت الحقائق تأتيني ثم تهرب مني ثانية. إذا صادف هذا العمل نجاحا، فسأكون مدينا به لعظمة الموضوع وجلاله. لقد فقد مونتسكيو بصره كله تقريبا أثناء تأليفه هذا الكتاب، مما اضطره في النهاية إلى إملاء الأجزاء الأخيرة منه.

كانت مراجع مونتسكيو في تأليف روح القوانين، إلى جانب محاوراته مع الفلاسفة والمفكرين الذين عاصروه، العديد من المؤلفات منها: كتابي الجمهورية والقوانين لأفلاطون، السياسة والحيوانات لأرسطو، الأعمال الأخلاقية لبروتارخ، كتاب الأمير لميكافيللي، المدينة المثالية لتوماس مور. وكان كلما كتب جزءا، عرضه على أصدقائه، ومنهم الوزير الأديب دارجنسون والآب جاسكو وهلفشيوس وفولتير.

كان الاعتراض على الأسلوب، لكن هلفشيوس كان ينصح مونتسكيو بألا يسئ إلى سمعته الطيبة بنشر كتاب ينتقد فيه الدين والمعتقدات المحافظة المستمسكة بالقديم. إلا أن مونتسكيو اعتبر هذه التحذيرات غير ذات موضوع. وتقدم لطبع الكتاب. ولما كان يخشى الرقابة الفرنسية، أرسل المخطوطة إلى جنيف. وهناك صدر الكتاب عام 1748م في مجلدين دون ذكر اسم مؤلفه.

ما أن ظهر كتاب روح القوانين حتي أحدث ضجة كبرى اجتاحت فرنسا من أقصاها إلى أقصاها. انقسم الفلاسفة ورجال الفكر والدين بين مؤيدين ومعارضين. لكن النقد المر، جاء كالعادة من رجال الدين. بحجة أن ما جاء بالكتاب يتعارض مع ما جاء بالكتاب المقدس. وأصدر رجال الدين بيانا يتهمون فيه مونسكيو بالهرطقة وعدم الإيمان بالملائكة والوحي والرسل، إلخ. مما حدا بمنتسكيو إلى إصدار كتاب آخر عام 1750م، يدافع فيه عن كتابه بعنوان "دفاع عن روح القوانين".

الكنيسة الكاثوليكية في روما، قامت بمراقبة "روح القوانين" بشئ من الاعتدال. قام بفحصه علماء السربون دون نقده رسميا. في عام 1751م، وضعت السلطات الدينية في فرنسا الكتاب في قائمة الكتب المحرمة، وأصدرت الحكومة الفرنسية أمرا بمنع تداوله. لكن، عندما تولى رقيب جديد على المصنفات، قام برفع الحظر عن الكتاب. وسرعان ما شق طريقه إلى الأسواق لكي تصدر منه عشرون طبعة في عامين. ثم تمت ترجمته إلى معظم لغات أوروبا.

كتاب روح القانون، يبين العلاقة بين القوانين ونوع الحكومة. ويوضح العلاقة بين القوانين والعادات والمناخ والدين وأسلوب التجارة وغيرها من العوامل. الكتاب عبارة عن بحث اجتماعي في العلاقات المتبادلة بين مكونات الحضارة.

النظام الجمهوري يصلح في المساحات الصغيرة من الأرض. حيث يستطيع الزعماء فيها أن يجتمعوا للتشاور والتداول والعمل. إذا اتسعت الرقعة، خضعت البلاد للحكم الملكي. وإذا ازدادت الرقعة اتساعا أكثر مما ينبغي، تحولت الملكية إلى نظام استبدادي، حتى تستطيع المحافظة على باقي المقاطعات تحت سلطانها.

الجمهورية يجب أن تقوم على الفضيلة. الفضيلة عند مونتسكيو هي حب الوطن والمساواة بين مواطنيه. الديموقراطية يجب أن تحقق المساواة السياسية والاقتصادية بين المواطنين. الضرائب يجب أن تكون تصاعدية حتى تحقق العدالة الاجتماعية بين المواطنين.

الحكم المطلق، يقطع الشجرة من جذورها لكي يجمع ثمارها. والحاكم المستبد، يستأصل أعظم الناس كفاءة ومقدرة لكي يحمي قوته وسلطاته. كره مونتسكيو للحكم المطلق، جعله يأتي بأشهر وأعظم نظرياته، نظرية الفصل بين السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية.

السلطة التشريعية تضم مجلسين: مجلس يمثل الطبقات العليا، وآخر يمثل العامة. يوجد أناس متميزون ثقافيا وعلميا واجتماعيا في كل مجتمع، النبلاء مثلا. إذا تساوا بعامة الشعب، يكون لهم صوت واحد مثل الباقين. من ثم يفقدون اهتمامهم بمساندة الحكم. وتكون معظم القرارات الشعبية في غير صالحهم. لذلك يجب أن يكون لهم الحق في مقاومة إساءة استعمال عامة الشعب للسلطة.

في نفس الوقت، يكون للشعب الحق في مقاومة أي اعتداء على حريتة من الطبقات العليا. من هنا تكون السلطة التشريعية في أيدي النبلاء وأيدي الذين ينتخبهم الشعب متوازنة. على أن يكون لكل هيئة صلاحياتها وآراؤها، وتكون منفصلة عن الأخرى.

عندما تفصل السلطات الثلاثة، ويراقب كل منها السلطتين الأخريين، تتحقق حرية المواطن، وتلتئم مع عدالة الحكومة. هذه الأفكار نجد جذورها عند هارنجتون والجرنو وسيدني وجون لوك. لقد وجد مونتسكيو ضالته في نظام الحكم الإنجليزي. فالملكية يكبح جماحها مجلس العموم. ومجلس العموم يكبح جماحه مجلس اللوردات.

كان مونتسكيو معجبا بمذهب الرواقيين، ويعتبر القضاء علي مذهبهم محنة ابتلي بها الجنس البشري. لأن هذا المذهب وحده، هو الذي صنع الموطنين وعظماء الرجال. الحرية عند مونتسكيو حق لكل إنسان، طالما كانت في ظل القانون. وكان يستنكر الرق لأسباب أخلاقية.

كان يعترف مونتسكيو بالله كعقل تعبر عنه قوانين الطبيعة وروح القوانين. لكنه يعتقد أن المعجزات لا تلائم طبيعة الإنسان. لا يمانع من وجود شرائع دينية تكمل القوانين المدنية، بشرط ألا تلغيها. وجود القوانين المدنية تحد من استبداد الشرائع الدينية. كما يجب أن تكون الدولة والكنيسة كل منهما رقيبة على الأخري، حتي يحدث التوازن.

في سنينه الأخيرة، كان مونتسكيو مصاب بالعمى أو يكاد. قصد إلى باريس لإنهاء عقد إيجار بيته، لكنه أثناء الزيارة أصيب بالتهاب رئوي وقضى نحبه في 10 فبراير عام 1755م، وهو في سن السادسة والستين. كان الأديب الوحيد الذي اشترك في تشييع جنازته، هو ديدرو.

كتب جيبون: "على مدي أربعين عاما منذ صدور روح القوانين، لم يقبل الناس على قراءة كتاب أكثر منه". لقد استفاد كل من جيبون وبلاكستون وبيرك من كتابات مونتسكيو. وعده فردريك الأكبر أحسن الكتب بعد كتاب الأمير. ورأت كاثرين الكبرى أنه ينبغي أن يكون كتاب الصلوات اليومية للملوك.

لقد أصبح كتاب روح القوانين الكتاب المقدس عند زعماء الثورة الفرنسية. ونقل واضعوا مسودة الدستور الأمريكي عن مونتسكيو نظريته في فصل السلطات، ومبدأ استبعاد الوزراء وموظفوا الحكومة من عضوية المجالس النيابية. وعلى مدى جيل واحد من الزمان، كان مونتسكيو، لا فولتير، هو صوت العقل وبطله في فرنسا. كما يقول "ول ديورانت"، صاحب كتاب قصة الحضارة.

كتابي "قصة التنوير والفكر المستنير" يمكن تنزيله بالمجان من هذا الموقع
https://archive.org/details/zakariael_att_201704

باقي كتبي يمكن تنزيلها بالمجان من هذا الموقع

https://archive.org/details/@zakariael


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى