الجمعة ١ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم محمد متبولي

خلايا غازية

(1)

يُعرف مرض السرطان على أنه أحد الأمراض الخطيرة والمزمنة، وتتميز خلاياه بكونها عدائية ومدمرة، كما تتميز بقدرتها الكبيرة على غزو أنسجة الجسم والسيطرة عليها، أو الانتقال من مكان لآخر في الجسم سواء كان بعيداً أم قريباً، كما يمكن أيضاً تعريفه بأنه عملية انتشار ونمو للخلايا السرطانية في الجسم بشكل لا يمكن التحكم فيه أو السيطرة عليه.

(2)

أشفقت على الطبيب وهو يخبرنى بالأمر، كان يبدو عليه التأثر، الحقيقة أن الأطباء من كثرة من يشخصون حالتهم كمصابين بأمراض خبيثة ما عادوا يتأثرون كثيرا وهم يخبرون المريض وذويه، لكنه طبيب من العائلة، وكانت حالة الذهول التى وقعت على أسرتى وهى تسمع الخبر مسيطرة عليه، أما أنا فللحقيقة تلقيت الخبر بدم بارد، فقد كنت متخذا/ة قرارى، لن أخضع لعلاج كيميائى أو إشعاعى بقدر ما سيشفى بقدر ما سيمرض، وبعدها لا أعرف إن كنت سأنجو أم لا، سأعيش ما تبقى لى من حياة محاولا/ة فعل شئ مفيد يتذكرنى به من حولى، ربما ترى أنك تقرأ فيلما عربيا قديما لكن لا بأس، ستفهم كل شئ مع الوقت.

بداية أعرف أنك تريد أن تعرف من أنا، ولماذا تجد التاء المربوطة بعد بعض الكلمات التى كتبت بضمير المذكر، لكنىى لا أريد أن أخوض معك فى هذا الأمر، فلن يفرق كثيرا معك أسمى أو ماذا أعمل وهل أنا رجل أم إمرأة، تماما مثلما أننى لا أعرف عنك شيئا، أغلب الظن أنك إنسان مثلى حظه العاثر أوقع ذلك النص تحت يديه، إلا إذا كنت تقرأه بعد عدة قرون من كتابته فربما تكون آلى من أصحاب الذكاء الاصطناعى، أو قرد أحدث التلوث له طفرة فأصبح يتكلم، المهم أنك كائن عاقل ستفهم ما أقول جيدا، وكل ما أريدك أن تعرفه هو أننى إنسان قد أصيب بمرض عضال ولن يخضع للعلاج منتظرا ساعة الرحيل، أعرف أنك تريد الان أن تدخل النص لتقنعنى بعكس ذلك، ولكن لا تحاول فلن أفعل غير ما عزمت عليه، بالمناسبة فعلى الرغم من أننى سأحدثك بضميرين، مذكر ومؤنث، سأعتبر أنك قارئ ولذا فعندما سأتحدث عنك سأستخدم ضميرا واحدا، عذرا على فرضى عليك ذلك، ولكنه نصى.

(3)

أجلس الان فى غرفتى أقلب شريط الذكريات، أنظر للسرير والمرآة والمكتب والكرسى والمنضدة الصغيرة، وجميعهم كنت أنقلهم معى من منزل لمنزل كلما غيرت السكن، وأتذكر كيف كنت أحك معهم ولهم عن أحوالى وعن من أقابلهم ، وأتذكر تلك الأيام الصعبة التى حن على فيها السرير وأحتضننى بين أغطيته ووساداته وقرر أن يتركنى أبكى كما شئت مقسما أن يحفظ السر، تذكرت حديثى مع المرآة وأنا أبتسم عن أول فتى/فتاة قابلته/ا فى حياتى وأبتسم/أبتسمت فى وجهى، كنت صغيرا/ة جدا حينها، ولكننى كنت سعيد/ة بتلك الأبتسامة الرقيقة.

أما مقبض الباب فتذكرت ذاك اليوم الذى أمسكته فيه بعنف وأنا غاضب بشدة، فسمعت المقبض وهو يئن ويتألم، فعدت إليه معتذرا فأبتسم فى وجهى وهو يتوجع من الألم، وتذكرت كم ساعدنى المكتب والكرسى على تذكر دروسى، وكيف هما يدمعان الان وأنا أكتب عليهما تلك الكلمات، وكيف تحملت المنضدة الصغيرة أكواب الشاى والقهوة التى سكبتها عليها.

بإختصار صارت الذكريات تتصاعد من رأسى وتجلس أمامى فى الغرفة، ثم تصافحنى وترحل.

(4)

أخذت أقلب فى سجل الهاتف، باحثا/ة عن نمر أولئك الأصدقاء الذين لا أعرف عنهم شيئا منذ زمن بعيد، تذكرتهم واحدا تلو الآخر، وواحدة تلو الأخرى، فرقنا الزمن، لذا كنت حريص/ة على معاودة الإتصال بهم والسؤال عليهم، فبعضهم غادر أرض الوطن سعيا خلف الرزق أو مع أسرته، وبعضهم شغلته الأيام، وبعضهم وهؤلاء من كنت حريص/ة جدا على الإتصال بهم فرق بيننا الخلاف.

تذكرت أولئك الأصدقاء والخلافات التى دبت بيننا، وكنت أضحك، فبعد هذا الزمن أكتشفت أن تلك الخلافات كانت تافهة جدا لتصنع بينهم وبينى قطيعة، ليس ذلك فحسب، بل أكتشفت أن أسباب معظمها قد زال وبقى الخلاف، الحقيقة أننى الان بأمس الحاجة ليحمل إلى هؤلاء ذكريات طيبة، ولا يوجد أى منطق فى أن يزول سبب الخلاف ويبقى الخلاف نفسه، فالإنسان مع الزمن تتغير طريقة تفكيرة وتقييمه للأمور، وحتى لو كان لدى بعضهم شئ يكتمونه بداخلهم تجاهى، فسأكون قد فعلت ما بوسعى لتصحيح ما كان.

بدأت بمحادثتهم تباعا، كانوا مسرورين جدا لحديثى معهم، وكنا نتذكر المواقف الصدامية بيننا ونضحك، لم أشئ إخبارهم بأننى أستعد للرحيل أو المغادرة، فقط أحببت أن تكون ضحكاتنا لا دموعهم هى آخر شئ يتذكرونه عنى.

(5)

أعرف أن لديك شغف لتعرف هل لى أسرة تقف بجوارى فى هذا الموقف الصعب أم لا، وهل تلك الأسرة أب وأم وأخوة، أم زوج/زوجة وأبناء، أو أى منهم، هل لى حبيب أو حبيبة، هل هذا الحبيب أو تلك الحبيبة يجلسون بجوارى وأنا أكتب تلك الكلمات الان، أم لا يعرفون شيئا، أم رحلوا عنى، أم حتى أنا من تركتهم ورحلت عنهم، لكن من وجهة نظرى المتواضعة، كل ذلك لن يفيدك فى شئ، كل ما أريدك أن تعرفه أن هناك فى هذه الدنيا من أكترث لهم ويكترثون لى وأريد أن أبقى لأجلهم، فلن أرحل لأننى مللت العيش والناس، ولكننى فقط لا أرى جدوى من محاربة المرض، وجعل من يهتمون لأمرى يتعلقون بأمل كاذب وهو نجاتى، فعند رحيلى سيتألمون مرتين، مرة ناتجة من فقدان الألم ومرة من ألم الفراق، لذا فأنا فقط أريد أن أقلل عليهم ساعات الترقب والقلق، وأرحل سريعا.

لكن أريد أن أقول لك شيئا هاما من واقع تجربتى القصيرة فى الحياة، لا تقصر حبك على شخص أو شئ بعينه، فأجعل قلبك يتسع لمن أحبوك، ومن أحببتهم، ومن أحبوك وأحببتهم، ومن سيدخلون فى أى فئة من تلك الفئات مستقبلا، ليس ذلك فحسب، بل حب كل شئ حولك، بدءا من السرير الذى تنام فوقه، وصولا للكرسى الذى تجلس عليه فى عملك، ببساطة حب العالم بكل ما فيه من حولك حتى يحبك العالم، نقى قلبك وتصارح معه، حتى آلامك أخرجها من داخلك وتحدث معها وصالحها، وأتفقا معا كيف ستمضيان الحياة، ولا تفكر ماذا تريد أن يفعل معك الآخرين، لكن فكر فقط ماذا تريد أن تفعل أنت معهم، فالحب يا عزيزى فى حد ذاته شئ يستحق أن تتعلق به، بصرف النظر عن على ما أو من ستصبه عليه، فقط حب الحب ليحبك الحب والعالم من بعده.

(6)

لن تصدق ماذا أفعل الان، أمسك بورقة أكتب فيها كل تلك الأماكن التى كنت أرغب فى الذهاب إليها ولم أفعل، الحقيقة أن أغلبها أماكن قريبة والذهاب إليها فى متناول يدى، ولا أعرف حقا لماذا لم أفعل من قبل، ما هى تلك الأشياء الهامة جدا التى حرمتنى من فعل ما أريد والاستمتاع بالحياة، حاولت أن أبحث عن تلك الأشياء وأسترجعها فلم أجد شيئا يذكر، تسرقنا الحياة وننسى أنفسنا، لكن لا يهم، فما لا يدرك كله لا يترك كله ومازال هناك فرصة ولو قليلة.

على التوازى مع ذلك، قمت بجلب كل الأطعمة التى أحبها وأدخلتها غرفتى وأغلقت على نفسى وسط دهشة من يعيشون معى فى المنزل، ثم وزعتها فى كل مكان، بعضها على السرير وبعضها على المكتب والبعض على المنضدة المسكينة، وبين الحين والآخر ألتهم منها ما أشاء بينما أكتب خطتى للترفيه عن نفسى فى الفترة القادمة، فأنا الان صرت حرا/ة تماما، لا أخشى على نفسى من سمنة مفرطة، ولا من مرض يصيبنى بسبب الطعام، ولن يكون لدى إلتزامات تحول بينى وبين ما أريده، فالموت ليس فقط مفارقة للحياة، ولكنه أيضا تحرر من قيودها.

(7)

أصبح لدى الان خطة كبيرة، بعضها ترفيهى وبعضها له علاقة ببعض الأعمال الخيرية أو الأشياء التى أردت فعلها ولم أفعلها من قبل، أظنها ستشغل الأشهر القادمة، وكلما أشتد على الألم سأتعامل معه بالمسكنات، حتى تقترب ساعة الرحيل وأرحل، الحقيقة أن الطبيب لم يخبرنى ماذا لو لم أتناول العلاج، كم من الوقت سأحتاج للمغادرة، قطعا لم أكن لأسأل مثل تلك الاسئلة حتى لا أفصح عن نيتى وأخوض ذلك الجدل الذى تتمنى أنت نفسك وأنت لا تعرفنى أن تدخل النص لتخوضه معى.

لكن لا أخفيك سرا، إننى لا أعرف كيف ستكون اللحظات الأخيرة، هل سأشعر بألم شديد أم فقط سأنام فى الدنيا وأستيقظ فى العالم الآخر، هل سأكون واعيا/ة بتلك الآلام، أم أننى سأفقد الوعى من شدتها، وسأكون موجود/ة فى العالم ولست موجودا/ة، كل ما أتمناه أن تكون ساعة الرحيل هادئة وسريعة، وأن أكون فيها وحدى دون أن يكون أحد حولى، فيا ليتنى مثل الفيلة عندما أشعر بقرب ساعة الرحيل أذهب إلى حيث سأدفن وأجلس حتى يأتى موعدى.

لا أعرف لماذ عندما تذكرت لحظة الرحيل بدأت أشعر بالدوار، لابد أنها حالة نفسية ستلازمنى الفترة القادمة وعلى أن أتأقلم معها، لكن الغريب أن آلام فى مناطق شتى بجسدى تتزايد، أشعر وكأن منشار يقطع عظمى الآن، إننى أتعرق بغزارة، وأتأوه بشدة، يبدو أن القدر لن يمهلنى لأنفذ ما خططت إليه، ويبدو أننى سأضطر لتوديعك، لا تنسى إن كنت تقرأ رسالتى الأخيرة تلك أن تدعو لى بالرحمة، وتذكرنى بالخير، وأصفح عن ذلك الألم الذى سببته لك بقصتى تلك وأنت حتى لا تعرف أسمى............................................................
..........................................................................................................................................................................................................................................................................

(8)

لا تستغرب أننى مازلت أتحدث معك، الحقيقة إنها لم تكن ساعة الرحيل، كل ما فى الأمر أننى تحت تأثير الصدمة التى حاولت إخفاءها أفرطت فى تناول الطعام حتى أصبت بنزلة معوية حادة وأغشى على، لكن ذلك لا يمنع أننى الان أجلس فى المستشفى، فلقد قررت أن أخضع للعلاج، فبينما أنا أقاوم بكل قوة تلك النزلة المعوية، فكرت مليا فى مصير من سيصيبهم ما أصبت به، وسيسمعون قصتى.

سيعرفون أننى تركت جسدى بكل سهولة لتلك الخلايا السرطانية المدمرة دون أن أظهر أى قدر من المقاومة، وتخليت بمنتهى البساطة عن عائلتى وذكرياتى وأحبتى وحتى الأماكن التى أردت الذهاب إليها والأطعمة التى تعجبنى وكل ما أردت أن أفعل، تحت وطأة شراسة تلك الخلايا الغازية، صحيح أننى لست متأكد/ة إن كنت سأنجو أم لا، لكنك لا يمكنك أن تتعرض لهجمة شرسة ستجبرك على أن تتخلى عن كل شئ تعلقت به وترفع الراية البيضاء بكل سهولة، فحتى إن لم تنجو، فستضرب مثلا لمن بعدك بأن عليه أن يقاوم تلك الخلايا الطفيلية ، وستعطى رغبتك ورغبة من بعدك فى الحياة دافعا قويا، للباحثين عن سبل التخلص من ذاك المرض العضال بأن يمضوا قدما فى ما يبحثوا عنه، فلعلهم يفتحون بابا للنجاة منه مستقبلا.

أما الان فدعنى أتركك دون عودة، فإن فشلت مقاومتى وخرت قواى ولم أنجو فلن أحب أن أضايقك بتلك النتيجة المؤسفة، أما إن نجوت فلن أحب أن أتذكر تلك القصة ثانية، وسأمضى حياتى متناسيا لها، لكن فى النهاية النص بين يديك، يمكنك أن تكمله بالطريقة التى تريدها، أو تكتفى بهذا القدر منه، وفى كل الأحوال أستودعك الله.

تمت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى