الثلاثاء ١٢ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم رشيد سكري

الأدبُ المغربيُّ و الخصوصيَّة الثقافيَّة عند عبد الله كنون

ـ 1 ـ

في شأن تأصيل ثقافة أمة من الأمم، عادة ما نبحث عن مستنبت خاص و خصب لتشكلات الظواهر الفكرية والأدبية القديمة منها و الحديثة و أحيانا المعاصرة؛ وذلك عن طريق إعادة النظر في فكر الأصول و التطلع به نحو المستقبل. إن الهدف، من وراء ذلك، لا يذب عن إعطاء نفس جديد للهوية الثقافية، التي تعتبر مطمحا كبيرا نحو تجديد البـُنى و الانعتاق من أصفاد تبعية مقيتة، ظلت تعمل في خفاء لطمس تلك الخصوصية الفكرية والأدبية. فبفضل ذلك، أصبح التفكير المنطقي يغزو ساحة الأدب، بل ظلت العقلانية والتبصُّر منطقا يُحتذى به في مقاربة شاملة لمختلف الظواهر الأدبية والفكرية. فأيّا كانت التضحيات الجسام، في سبيل إعلاء كلمة الخصوصية الثقافية، فإن الانفتاح على علوم مساعدة كان و لا يزال ضرورة ملحة بمنزلة الماء و الهواء ؛ بغية اكتمال فسيفساء الهوية المنشودة في أفق يسوده غيمٌ.

إن إعادة ترتيب مواد التاريخ واكتناهه، على سبيل المثال، يعدُّ عملا نعيد من خلاله إنتاج الذات، و اندغامها الكلي واللامشروط في الحداثة، خصوصا إذا كنا غير زاهدين فيه عن طريق تقليب مخطوطاته ومحفوظاته. فلا سبيل إلى تأكيد الوجود الفعلي و الفاعل، في التاريخ و دفع عجلاته للدوران في سيرورة تقدمية، من دون الوقوف على ما أنجزه الأولون في مختلف مشارب المعرفة من علم و فلسفة ورياضيات وفلك و جغرافيا ورحلات و طب وغيرها...

فالعلامة عبد الله كنون كان له قصْب السَّبق في إرساء معالم هذا التوجه الفذ في تاريخ الأدب المغربي. وغير خاف أن منطلقه الشهير، الذي دفعه إلى البحث عن التميز والخصوصية الفردية، هو حادث الصاحب بن عباد المشهور في تاريخ الأدب العربي، عندما أراد استطلاع كتاب"العـِقد الفريد"لابن عبد ربه الأندلسي، فقال كلمته التي أطبقت شهرتها كل الآفاق"هذه بضاعتنا ردت إلينا، كنت أظن أنه يشتمل على شيء من أخبار بلادهم، فإذا هو لا يعدو أخبار بلادنا، ردوه إلى صاحبه، لا حاجة لنا به".

إن هذا النقد اللاذع الذي وُجِّه لابن عبد ربه، يمثل زراية أفـَلت معها سُعودَه الشعرية والنقدية، بما هي جناية في حق شاعر طموح و نزق ؛ لأن الصاحب بن عباد لم يكن على دراية بحقيقة أحاديث الأدب الأندلسي على عهد أمراء قرطبة من بني أمية. فهذا الحادث، عند عبد الله كنون، كان بمثابة شرارة لم تنطفئ جـُذوتها، حيث جعلت، هذه الأخيرة من الأدب المغربي، وقودا يضئُ الصَّريم. ففضلا عن المكانة الأدبية و السياسية المرموقة، التي كان يحتلها العلامة في الأوساط الثقافية المعاصرة، فإن اهتماماته كانت منصبة على الأدب المغربي في العصر الوسيط. ومنه يؤوب هذا التفاعل إلى أن ثمة بؤرا مضيئة في كل من أدب المرابطين والموحدين والمرينيين و من أتى بعدهم، في تعاقبهم على السلطة في بلاد المغرب.

وإلى جانب ذلك، نجد الفلاسفة الذين سطعت نجومهم القطبية في سماء الأندلس على عهد المرابطين وفي مقدمتهم ابن رشد و ابن طفيل و ابن باجة و ابن زهر، حيث يعتبرهم عبد الله كنون خزانا لا ينضب معينهم المعرفي و الطبي، إلى درجة أنهم استطاعوا أن يؤثروا تأثيرا مباشرا على الأوروبيين إبان عصر نهضتهم، فصارت الحضارة العربية معلقة بين حضارتين؛ يونانية قديمة و غربية معاصرة. و بالموازاة مع ذلك، كان عبد الله كنون يقظ الحس و البصيرة، حيث عقد مقارنة إلى حد المماثلة و التطابق بين يوسف بن عبد المؤمن الموحدي والمأمون العباسي من زاوية نهمهم الثقافي و المعرفي و الفلسفي، سيما و أنهما كانا يقيمان مآدبَ في بلاطاتهم على شرف الفلاسفة و البلاغيين و النحويين والشعراء.

بالمقابل، لم يكن الطريق مفروشا بالورود و الياسمين، أمام العلامة عبد الله كنون، كي يُبْرز هذه الخصوصية المتمنعة، ويتغنى بهوية مغربية أصيلة. هادفا بذلك، إلى أن يقارع بها في محاضراته و جلساته العلمية و حواراته داخل المغرب و خارجه. غير أن بحثه الدأوب، وتنقيبه المستفيض في المخطوطات و المحفوظات الموروثة على عهد الأدب المغربي القديم، مكـَّنه من أن يتعرف على أعلام مغاربة مغمورين، تجاذبوا حبل المعرفة و الثقافة مع نظرائهم في المشرق العربي، ودراسة إنتاجاتهم، واسْتبانة مذاهبهم الفكرية واللغوية. فما كان لابن أجروم النابغة النحوي إلاَّ أن يضاهي، من خلال أجروميته، ألفية ابن مالك و سيبويه الفارسي، وقد نافسهم في تخليص إبريز اللغة العربيَّة من اللــَّحَن، الذي زَوِرَ الكلام العربي. ومن المنظور الشامل، الذي كان يسعى إليه عبد الله كنون في إثبات الدور، الذي لعبه علم الجغرافيا في توطين الإنسان في قلب الكرة الأرضية، نجد تحجّجه بمجهودات الجغرافي الشريف الإدريسي، عندما صنع خريطة العالم مُقانيا فيها بين اليابسة و الماء، وقد أقرَّ أنها أصحُّ صناعة شهدها التاريخ بعد خريطة بطليموس اليوناني.

وخلاصة القول، يظهر أن مشروع عبد الله كنون لم يكن نابعا من صدفة و بداهة ؛ وإنما عمله كان ضد البداهة ؛ مشروع متفرع إلى علوم متعددة، استثمرها من أجل الخروج، بخصوصية الفكر المغربي و عراقته، إلى وجه التاريخ.

ـ 2 ـ

فسياقيا، نشرت مجلة الكرمل في يناير/ كانون الثاني من سنة 1984، والتي كان يديرها آنذاك الشاعر الفلسطينى محمود درويش، عندما كان لائذا في تونس، حوارا مطوَّلا مع العلامة عبد الله كنون، وقد أجراه المحمدان؛ بنيس و البكري. ضمن ملف كبير حول الأدب المغربي وفنونِه، التي بدأ تتفتق براعمها في ظل نشاط الترجمة، وانتشار العمل الصحفي. شمل ـ أي الملف ـ دهاقنة المغرب في الفكر و السياسة و العلوم والفنون. من أمثال: عبد الله إبراهيم في موضوع"الحركة الوطنية والعمل الثقافي"وعبد الله كنون عن"التقليد والتجديد"ومحمد عابد الجابري بخصوص"مسار كاتب"وعبد الله العروي في"الأفق الروائي". فضلا عن تطرق الملف إلى الفكر الحداثي المغربي من خلال أهم رموزه وأقطابه ؛ عبد الكبير الخطيبي، ومحمد عياد، و عبد اللطيف اللعبي، وأحمد الرضاوني، ومحمد شبعة، ومحمد القاسمي، وأخيرا الشاعر محمد بنيس.

إن حوار"التقليد و التجديد"كشف بالملموس عن المسار التاريخي، الذي تبلورت من خلاله شخصية عبد الله كنون ؛ كأديب و مفكر و فقيه. يقول فيه:"يجب أن نفهم مصطلح فقيه فهما تاريخيا في المغرب. كلمة"الفقيه"تعني ما تعنيه اليوم كلمة"مثقف"وليس الفقيه معناه أن عمله منحصر في الفقه فقط."

فبالرغم من تشبع عبد الله كنون بالتعليم الديني العتيق، في جامعة القرويين بفاس، إلا أنه ظل مشدودا بأواصرَ متينة إلى الثقافة الحديثة في الفكر و الأدب و السياسة. سيما وأنه تعرف منذ حداثة سنه على أعلام كبار في الأدب العالمي، من أمثال: ليو تولستوي ودوستويفسكي، وما يثيرانه في إبداعهم من قضايا إنسانيَّة ؛"السيد و الخادم"و"الإخوة كرامزوف". ومن هذا العشق الكبير للقراءة و البحث، سافر به ولهه و هيامه إلى المعاقل الحصينة للفكر الأوروبي الحديث ؛ فقرأ لكل من فيكتور هيكو و راسين و غوته الفيلسوف الألماني الشهير. إن النظرة الحداثية، التي كان يرمق بها عبد الله كنون إلى العالم، تستلزم أن يكون وفير المعرفة والحضور، من خلال تواجده الدائم في قلب عواصفَ تقتلع الشجر و ترمي بالحجر، وفي ظل حصار وجيع، يقطع بلاد المغرب طولا و عرضا. يقول كنون في هذا المضمار:"ضربوا فاسَ و أطاحوا صمعة باب الكيسة، كنت صغيرا آنذاك، أخرجني أبي، وذهبنا لنرى سقاية"سيدي بوغالب"وهي مهدمة، فيما بعد عرفت أن الفرنسيين هم سبب ذلك، وقعت الهدنة، وبعد اليوم الدامي فرض الفرنسيون على أهل فاس ضريبة قيمتها مئتا ألف ريال...".

هذا التنكيل الاستعماري الغاشم كان سببا مباشر في خروج عائلة كنون الكبيرة من فاس، و هجرتها إلى طنجة. وقد أزمعت، في ظل القهر والعبودية، التي يعيشها المغاربة، على تجاوز حدود البلاد نحو أوروبا. ومن تحت براثن هذا الفقر و القمع الممنهج للحريات العامة، الذي تتفنن السلطات الاستعمارية الفرنسية في إخراجه، جاءت بداياته الأولى مع الكتابة عن طريق التقليد و المحاكاة لفعل الآباء و الأجداد. غير أن شرارة التحديث الفعلي، حسب عبد الله كنون، انطلقت في البدء مع تلاميذ ثانوية مولاي إدريس بفاس، ونظرائهم في ثانوية مولاي يوسف بالرباط، علاوة على ذلك فقد شمل التحديث، أيضا، البعثاث الطلابيَّة إلى الخارج على حساب نفقات الحركة الوطنيَّة. سيما وأن، هذه الأخيرة، تعمل جاهدة على إخراج أبناء المغاربة من سرداب الجهل و الأمية، بإنشاء مدارسَ عصرية، وبالمقابل تسعى الحركة إلى تقويض مدارس البعثات الأوروبيَّة في المغرب وتضييق الخناق عليهم.

ـ 3 ـ

كان كتاب"النبوغ المغربي في الأدب العربي"لعبد الله كنون مثالا حيّا في الخصوصية المغربية، وذلك عن طريق إسهام علماء أجلاء مغاربة في جميع فروع المعرفة و سائر ضروب التفكير. الشيء الذي سمح لهم بأن يصبح لهم موطئ قدم في بناء صرح الأدب العالمي والإنساني. يقول عنه صاحبه"هذا نبأ الحركة الأدبيّة في المغرب عبر التاريخ، وإذا أريد استيفاء الخبر عن ذلك، فليرجع إلى كتاب النبوغ، الذي أرخ للحياة الفكرية والحضارة المغربية، من لدن الفتح العربي، إلى بداية القرن الحالي".

سار العلامة عبد الله كنون على طريق جمع فيه بين التقليد و التجديد، وأرسى فكرا متحصنا و منيعا لأجيال من بعده. وفي ذات المسعى هدمَ الهوة بين العصرية و المعاصرة، فضلا عن تفكيك مركزية النموذج الغربي والشرقي المهيمن ثقافيا و حضاريا. فأيّا كان حجم الصدمة، التي أحدثها كتاب"النُّبوغ المغربي في الأدب العربي"في الساحة الثقافية العربية و غير العربية، يظل كتابه الآخر"أحاديث عن الأدب المغربي الحديث"وشما لا يمحي من على جبين طلبة قسم الدراسات الأدبية و اللغوية في معهد الدراسات العربية العالية لجامعة الدول العربية، وفي ذلك كله استطاع العلامة عبد الله كنون أن يخلق الحدث الاستثنائي في الأدب المغربي، الذي هو قسيم الأدب العربي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى