الأحد ١٧ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

نقار الخشب والبوق وطائر البطريق

بناء عش له سقف وفتحة جانبية للدخول والخروج له ميزة بالنسبة للطائر. إنه يحميه هو وأسرته من المطر ويحافظ على حرارة عشه من الداخل. هذا النوع من العشوش أفضل من العشوش التي على شكل فنجال القهوة والمفتوحة من أعلى. لكن بناء النوع الأول من العشوش ليس بالأمر الهين. لذلك ليس من غير المألوف أن تلجأ أنواع كثيرة من الطيور لاستخدام حفر في جذوع الأشجار الميتة، وهي كثيرة في الغابات والأحراش. من هذه الطيور طائر نقار الخشب.

طائر نقار الخشب هو نجار محترف بين الطيور. لأن جسمه معد بطبيعته لهذه الوظيفة الشاقة. ريش ذيله صلب ومخالبه قوية جدا تساعده على الإمساك بجذع الشجرة بينما يقوم منقاره الحاد والقوي، وهو أهم أدواته، في عمل ثقب في جذعها، يصل منه إلى يرقات الحشرات المختفية عن الأنظار. ثم يدخل لسانه، الطويل نسبيا والذي تشبه نهايته رأس الحربة، لكي يخرج طعامه الشهي.

أحيانا يتغذى نقار الخشب في فصل الشتاء على البندق وبذور الأشجار الصنوبرية وبعض النباتات. لكي يقوم الطائر بكسر البندقة للحصول على ما بداخلها، يستخدم ما يشبه سندان الحداد. يبحث عن شق في جذع شجرة ويضع فيه الجوزة ثم يستخدم منقاره كالشاكوش أو المطرقة، ويظل يضربها حتى يكسرها ويصل إلى ما بداخلها.

في حالة عدم توافر العشوش الجاهزة لنقار الخشب، عليه أن يقوم بحفر عشه في جذع شجرة ميتة أو سليمة. يستخدم في ذلك منقاره القوي القادر على عمل حفرة عميقة في جذع أي شجرة. هذا العمل الشاق، يقوم به الذكور فقط. الحفرة أو العش، تستخدم لعدة سنوات متتالية. عظام رأس الطائر مكونة بطريقة تجعلها قوية تتحمل الدق بمقاره لنزع الخشب من الحفرة دون إصابة مخه بارتجاج أو رأسه بضرر.

منقار الطائر، بالإضافة إلى كونه شاكوشا أو بلطة، يستخدم أيضا كعصا طبلة النقرزان للطبل على الخشب الجاف، للإعلان عن ملكية المكان بوضع اليد، أو لجذب الإناث. الطيور الأخرى تستخدم الغناء بالصوت الرخيم مثل عبد الوهاب أو عبد الحليم.

التوقيت والفترات الزمنية المستخدمة في النقر وتتابعها هي لغة التخاطب من بعد. مثل لغة دقات التليغراف التي كنا نستخدمها قديما قبل تطور التليفونات. إذا لم يجد الطائر فرعا يابسا له رنين كالطبل، يستخدم أي شيء آخر له رنين مثل مداخن البيوت المصنوعة من الصفيح. داخل الحفرة أو العش، يتبادل الذكر والأنثى الرقاد على البيض وتغذية الصغار. الصغار تترك العش بعد ثلاث أو أربع أسابيع.

نقار الخشب أحمر الرأس الذي يعيش في أمريكا الشمالية، له عادة غير معروفة بالنسبة لباقي الطيور، وهي عادة تخزين الطعام لفصل الشتاء. إنه يجمع ثمار الجوز والنقل والبندق والفاكهة ويخزنها في حفر داخل جذوع الأشجار. ولكي يحمي مخزونه من السرقة، يضعه في حفرة عميقة ثم يقوم بسد فتحتها بقطع خشبية مناسبة. أماكن التخزين تكون بجانب عشه الأصلي.

طائر البوق ذو المنقار غريب الشكل، والذي يعيش في أفريقيا وفي الأماكن الدافئة من آسيا، يبني عشه على شكل حفرة في جزوع الأشجار. عندما تراه تتعجب وتشعر بالأسى لشكل منقاره العجيب، وتتساءل: هل لهذا الشكل ميزة للطائر أم مجرد عبء ثقيل يحمله على رأسه؟

لكن الأمر ليس بهذا السوء. فالمنقار الطويل جدا، الذي يشبه البوق، وما يعلوه من عظام تشبه القرون، كلها خفيفة الوزن وبها من الداخل جيوب هوائية. طول المنقار نسبيا يساعد الطائر على الوصول إلى الفاكهة المعلقة في نهايات الفروع الضعيفة.

هناك شيء آخر بالنسبة لطائر البوق يثير الشفقة. في فترة التزاوج، تسجن الزوجة مع بيضها وفراخها في عش الزوجية لعدة أسابيع. فتحة العش تقفل بالطمي. يعني كما نقول نحن بلغة البناء “نمحر الحيطة" ولا يترك سوى فتحة صغيرة يمد خلالها الزوج عائلته بما يلزمها من غذاء.

السجن هنا اختياري برغبة الزوجة. فهي التي تقوم بإقامة الجدار العازل بنفسها بعد أن يحضر لها الزوج ما يلزم من الطمي المبلل. وعندما يجف الطمى، يصبح قوي جدا لا يستطيع حيوان أو طائر آخر اختراقه.

هنا تصبح الزوجة مثل زوجة سي السيد عبد الجواد في قصة بين القصرين لنجيب محفوظ. لا تخرج من بيتها ولا هم لها سوى العناية بأفراخها وإطعامهم. أثناء هذه الفترة، يسقط ريش جناحيها وذيلها وينمو لها ريش جديد. عندما يفقس البيض وتُكسى الزوجة بريش جديد، تقول بهدم الجدار العازل والخروج مع أطفالها للعالم الخارجي.

طائر الفرن الذي يعيش في غابات أمريكا الجنوبية والذي يبلغ أنواعه 200 نوع، يبني عشه في شكل فنجال أو كرة تشبه فرن بلدي صغير. إنه لا يبحث عن فجوة أو حفرة جاهزة، وإنما يصنعها بنفسه من الطمي.

يبني هذا الطائر عشه فوق الأغصان أو على أعمدة الأسوار أو التليفونات أو على أسطح المنازل أو في الحقول. يقوم الأبوان معا في عملية البناء عندما تمطر السماء أو متى يتوافر الطمي المبلل. يستغرق بناء العش أسبوعان، وهذا يستلزم الطيران ونقل ما يمكن حمله من الطمي، ثم إضافته إلى العش، 2000 مرة في المتوسط. يستخدم في ذلك منقاره ومخالبه.

لكي يعطي البناء الصلابة اللازمة ويمنعه من التشقق حينما يجف، يمزج الطائر الطمي المبلل بالتبن أو القش أو روث الماشية. بعد الفقس بأسبوعين، يغادر الأطفال العش ولا يعودون إليه. لأن العشوش المصنوعة من الطمي تحت أشعة الشمس الحارقة في المناطق الاستوائية تتحول إلى أفران حقيقية لا يمكن استخدامها في السكن.

لقد مررنا في دراستنا المتواضعة هذه عن عالم الحيوان بطيور تبني عشوشها بحرفية بالغة بمعنى الكلمة. منها الحرفي صانع السلال والنساج وصانع السجاد والنجار والفواخرجي. كل منهم فنان ومهندس بارع في صنعته. لكن الغريب والمذهل هو هذا الطائر الذي يستخدم الإبرة والخيط في بناء عشه.

إسمه الطائر الخياط. من فصيلة العصافير ويعيش في جنوب الصين وجنوب شرق آسيا والهند . إنه طائر أليف يبني عشه في الحدائق وفي أحواض زهور الأوركيد والشجيرات.

يبحث الطائر الخياط عن ورقة شجر عريضة. ودون أن ينزعها، يقوم برجليه ومنقاره بجذب حافتي الورقة حتى تصير في شكل القرطاس. بعد ذلك يقوم بحياكة الحافتين مع بعضهما. الإبرة هنا أو المخراز هي منقاره الطويل المدبب. والخيط هو ما يختاره من بيت العنكبوت أو من خيوط منزوعة من لحاء الشجر أو خيوط قطنية طويلة قام بمهارة ببرمها وفتلها بنفسه لهذا الغرض. وهو بالطبع لا يمانع في استخدام ما يجده أو يقع في طريقه من خيوط جاهزة صناعة البشر.

يبدأ الطائر بعمل ثقوب بالقرب من حافتي الورقة بمنقاره المدبب. ثم يمرر الخيط بين الثقوب المتقابلة ويشد الخيط برجليه ومنقاره حتى تقترب الحافتان من بعضهما، ثم يقوم بعمل عقدة في نهاية الخيط حتى يثبت وضع الخيط والحافتين. في بعض الحالات يستخدم الطائر أكثر من ورقة شجر في بناء عشه.

بعد ذلك يقوم الطائر بفرش العش من الداخل بصوف الغنم أو القطن أو مواد ناعمة شبيهة. ثم يضع بيضه ويرقد عليه وتكبر أطفاله داخل عشه الذي صنعه بمهارة الخياط المحترف.

في القطب الجنوبي، يحل الظلام الدامس المتواصل لعدة شهور وتهب الأعاصير الثلجية بدون رحمة. فهل يمكن لطائر ما أن يعيش في مثل هذه الظروف الصعبة؟ نعم، طائر البطريق الامبراطور.

في مثل هذا المناخ الطاغي، لا يحلم الطائر بوجود مواد ناعمة تصلح لبناء عشه. لكن طائر بطريق الامبراطور لا يحتاج لمثل هذه المواد، لأنها موجودة وملتصقة بجسمه.

طائر البطريق بصفة عامه، جسمه معد للعيش في البحار. يغوص كما تغوص الأسماك، ويسبح بمهارة الدلافين. يستخدم رجليه كدفة المركب، لهذا توجد في نهاية جسمه. هذا يساعده أيضا على السير والوقوف منتصبا على اليابسة مثل البني آدمين دون أن يقع. وحتى لا ينزلق أثناء وقوفه منتصبا، يستند بريش ذيله القوي على الثلج. هو أيضا ينزلق بمهارة على الجليد مستخدما قفصه الصدري كزحافة.

يعيش في قارة القطب الجنوبي. البطريق الامبراطور هو أكبرها حجما. يبلغ طوله واقفا متر واحد، ووزنه 40 كيلو جرام. له طبقات جلدية سميكة تحت الجلد تحميه من برودة المكان، والتي تصل في كثير من الأحيان إلى 60 درجة مئوية تحت الصفر، أثناء غضبات أعاصيرية عاتية قد تستمر عدة أيام متوالية.

في شهر مارس من كل عام، وعند يحل الخريف في القطب الجنوبي مؤذنا بقرب حلول فصل الشتاء، يترك البطريق الامبراطور الماء حيث وفرة الغذاء. إنه قد استعد لمواجة الشتاء بإضافة طبقات من الدهن على جسده. ثم يسير على الجليد جنوبا. بعد أسبوع سير بالأقدام العارية على الجليد، يصل أخيرا إلى أرض جافة. هناك يتجمع مع رفاقه ويكوّن ما يشبه مستعمرة كبيرة للتفريخ ورعاية الأطفال.

في شهر مايو أو يونية، أي في ذروة فصل الشتاء، تضع أنثى البطريق الامبراطور بيضة واحدة. في الحال، تدعها وديعة لدى زوجها أو رفيقها. يتلقفها الذكر بسرعة على كفي رجليه الدافئتين والمغطاه بالعروق الدموية، ويقوم بتغطيتها بسرعة من أعلى بلية حاضنة متدلية من بطنه، توجد عند الذكر والأنثى. إذا سقطت البيضة على الأرض، فإنها تتشقق وتتلف في الحال.

هذا هو العش الذي تجد فيه البيضة الدفئ والمأوى. الأب أو الذكر المسكين يظل واقفا على رجليه حاملا البيضة مدة شهرين. يحاول توفير طاقته بعدم الحركة أو بذل أي مجهود، لأنه لا يأكل ولا يوجد ما يؤكله خلال هذه المدة.

عندما تهب الريح وتقسو الطبيعة، تلتصق الذكور المساكين بعضها ببعض، وتكون ما يشبه الدائرة. الذكور التي تقع على أطراف الدائرة أو محيطها الخارجي، تتبادل المواقع من حين لآخر مع الأفراد في الداخل. تعاون ونضال رائع للبقاء على قيد الحياة.

بعد أن قامت أنثى البطريق بتسليم بيضتها للذكر، تعود للبحر لكي تأكل. عندما تستعيد عافيتها، تعود إلى مكان زوجها وابنها حاملة في جوفها عدة كيلو جرامات سمك. لأن مكان الزوج أرض لا يوجد بها غذاء.

عند عودتها، تبحث عن رفيقها. تتعرف عليه عن طريق الصوت. لا يجب إضاعة الوقت هنا. الذكر المسكين بقاله 3 شهور وهو على لحم بطنه بدون غذاء. فقد تقريبا نصف جسمه أثناء الصيام. البيضة قد فقست الآن عن كتكوت جميل. الآن تم لم الأسرة، وجاءت الأم بالغذاء تحمله في معدتها لينعم الجميع بوجبات هنية. ثم تتولى الأم بعد ذلك رعاية ابنها الصغير الذي فقس في حضن الأب.

بعد انتهاء مهمة الأب الشاقة، يذهب إلى البحر لكي يسترد عافيته ووزنه لمدة أسبوعين أو ثلاثة، ثم يعود ثانية إلى أسرته حاملا في معدته هو الآخر الكثير من أسماك البحر كغذاء له ولباقي الأسرة.

الصغير يظل محتميا بدفئ أمه وحقيبتها الحاضنة لمدة 5 أسابيع. بعد ذلك، تتجمع صغار البطريق معا في ما يشبه روضة الأطفال. تحت رعاية الآباء والأمهات. بعد 5 شهور، يصبح الصغير مسئولا عن نفسه وفي غير حاجة لأبويه.

مع حلول فصل الصيف، تهاجر كل طيور البطريق إلى الساحل، تاركة مكان تفريخ الصغار ورعاتها خاويا. لا أحد يعرف لماذا قد اختارت طيور البطريق هذه الطريقة الصعبة في الخلفة والإنجاب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى