الأربعاء ٢٧ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم مكرم رشيد الطالباني

زحام وفيضان

كان زحام السابلة والمارة في مركز المدينة خلية الزنابير، وكانت أرصفة الجانبين تزدحم بالباعة المتجولين والشوارع بعربات بائعي الفواكه والسكر والرز والحلويات والخضراوات والتمور والمشروبات الروحية وبائعي البطاطس، وفي الرصيف الآخر كان عدد من الأطفال من باعة الصحف وقد قاموا برفع أعمدة خيم الصحف والمجلات وقد تجمع حولها مجاميع من الناس، وكانت العناوين الرئيسة للصحف تخرج لسان انباء ملفقة، ومن ثم ياتي الموقع التالي الذي كان بائعو الحليب والصرّافين والإسكافيين قد احتلوه ليسجلوه بأسمائهم منذ زمن بعيد، وكانت أفراد شرطة المرور تنظر هناك دون أن تستطع فعل شيء يذكر، وكانت السابلة والمارة لا تفسح الطريق لمرور السيارات المختلفة، حتى إنها كانت لا تجرؤ في إستخدام صفاراتها التي أدركها الخجل بدورها، في حين كانت إشارات المرور قد اعلنت الإضراب لأجل غير مسمى، في وقت أنتحر فيه قانون المرور بدوره!! وكان البطل في عجلة من أمره يود سرعة الوصول إلى الحي الذي يسكن فيه ليقوم بإنهاء اعماله وهو يحمل باقة من الكتب والمجلات تحت إبطه أحتار في إختيار اي منها ليمزقها بسكين المطالعةـ وكان الجمع الحاشد قد اغلق الطرق والمنافذ، ولو إنك لرميت بإبرة ما فإنها لم تكن لتقع على رأس أحد، لأن الاطفال كانوا يتلقفونها بيسر.
إنزعج البطل وأعتبر هذه الجموع المتمردة عائقاً ومعرقلاً لتطبيق القوانين والتقاليد الحضارية، وها هو القانون يبدأ في كل مرة ليشهر بندقيته وسيفه وحرابه ليسترد بطلقات بنوده وفقراته هذا الخندق ليحتفل وسط الطريق والأرصفة ويعمد إلى الرقص والغناء لمدة سبعة أيام وسبع ليالٍ، غير انه وفي غمضة عين حين تغادر شرطة المرور عند حلول الظلام وتختفي وراء الإشارات المرورية، تحتل العربات اليدوية والباعة المتجولون وبائعي السلع والمواد الغذائية التالفة والمنتهية الصلاحية وسط الشوارع والأرصفة ليكرزوا حبات عباد شمس بنود القوانين وليلتهموا حتى قشورها! كانت هناك سيارة تتقدم البطل وتزحف بين امواج السابلة والعربات اليدوية، وكانت تجدف مجداف زحفها نحو الأمام بصعوبة بالغة، وكان السائق يعزف على كمان الغضب وقد امتلأ صدره بالشتائم، وكانت الشتائم تتناثر على الأرصفة المزدحمة ووسط الطرق الملأى بعربات الباعة المتجولين، لتنزل على وجوههم، وتثير فيهم الدغدغة ليقهقهوا ضاحكين عازفين الناي لإشارات المرور.
في هذه الاثناء حطم البطل اسلاك الصمت وأردف يقول للمتجمهرين حول أحد باعة السكائر : لو كان بإمكاني فقد كنت آتي بسيارات الأطفاء، وكنت ارش مياهها على العربات والباعة المتجولين وباعة الطحين والسكر لأبللهم وعندها كنت أود أن أعرف من هو الذي يتجرأ ليقترب من مركز المدينة ؟!
أندفع بين الزحام ليقطع مسافة طريق من الشارع المزدحم الآخر، ليبتلعه زقاق ما، ليدلف من احد الأبواب وكان الضنى قد اخذ منه مأخذاً، حين فتح السرير له احضانه!
أصدر اوامره للعمال والسواق والجرافات والكريدرات واستعد المهندسون، كما اصطفت سيارات الحمل والعربات التي تجرها الجرارت الزراعية وامتطى أفواج الشرطة سيارات البيكاب، ليتجهوا في ذلك الصباح الباكر إلى مركز المدينة، ومن ناحية اخرى وصل عدد من سيارت الأطفاء لتعلو أصوات صفاراتها وتقف جانباً، ووصل قائد شرطة المدينة وحراسه! جاء رئيس البلدية بمكبرة صوت لينفخ فيها :
ـ أيها الأخوة، يا سكان مدينتنا الأعزاء، إننا نقدم على هذا العمل من اجلكم، إن مركز الشارع هذا هو مركز عاصمتنا الحبيبة، إنه طريقنا جميعاً، لا يجوز لأحد إحتلاله وقد خصصه القانون لمرور السيارات والسابلة والمشاة، لذا ارجو من الجميع سحب عرباتهم اليدوية والإبتعاد عن المكان، كي لا تنالها أمواج المياه واشداق الجرافات .
وكان الباعة المتجولون والباعة الأطفال قد وضعوا وقر اللامبالاة في آذانهم ولم يكونوا ليسمعوا شيئاً ويتحركوا من المكان !
أصدر رئيس البلدية اوامره للجرافات وسيارات الأطفاء، وعمدت الجرافات إلى إستخدام اشداقها وكانت اصوات محركاتها تسمع من مسافة بعيدة، لتهاجم العربات وهي تقوم برفعها وما عليها من مواد من سكر وصوابين وفواكه ومواد اخرى لتفرغها في القلابات، وسارع الباعة المتجولون كل منهم لينقذوا عرباتهم، وحدث هرج ومرج، وارتفع الغبار إلى عنان السماء ليحجز رؤية الشمس، وتجمهر الناس على الارصفة، واخرجت سيارات الأطفاء خراطيم مياهها الطويلة وتفتح مياهها السريعة على العربات والباعة المتجولون الذين لم يصمدوا في المكان، وارتفع مناسيب مياه الفيضان لتجرف معها أكياس الطحين والسكر والرز والشاي والفواكه وتتلاطم الأمواج في شارع السينما وشوهدت عدد من الأطفال من باعة البيض مع صناديق بيضهم وهم يطفون فوق أمواج الفيضان وهم على وشك ان يغرقوا!
كان الفيضان كبيراً، لدرجة أندفع نحو الشارع الذي يحاذي النادي القديم متجهاً نحو حي اليهود وكانت العربات اليدوية وإطاراتها والمواد والسلع التي جرفها الفيضان تصطدم ببعضها البعض، لتشاهد جنوب المدينة عربات يدوية متكسرة محطمة وسلع مبللة تالفة وقد أنزاحت على جانبي مجرى الوادي الذي يخرج من جنوب غرب المدينة.
في هذه الأثناء شعر رئيس البلدية بالزهو والتفاخر، كان يشعر بأن القانون فوق الجميع، وان القانون يستطيع فعل كل شيء وهو ينظر إلى حديقة المدينة والميدان الكبير والشوارع القريبة نظيفاً وخالياً من المارة والعربات المتمردة، وهو يبتسم في سرّه ليقول : هذه هي المدينة الحقة، هذه هي العاصمة، هذا هو القانون!
فبإمكان القانون وحده فعل هذا وإحراز هذا النصر الكبير!
وكان ظهره للجمهور، حين التفت شاهد مجموعة من الباعة المتجولين مع عرباتهم متجهين نحوهم، وهم يحملون اسلحتهم من مصيادات الطيور والمكاوير والبيض الفاسد مكشرين عن اسنانهم وشرر الغضب يتطاير من وجوههم، كانوا يقتربون رويداً رويداً وهم يهاجمون بأسلحتهم ليمطروا رئيس البلدية بوابل من الحجارة ويرمون العمال بالبيض الفاسد مما جعل العمال يهرعون لمغادرة المكان والإسراع في الإرتماء إلى داخل سياراتهم والفرار من المكان!
وكان رئيس البلدية مندهشاً لهذا التطور المفاجيء الذي لم يحسب حسابه فاغراً فاهه!
فاقتربت الجماهير الغاضبة ليرمونه بوابل من الحجارة والبيض الفاسد لتصيب الحجارة رأسه والبيض الفاسد وجهه لتنزلق السائل على وجهه، كان البطل يراقب الموقف مندهشاً فاغراً فاه التعجب، حين اصابه عدد من البيض الفاسد مد يده لتنظيفها، عندها اصابه حجر في رأسه آلمه كثيراً، ومن شدة الضربة أنتفض من رقاده ليسقط من على السرير، ليفتح عينيه ويقرأ هذه الجملة في سقف الغرفة :
ـ لقد تم إحتلال مركز المدينة دون إطلاق رصاصة واحدة!!

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى